الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه من ولاه وبعد .. فأنك لكي تفهم ما هي الحياة السعيدة يجب عليك ان تجيب عن سؤالين مهمين :
1- من انت ؟
2- لماذا خلقت ؟
انت عبارة عن 5 أ شياء مركبة على بعضها البعض , وسنحاول ذكرها مع نبذة موجزة عن كل منها .
خمسة اشياء ...
اولاً : انت عبارة عن جسد : عظام + عضلات + اعصاب + اجهزة ( سمع وبصر ولمس وتذوق ) . وهو الشيء الوحيد الذي يهتم به الناس الان , وكرسوا له كل العناية والاهتمام , وركزوا عليه ايما تركيز , فتجده يلهث وراء الدواء ان مرض جسده , ويشتري له اغلى انواع الملابس ليضعها عليه , واذا سمن قليلا سارع الى تنحيفه , وان نحف سارع الى تغذيته وتسمينه , ويغير في لون جسده ولون شعره ولون عينيه , ويقضي الانسان منهم عمره في الاعتناء في ذلك الجسد الذي سيلقى في التراب آخر المطاف .
ثانياً الروح : وهي الطاقة المشغلة لذلك الجسد , مثل الكهرباء التي تشغل الثلاجة , فالثلاجة جهاز والكهرباء طاقة , ولو نزعنا تلك الطاقة عن ذلك الجهاز لبقي الجهاز مطفأ بلا فائدة . فالروح هي التي تشغل الجسد وتجعله يعمل , فهي التي تشغل العين , تجعلها تبصر , وهي التي تشغل الاذن , تجعلها تسمع , وهي التي تشغل اليدان , تجعلهما يعملان , وهي التي تشغل المعدة , تجعلها تهضم الطعام ... ولو نزعت تلك الروح عن الجسد لألقي ذلك الجسد في التراب , لانه لم يعد يعمل .
ولاحظ كيف ان العضو اذا كان مطفأ في جسد ميت , ثم نزع ووضع في جسد حي , لبدأ يعمل فورا وعاد الى طبيعته , فتلك هي الروح التي جعلت ذلك العضو يعمل حيث كان مطفيا في الجسد الذي لا روح فيه .
ثالثا النفس : وهي بمثابة المستشار , وتقدم استشاراتها للقلب . ومقايسها : الملذات + المتع + الشهوات + السهر + اللعب + الاكل + النوم . فهي تحب كل ما سبق , وتحب كل ما هو مريح ومبهج وان كان في غير مرضاة الله , فهي تحب كل شهوة ومتعة .
فأن انت سيطرت عليها , تصبح نفسك مأدبه , والله واقسم لكم انها حقيقة , لا يعلمها الا المجرب , فأن سيطرت عليها ملكتها , وان ملكتها فلن تأمر قلبك بمنكر , بل تنكر عليه تعلقه بمنكر , فلو رأيت امرأة متبرجة لأمرت قلبك ان يغض البصر عنها , ولو هممت بمعصية لنهتك نفسك عنها , لانها تأدبت فلا تامرك الا بخير , فلو سمعت اذانا , لقمت اليه من فورك .... وهكذا
رابعاً العقل : وهو المستشار الثاني للقلب , ومقايسها : المصالح والمفاسد . فالنفس تفكر بالشهوة , والعقل يفكر بحكمة , فاذا تمنت النفس شهوة , مثل التدخين مثلا , فأن العقل يبين للقلب ما هي مضار التدخين , وماهي المصالح التي تحصل عليها اذا تركت التدخين , اما النفس فلا , فهي لا تفكر الا بمتعة تلك السيجارة , وان كانت بمضار . فأيهما سيطر على القلب انتصر , فلو كانت السيطرة على القلب للنفس , ارتكبت المعصية , ولو كانت السيطرة للعقل , تركت تلك الشهوة ونظرت الى المصالح والمفاسد . وهذا هو الحال بالنسبة للمؤمنين ؛ فأن الله جعل السيطرة لعقلهم , فلا تستطيع النفس ان تفرض شهوتها على القلب , اما غيرهم فقد سيطرت لديهم النفس على القلب , فأطاعها القلب في كل شيء , فأن امرته بشهوة , اطاع , وان حضته على فعل منكر فعل .
فلو قالت النفس : اشرب هذا الدخان لتستريح فأن الكل هنا يدخن
قال العقل : لا ان الدخان مضر , ويغضب الله .
ولو قالت النفس : ازني , ستستمتع , الكل هنا يفعل ذلك
لرد العقل : اياك , ان الزنا عار , وتهلكه , وغضب للرب , ونقلا للمرض ..
وهذا هو الحال , فمن سيطرت نفسه على قلبه , اتبع الشهوات وفعل كل ما يتمناه وان كان على حساب اغضاب ربه . ومن سيطر عقله على جسده , اطاع عقله ورفض كل شهوة ومضرة . فالجاهل تطغى شهوة نفسه على امر عقله , اما العاقل فأن امر عقله اقوى من شهوة نفسه .
اذا , كيف نغذي هذا العقل ليصبح قادرا على اعطاء الاوامر الصحيحة للقلب ؟
ان هذا العقل لا يتغذى الا بنور الدين , بالقران , فهو النور المبين , وبالعلم الشرعي , وبمعرفة الله , ومعرفة دينه الاسلام بالادلة , ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم , ومعرفة كل ما امر به هذا النبي وكل ما نهى عنه .
خامسا القلب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) اخرجه البخاري.
وهذا هو حال القلب , اذا كان صالحاً اصلح معه الجسد كله , واذا كان فاسدا افسد كل الجسد .
فالقلب الصالح لا يأمر الاعضاء الا بالخير , لانه هو لا يحب المعصية , فتبعا لذلك اعضائه كلها لا تعصي الله سبحانه وتعالى , فعينه لا تبصر الا حلالا , واذنه لا تسمع الا حلالا , وقدمه لا تمشي الا الى الحلال , ويده لا تفعل الا حلالا , وجلده لا يلمس الا في حلال .... وهكذا , صلح القلب فصلح كل الاعضاء .
اما القلب الذي يحب الشهوات فهو قلب فاسد , يأمر العين , فتنظر الى الحرام , ويأمر الاذن فتسمع الحرام , ويأمر القدم فتمشي الى الحرام , ويامر اليد فتفعل الحرام , فينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم (واذا فسد, فسد الجسد كله).
ووظيفة القلب هي : معرفة الله الخالق . فأيما قلب لم يقم بوظيفته فهو قلب مريض , شأنه شأن جميع الاعضاء , لان العين اذا لم تقم بوظيفتها وهي الابصار , قالوا عنها عين مريضه , والاذن اذا لم تسمع نسميها اذن مريضة , وكذلك القلب , فاذا لم يقم بوظيفته وهي معرفة الله سمي قلبا مريضا , اما القلب السليم فهو القلب الذي يعرف ربه ويعبده , وهو القلب الذي لا نجاة في الاخرة الا لصاحبه (إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
اما امراض القلوب فهي ثلاثة انواع :
1- مرض شبهة : وهو من اخطر الامراض , ويكون عند صاحبه شك في الدين , فلا يعتقد بوجود الله سبحانه وتعالى , كما هو الحال عند الكفار .
2- مرض شهوة : وهو تقديم هوى النفس على امر رب العالمين , وذلك حين تتعارض اوامر الله مع اوامر النفس , مثل النوم وصلاة الفجر , ومتعة النظر الى الحرام مع غض البصر , ومتعة الخمر مع العلم بحرمتها , فأذا ارتكب المحرم فقلبه مريض لانه قدم هوى النفس على امر الله , وأذا فعل ما أمره الله به فقلبه سليم لانه قدم اوامر الله على هوى النفس .
3- مرض غفلة : وهو ما يحصل للقلب اذا نسي الله والدار الآخرة والجنة والنار , عندها لا شيء يتعارض مع هوى نفسه , فهي غارقة في ملذاتها تفعل ما تشاء دون اي رادع او وازع , وهذا للاسف حال كثير من ابناء الامة في عصرنا الحاضر . وهو القلب الذي نسي الله وانشغل في امور الدنيا .
كيف تعالج نفسك من هذه الامراض ؟
· تعالج الشبهة ← باليقين , الايمان بأخبارالله وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
· وتعالج الشهوة ← بالصبر , بأن تصبر عن الملذات المحرمة , فأن امرتك نفسك بمعصية , وصورت لك ملذتها ومتعتها , فصور لنفسك ما هو العقاب الذي يأتي بعد تلك المتعة , فأن احسنت التصور نجوت , وان خضعت لهوى النفس وغرتك ملذة المعصية هلكت .
· وتعالج الغفلة ← بذكر الله , والنظر في احكام الله واحكام الدين , والتأمل في احوال اهل القبور واحداث يوم القيامة والجنة والنار والصراط وكل ما يذكر بالله وبأيام الله , حتى تصبح من الذاكرين فتنجو من الغفلة . قال ابن القيم رحمه الله : عالج نفسك بالصبر على الشهوات , وباليقين على الشبهات , وبالذكرى ضد الغفلات .
فإذا انت عالجت قلبك بهذه الامور , سلم القلب , وان سلم القلب سيطر على النفس ورفض اوامرها , وقرب العقل وقبل استشاراته , وصلح القلب , وصلح معه الجسد كله , وصلحت بذلك كل الحياة . ثم اذا مت ولقيت الله , فأنك تلقاه بقلب سليم , يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم .
وبذلك تكون قد اجبت على السؤال الاول: من انت؟ انت جسد يتحرك بأوامر القلب , وانت روح , لاتعلم عنها شيئا , وانت نفس , مطلوب ان تجاهدها , وانت عقل , مطلوب منك تنويرة , وانت قلب , مطلوب ان تعالجة .
لقد ضل كثير من الناس عن الجواب . اعتقدوا انهم خلقوا للعمل , فأنتشروا في الارض يلهثون وراء المال ويبحثون عن ذلك الكنز المفقود الذي هو المال , اعتقدوا ان السعاده هي جمع المال , واخطأوا والله الطريق .
ولو تاملنا حال الكفار , لقال قائل منا هم في احسن حال ويعيشون في سعاده لان لديهم الدنيا , وهذا مناف للحقيقة , لان الحق ان هؤلاء الكفار الذين سبحوا في الفضاء . وطوروا العلوم , واخترعوا كل شيء , وادعوا انهم اعلم منا , لا يعلمون اصلا ما هي حقيقة الحياة , قال تعالى ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهو عن الاخرة هم غافلون ) . فلا تغتروا بالكفار , فلقد حرموا حقيقة العلم , العلم بحقيقة الامور , فهم لا يعلمون عنها شيئاً .
ان الحق الذي لابد لك يوما ان تعرفه , وهو أنك ميت وانهم ميتون , ثم يوم القيامة تبعثون . فسأل نفسك هل آمن الكفار بهذه الحقيقة ؟ لا . فهل تقول بعد اليوم انهم اعلم منا , لا والله , بل نحن اعلم منهم . ان الله ما خلقك يابن ادم الا لعبادته , فإياك والانحراف عن هذا الطريق , لانك لو انحرفت عنه تهت وضللت , وبنار الاخرة احترقت , فلا يصح ايمان بغير عمل , ولا عمل بلا ايمان , فكلاهما شريك الاخر في ايصالك الى السعادة .
ان السعادة في هذه الدنيا لاتتحقق لديك الا بعد ان تكتمل عندك اركان السعادة : وهي ايمان بالله , وعمل صالح , للدنيا والاخرة , فوالله ما تتحقق السعادة الا بهذين الركنين , وكذب من قال انا سعيد ولم يعمل بهما , فبدأ اخي من اليوم , ان تسير الى الله , وتتذوق طعم السعادة الحقيقية في طاعته , فإن المعصية لاتورث في القلب الا الحسرة , وان السعادة لا توجد الا مع الله , فهو الذي خلقك , وامرك بعبادته فأطعه , فهو يعلم كيف يسعدك , وهذا هو مفتاح السعادة – طاعة الله – فهيا ان كنت تريد , تعال الى الله يسعدك , وسأله من فضله يعطيك . اما ان كنت جبانا فامكث , وتمتع بمتاع الدنيا الزائل , فلسوف تعلم ما اقول يوم القيامة , حين ترى نار جهنم قد اوقدت , وضرب على ضفتيها سراط , وامرت ان تمر عليه , من فوق النار , فهل تراك تنجو ؟؟؟
ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما . اللهم انا نسألك نعيما لا ينفد , وقرة عين لا تنقطع , اللهم انا نسألك عيشة نقية , وميتة سويه , ومردا غير مخز ولا فاضح , ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار وصلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين ...