فسحة للكلام؟! محمد غازي التدمري
ثمة مبدعون استهوتهم إعلانات [العلكة] التلفزيونية، ذات المواصفات التي لا تعد ولا تُحصى، فراحوا [يعلكون] بمناسبة وغير مناسبة كلما أُتيحت لهم فرصة ارتقاء منبرٍ ثقافي لإلقاء محاضرة، أو الاشتراك في أمسية أو ندوة، فتشعر أنهم مصابون بنهم شديد للثرثرة التي لاهدف منها غير إطالة الحديث المتداخل عن طريق عرض العضلات، واجترار المحفوظات، وتكرار الأسماء الأوربية بلكنة أعجمية غير واضحة، فهم خلاصة الثقافة العالمية المعاصرة، والرواد في كل نظرية ثقافية، علمية، فنية، نقدية.
وهم في مدّهم وجزرهم المنبري ينسون الناس والجمهور الذي جاء ليستفيد من إبداعاتهم، ويتجاهلون الزمن المحدد، ويجلدون الحاضرين بإبداعاتهم [الكيلو مترية] الهزيلة التي لا تعرف مدرسة أدبية تنتمي إليها، فلا طالت فن الشعر ولا قاربت أسلوب النثر، والحاضرون ملزمون -قسراً- بالتصفيق والتطييب، والتبسّمر في مقاعدهم ليستمعوا إلى ثرثرتهم حتى الحرف الأخير، وليس من حقهم أن ينشغلوا بأحاديث جانبية يقتلون من خلالها الزمن الممل الذي أوقعهم في فخ ذلك العبقري الذي أقنع نفسه - واهماً- أنه لمجرد الوقوف على المنبر يتجمد الوقت، وتصبح القاعة والحضور ملكاً لثرثرته المريضة، فتنتصب الأنا في مخيلّته الواهية، وتنتفخ الذات في جوفه المقترح حتى يظن -وبعض الظن إثم- أنه المبدع الأول والأخير في الساحة الثقافية المعاصرة، وأنّ عفاريت الإبداع جميعها وقفت على بابه ولم تبرحه، فليس في طول البلاد وعرضها مبدع سواه، وليس لغيره الحق أن يصنف بين المبدعين، وأن أول نتاج يكتبه على النقاد العرب والأجانب أن يضعوه في مصاف العالمية فهو نتاج ذلك العبقري الأوحد، كما لا يحق لغيره أن يكون محوراً في معجم أو دليل يشير إلى مبدعي هذا الوطن.
والغريب في أمر هذه الملتقيات، أنه ما إن يتنازل المحاضر عن منبره، ويفتح باب الحوار الذي من المفروض أن يكون مختصراً مفيداً، حتى نجد العجب العجاب من ثرثراتٍ ومداخلاتٍ، وشهاداتٍ، وتكرارٍ لمقولات تسمعها في كل حوارٍ مهما كانت طبيعة الموضوع المحاور.
فهذا فهيم عليم في كل فن من فنون القدماء والمحدثين، وهذا فيلسوف عصره، وسقراط زمانه، وسيبويه أوانه.
وذاك جهبذ في السيمياء والفيزياء والكيمياء واللسانيات. والآخر خبير دولي في الشغل الفني، والمعادل الموضوعي والشعرية والشاعرية، فهو المعلم الأول والأخير في مستويات السرد وتقنياته، حتى أن الكلمات تختنق فيه ويتلعثم بها لسانه، فتتداخل وتتشابك تشابك خيوط العنكبوت التي لا أول لها ولا آخر، ولا أدري لماذا في كل ندوة أو أمسية أكون شاهداً فيها على هذه الثرثرات والمداخلات وإطالة المحاضرات أتذكر الشاعر المرحوم [عبد الرحيم الحفي] الذي كان يصر دائماً على ألا يلقي أكثر من قصيدة واحدة في أي أمسية أو مهرجان، وحكمته من ذلك: "كن خفيفاً على جمهورك لا يملك، ولا يتهرب من سماعك، ولا يغيب عن حضور أمسياتك"
فهل يدرك القائمون على الفعاليات الثقافية في مختلف المؤسسات ندوة الحضور في أنشطتهم؟.
فيا توائم الحرف المترف، كونوا خفافاً على المنابر لا يكرهكم الجمهور، ولا يرفض حضور أمسياتكم متابع ما، ولا تلتفتوا كثيراً إلى إعلانات [العلكة] الاستهلاكية سواء أكانت بالسكر أم دونه فهي وجه من وجوه الثرثرة غير الهادفة التي تحاول أن تغتال كل جميل في حياتنا وثقافتنا العربية الأصيلة.