من دفتر الرغبة صالح محمود سلمان
في هذه الساعة من الهزيع الأخير من القلب. تنفتح الرغباتُ على مصراعيها، وتنغلق الشبابيكُ على حبقها واحداً فواحداً. لا شرفة لكي تنطلق إليها فراشات الرؤى، ولا زيتونة لكي تتوضّأ بها قناديل الروح حينما تنوي الصلاة في هيكل الحياة.
ما الذي يحتدم خلف الستائر في هذه الزفرة من بعد منتصف الخيبة؟ ما الذي يتدلى من خفقةِ ذلك الجناحِ قُبَيْلَ مواويل الغياب؟ خيالاتٌ كما لو أنّها بقايا رسومٍ على رقيمٍ ناحل، أو كبقايا وشمٍ على خدود الأمنيات المتعثّرة على الدروب في جرود الخيبات الوعرة. لا شيء في هذه اللحظة المرتعشة ينبئ عن نبضة تتأهّب لتقفز من فوق الحصارات المفروضة على جهات الروح. ولا نأمة تجرؤ على همسة تفضي بها للنحلة التي تبحث عن زهرة القمر منذ دهر. وحدها القرنفلة ترفع رأسها الأرجوانيّ من بين ركام الصرخات المدجّجة بألف موعظةٍ (حسنة) وألف حكمةٍ كسيحةٍ (لا يأتيها الباطلُ من بين يديها ولا من خلفها).
في هذه الدقيقة من الهزيع الأخير من الرحيل، حين تنطفئ الكلمات على أبواب الصيارفة والمشعوذين، تخرج السوسنة وهي تتمطّى وكأنّها عبرت خمسين نوماً تسألُ عن سرّ هذا الهدوء المريب، وحين لا يطرق أذنيها أيّة حركة أو أيّ صوت، تخلعُ أعضاءها ورقةً ورقةً وتبدأ بنسجها على نول القصيدة. ومن الملاءة العشرين بعد المائة ربّما، تخرجُ غزالات بثوب الندى وهي تتلو أصابعها على أوتار القيثارات الطالعة حديثاً من أدغال اللغة المتصعلكة، لا تلتفت إلى الوراء ولا تعطي بالاً لغير صوتها المعشوشب، وصدى حناجرها يخاصر الزيتون على امتداد رؤى القناديل:
-لا تكتئب إذا شهدت الشمسَ تذوي في عزّ شبابها. والنارَ تُخمدُ وهي في ذروة تأجّجها. فلا بدّ من أنّ خطأ جسيماً قد وقع. لسوف يصححه نهارٌ آتٍ على جناح طائر يطلع من الرماد.
-لا تبتئسْ إذا سمعت حشرجة الأصوات وهي تشرئب نحو قمّة الفجيعة باحثةً عن فضاء مفتوحٍ وهواءٍ غير ملوّث. فهي بذلك تعلن عن ميلاد نفحاتٍ وأصواتٍ مطهّمةٍ لا تركن لغير صهيلها. ولا ترضى عن الفلوات المفتوحةِ بديلاً.
-لا تترك الورود تذبلُ في مساكب الخواطر المزدحمة على أبواب المخيّلة. فإن أعوزك الماءُ ما عليك سوى أن تمرّر أناملك عليها لتشربَ من مساماتها، وتتورّد وجناتها مرّة أخرى.
-لا تيئسْ إذا رأيت المدنَ تغرقُ في لجج الرمالِ وتتقوّس أبراجُها بالمفرّق وبالجملة. فهناك على مرمى بصيرةٍ ما مدائن أخرى ستطلع من سنابل الحنطة وأصابع الزيتون وأدغال السنديان، أبراجُها مساكنُ لحمامٍ ترك هديله عند السور الأخير من الجرح.
لم يكن النداءُ شحيحاً حين انطفأ على بوابات الصدّى ولم تكن الكلمات عاريةً حين هبطت إلى نهر الحزن تملأ جرارها. وإنّما كانت متلبّسةً بما يشبه النسيمَ الطالعَ لتوّه من وادي القصب. عارياً إلاّ من أصداءٍ لا تنضبُ ولا تتلاشى.
في هذه الدقيقة من الساعة الأخيرة من الحلم، ترمحُ القصائدٌ في شرفات لم تُحجبْ عنها أشعّةُ شمسٍ أو نغمةُ قيثارة، وتعربشُ على شبابيك لا يقدرُ أحدٌ على إغلاقها. صبايا من ياسمين بأنامل سحريّة تنسجُ قميصاً لتلك التي سوف تأتي، فأعِدّ فنجانَيْ قهوةٍ، وانتظر على شرفتك.