حقوق الإنسان في الإسلام حقوق الإنسان في الإسلام " الإنسان خلقه الله من أصل واحد جمع به بين البشر في أصل حقوقهم، إلا أن الله فاوت بينهم وسخر بعضهم لبعض لإقامة الحياة وعمارة الدنيا.
وأنزل الشرع ليحكم بين الناس حتى لا يبغي أحد على أحد.
والناس جنس فيه الذكر والأنثى والكبير والصغير والولد والوالد والقوي والضعيف بل والمهتدي والضال، ولكل نوع حق وعليه حقوق، وجاء النتاج الحضاري الإسلامي وفق الشرع الإسلامي الذي بنى أسس العلاقة بين أنواع الإنسان وسكت عن أمور توسعة ورحمة.
فليس لأحد بعد الله أن يحد حداً أو يشرع شرعاً أو يضيق واسعاً أو يتجاوز حداً أو يخالف تكليفاً مما أنزل الله ورضيه لنا دينا.
وشمول الإسلام أصل قامت عليه حضارته، ولهذا شرح علماء الإسلام وبناة حضارته من ضمن ما شرحوه وبينوه حقوق الناس بعضهم على بعض، وليست مقولة حقوق الإنسان وفكرتها من مبتدعات الفكر المعاصر الغربي، كما يروج لها الكثيرون، بل هي حقيقه جاء بها الإسلام في كتاب الله الكريم وفي سنة نبيّه وكانت أساساً مصوناً واضحاً للعيان، يراعيها المسلمون حكاماً ومحكومين. ولا أدل على ذلك من تعليم النبي-صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن، ورسائله ورسائل خلفائه إلى قوّاد الجيوش الإسلامية، وتأكيد هذه الرسائل على أهمية مراعاة حقوق الرعية ،وسكان البلاد، واحترام أماكن عباداتهم، ومساكنهم.
وسيدور البحث في هذه الصفحات عبر مسارات هي :
أولاً: السبب التاريخي لوضع قواعد حقوق الإنسان في الغرب.
ثانياً: توجهات الفكر الغربي المعاصر لحقوق الإنسان في ميزان الإسلام.
ثالثاً: أسس القواعد الإسلامية لحقوق الإنسان، وملاءمتها للتطلعات البشرية.
رابعاً: المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان في الإسلام.
أولاً: السبب التاريخي لوضع قواعد حقوق الإنسان في الغرب
لم يكن التفكير في حقوق الإنسان مظهراً طبيعياً، ونشاطاً فكرياً مكملاً للمناشط الحياتية، نبع كحلقة من حلقات التأمل الفكري، بل كان ذلك وليد أمر طارئ في الكون، وعلاجاً لسقم اجتماعي زادت حمّاه في الغرب الأوربي. فالصراع المقيت المميت بين المؤسسة الحاكمة والمؤسسة الدينية في أوروبا، قد ألهب حماس الشعوب الأوربية، وحفزها على الثورة والتغيير، وقلب ظهر المجن على الكنيسة والحكومات الإقطاعية، وكان من شأن هذا التحوّل في بنية المجتمع الأوروبي السعي وراء وضع قوالب وركائز أساسية، تحمي المكتسبات وتقي من النكبات، فكان هذا من أقوى دواعي التفكير في حقوق الإنسان في الغرب، وتأسيس مبادئه ومحاوره.
يؤرخ لحقوق الإنسان، بصدور الماجنا كارتا سنة 1215م في إنجلترا، حيث نص هذا الميثاق، على إكساب الشعب الإنجليزي حقه في تجنب المظالم المالية.
وضمنت فكرة حقوق الإنسان وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776م، بتأكيد هذه الوثيقة على الحق في الحياة، والحرية، والمساواة. وفي فرنسا وفي أثناء ثورتها، صدرت وثيقة حقوق الإنسان في تاريخ 26/8/1789م، وهي تعد إعلاناً عن هذه الحقوق.
ولم يكن التعسف الكنسي والإقطاعي قائماً على معايش الناس ورزقهم المادي، بل تعداه إلى الحظر على العقل، والفكر، لذا لجأت إعلانات حقوق الإنسان، لتحرير العقل الإنساني قبل تحرير خبزه ومعاشه.
ثانياً: توجهات الفكر الغربي المعاصر لحقوق الإنسان في ميزان الإسلام
إنّ تحرير الإنسان في الغرب الأوروبي لم يتعد إلى الشعوب المضطهدة القابعة تحت نير الاستعمار الأوروبي، بل إنّ ذلك شأن آخر - في الفكر الغربي - لا يدخل في مفهوم حقوق الإنسان. وهذا ما يؤكد عنصريّة الفهم الغربي للقضية، وسعة شمولية الدين الإسلامي حينما يقرر الحقوق لكل البشر دون استثناء.
ولقد صمّم الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ليكون على المستوى الدولي، مما يوقعه في محاذير يلزم الإشارة إليها، فلم يهتم هذا الميثاق بمعاناة الشعوب، واعتبر ذلك أمراً داخلياً يجب عدم التدخل فيه، واتبع في تقويم السلوك الداخلي معيار سياسة الأمر الواقع، فالنظام الحاكم في أي دولة مسؤول عن تعريف حقوق الإنسان، وتطبيق ما يشاء منها دون تدخل من العالم الخارجي.
وفي اتجاه معاكس تماماً قام ميثاق حقوق الإنسان بتوسيع الدائرة، حتى صمّمت مبادئ حقوق الإنسان بتجاهل تام للشعوب المختلفة، وأصبحت هذه المبادئ سلاحاً فتاكاً يستخدمه المستعمرون الجدد، للضغط على الشعوب المستضعفة، ويبررون بها كل مظاهر الاعتداء والتجويع والقهر.
وبعكس التصور الغربي لحقوق الإنسان، فإن الإسلام ينظر إلى هذه الحقوق كحق للآدميين مستمدّ من إرادة الله- سبحانه وتعالى-، وحكمته، وتشريعه،وتفضله عليهم، فهو يبعد عن المادية أو ضمير الجماعة، فالمحتكم هنا ليس ما يريده الإنسان بل ما قرره الله -سبحانه-.
فكرامة الإنسان حق من حقوقه كفلها الدين الإسلامي كما قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم … .
فهذا المبدأ ملزم للحاكم والمحكوم، بل الفرد نفسه ملزم بتحقيق الكرامة الذاتية بالابتعاد عما يمتهنها بذل وخضوع، وعبودية لغير الله- تعالى-، فليس للإنسان الحرية أن يقتل نفسه بالانتحار، أو يتعاطى المخدرات، والمسكرات القاتلة والمهلكة للصحة والمذهبة للعقل.
فالمفهوم المعتمد على ضمير الجماعة لا يستقر عبر الزمان والمكان، ولا يقبل من الجماعات والشعوب المختلفة، لأن في سنّ القوانين ذاتية لا يمكن تجاوزها، فهي تحقق مصلحة جماعة دون أخرى.ومن هنا فالفكر الإسلامي لحقوق الإنسان يعتمد الشريعة الإلهية كمصدر لذلك، فالعدل والمساواة مفاهيم نسبية لا يمكن الاتفاق عليها من الشعوب، ولكن المفهوم الإسلامي الشامل لها يمكن أن يُقبل من شعوب الأرض قاطبة لعدم ارتباطه بشعب أو أمة.
ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى الفكر الغربي حول حقوق الإنسان ما يلي:
· أن فكرة حقوق الإنسان، فكرة نسبية تعتمد على تفسير الجهة المصدرة لها، مما يعني اختلافها زماناً ومكاناً .
· وجود مواجهة مباشرة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب، نظراً لأن مبادئ حقوق الإنسان تسعى لمصلحة المجتمع ضد النظام الحاكم، وهذا بخلاف مقتضيات النظر الإسلامي، حيث إنّ هذه الحقوق عامة، يتمتع بها الفرد في مواجهة الغير، وليس في مواجهة السلطة وحدها .
· لا تلقى فكرة حقوق الإنسان القبول العام، والتأييد المطلق من الشعوب المختلفة، طالما أن مصدرها قانوني بحت، لأن القانون ينبع من ضمير الجماعة، وليس من مصدر خارج عنهم، كما هو الحال وفقاً للنظر الإسلامي الذي يرجع الفكرة إلى إرادة الله -تعالى- وأمره .
· لقد توسعت فكرة حقوق الإنسان لتشمل الحريات المطلقة؛ كالعدالة، والمساواة وحرية السلوك، وحرية المرأة، والحرية الجنسية، وحق ممارسة الشذوذ. وهذا الاتساع في المفهوم لا تقبله الشعوب عامة، ويتعارض بشكل واضح مع المفاهيم الدينية السماوية، والمفهوم الإسلامي بشكل خاص، وهذه الفئات تشكل غالبية شعوب الأرض .
ولقد ظهرت عدة اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان لا تسلم من الانتقادات الموجهة إلى الفكرة العامة، لقد تم إنجاز اتفاقيتي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والمدنية والسياسية، وصدرتا في 16/12/1966م ونفاذهما في عام 1976م وأضيفت إليهما اتفاقات أخرى كالاتفاقية الدولية لإزالة التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حقوق العمال المهاجرين.
وقد تم التصدي لكثير من أحكام ومبادئ هذه الاتفاقيات، عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعض المنظمات الإقليمية، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
ومن مرتكزات الفكر الإسلامي حول حقوق الإنسان: مبدأ الوحدة الإنسانية وهو ما جاء أساسه في القرآن الكريم واضحاً، قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (سورة الحجرات، الآية 13).
والإنسانية في نظر الإسلام، جاءت من نفس واحدة، يقول الله تعالى:
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء (سورة النساء، الآية 1).
ويظهر هذا سلامة القاعدة وصحتها، وأنّ الشريعة أساس الحق ومصدره، وهي شرع الله -عزّ وجلّ- لبني الإنسان في كل زمان ومكان.
والسلطة في نظر الإسلام تعد في مركز الأمين الذي يراعي مصالح الناس، فهي ليست طرفاً في مواجهة الناس يحمون أنفسهم منه، بل هي سلطة تتقيد بالشريعة الإسلامية في نصوصها ومبادئها الكلية.
ثالثاً: أسس القواعد الإسلامية لحقوق الإنسان وملاءمتها للتطلعات البشرية
لقد انطلق الفكر الإسلامي في مسألة حقوق الإنسان منطلقاً مختلفاً تماماً عن المنطلقات الغربية وهنا نبرز أهم هذه القواعد:
· اعتماد الدين الإسلامي أساساً لحقوق الإنسان من خلال الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح .
· أنّ العقوبات الحدية على الجرائم الخطيرة والتي رتبت لحفظ أمن الناس، سياسة جنائية حكيمة لا تنافي حقوق الإنسان، بل ترسخ هذه الحقوق، وتدعمها كما قال تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وقد أُيّد هذا المنهج في الندوات الثلاث التي نظمتها وزارة العدل السعودية في شهر صفر من عام 1392ه (مارس 1972م) وشارك فيها عدد من المفكرين الأوربيين، وأساتذة القانون الكبار منهم: وزير خارجية إيرلندا، ومدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان التي تصدر في فرنسا، وعدد من كبار المحامين في محكمة الاستئناف في باريس. وهذا ما عبر عنه رئيس الوفد المستر ماك برايد حيث قال: (من هنا ومن هذا البلد الإسلامي، يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره، وإنّه ينبغي على العلماء المسلمين أن يعلنوا للعالم عن هذه الحقوق المجهولة).
· أنّ حقوق الإنسان وكرامته ليست ناتجة عن التطور الاجتماعي، ومقتضيات الحياة المتغيرّة، بل هي حق للإنسان باعتباره آدميًّا يستحق الكرامة والحقوق.
· أن عدم التفرقة بين بني البشر في الحقوق لايقوم على أساس عرقي أو لوني، كما قال تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (الأنعام:151).
· كفالة الحق التضامني، أي: التضامن الاجتماعي بين الناس، مثل وجوب الزكاة، ومشروعية الصدقات، ومعاونة المحتاجين، فهي حق للمحتاج. وهذا ما تتميز به الشريعة الإسلامية عن الإعلان الدولي لحقوق الإنسان الذي لا يلزم الآخرين بدعم المحتاجين إلاّ من قبل التطوع .
· القضاء على الطبقية الاجتماعية يجعل الناس متساوين، وإنّ التفاوت في الكرامة يعتمد على درجة التقوى كما قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات:13).
· تسخير ما في الكون لخدمة الإنسان بالعدل، فيجوز للإنسان استغلال البيئة بجماداتها ونباتاتها وحيواناتها بما لا يؤدي إلى الضرر قال تعالى: وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه (سورة الجاثية:13).
· أنّ الكرامة الإنسانية تشمل كل متعلقات الإنسان جسماً وعقلاً وروحاً وممتلكات حياته بل ومماته، فلا يجوز التمثيل به أو تشويهه، أو حتى المشي على قبره في مماته، أو إحداث أي مظهر يدل على امتهان كرامته.
· لا ينكر الإسلام كل ما تضمنته وثائق حقوق الإنسان الدولية، فلا يمكن حرمان الإنسان من حقه في الكرامة الإنسانية، ولا حرمانه من الحق في الحرية، والحق في المساواة، وفي المشاركة الاجتماعية، في المجتمع الذي يعيش فيه، فهذه الحقوق التي تأتي على رأس حقوق الإنسان في الزمن المعاصر، تمثل مبادئ عامة وشعارات لا يمكن رفضها، ولكن الخلاف يأتي في المدى الذي تصل إليه هذه الحقوق، والمفاهيم التي تتضمنها، فقد تكون كلمة حق يراد بها باطل .
· إنّ فكرة الحق في الفكر الإسلامي فكرة أصيلة، تعني الأمر الثابت. وهي ليست خالصة للآدميين فقط بل هي حق لله أولاً، وحق للآدميين ثانياً، فالعبودية والخضوع لله -عز وجل- حق ثابت له- سبحانه-، ولا يتنافى مع ما للعباد من الحقوق المذكورة آنفاً، بشرط أن يكون حقًّا تقرره الشريعة، وتبين مجالاته، ويحدد مداه بنصوص صريحة، وأصول وقواعد وضوابط شرعيّة.
رابعاً: المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان في الإسلام .
سعياً في بيان مضمون حقوق الإنسان في الإسلام، نقدم أهم المفاهيم ونظرة الإسلام إليها، ومنها: حق الحياة، وسلامة البدن، والعقل، والعرض والمال، والأهل، والحرية، والمساواة، والتكافل.
1. حق الحياة وسلامة البدن والعقل والعرض والمال والأهل:
إنّ مما يدل على كرامة الإنسان في الإسلام، هو تسخير الكون برمته للإنسان، وأن الإنسان الواحد، يساوي البشرية قاطبة حتى يستوفى حقّه في الحياة، كما قال تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً المائدة، 32.
فالإنسان محترم في حياته ومماته، ولا يجوز التمثيل بجثته ولو في الحرب، حتى القتال لم يشرع إلاّ من أجل الحق، ودفاعاً عن الحق، وذلك بعد الإنذار والإعلان، مع وجود قيود صارمة على العمليات الحربية. فحرم الإسلام قتل غير المحاربين من النساء، والأطفال، وكبار السن. وما القصاص إلاّ دفاعٌ عن الإنسان وحياته، كما قال تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب .
وجاءت الشريعة بحماية الإنسان، وحفظ الأنفس والأعراض والأموال وعدم التهور في غشيان المهالك، والحفاظ على عقله بتحريم الخمر، وما يذهب العقل، حرصاً على سلامة بدنه، وعقله، وعدم السخرية منه، أو شتمه، أو مناداته بلقبه الذي لايحبه.
2. حرية الإنسان:
وقد وصف الله- سبحانه وتعالى- الإنسان بأنه الخليفة في الأرض، قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة سورة البقرة، الآية 30. وهذا الوصف له مدلولاته من حيث ما ذكر من الكرامة، والاحترام، والحق الإنساني، والتميّز في هذا المخلوق، الذي فُضل على غيره من المخلوقات مما يعكس ما يتمتع به الإنسان في ظل الإسلام من الكرامة، والحرية، والرفعة، مقارنة بما قررته الاتفاقيات الدولية وغيرها لحقوق الإنسان.
ولقد عانت الإنسانية من العبودية لغير الله، والاستذلال حقباً طويلة، وما زالت تعاني إلى الوقت الحاضر، وإن تغيرت مسميات هذه العبودية. وعند بزوغ نور الإسلام، جاءت تعاليمه صريحة في القضاء على العبودية والرق، حيث ضيقت مداخله ووسعت طرق إلغائه، فلم يبق من مداخله إلاّ الحرب التي تقوم بين المسلمين والكفار،وأمّا طرق إلغائه فكثيرة جداً قد بيّنت في أبواب الرقّ في الفقه الإسلامي.
ولا يتنافى واجب الأمر بالمعروف مع الحرية الفردية، لأن في قيام أفراد المجتمع بذلك حرصاً على الآخرين وتنبيههم للأخطار المادية، والمعنوية،وفي ذلك دعوة أخرى إلى التفاهم والتشاور وإلى مبدأ الشورى المؤصل في الإسلام، والذي هو أساس الحكم فيه، مصداقاً لقوله تعالى: وشاورهم في الأمر آل عمران:159. وقوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم الشورى: 38.
والنصيحة عامة للحاكم والمحكوم، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" متفق عليه.
فالشورى هنا ليست مطلقة، بل هي مقيدة بحدود الشرع، فليس للفرد الحق أن يُحكّم رأيه بما يتنافى مع الدين الإسلامي، أو يعرّض مصالح الناس للانتقاص. إنما هي حرية الرأي المنضبطة بضوابط الشرع، تبني المجتمع الإسلامي، وتصحّح أخطاءه، فيسلك بذلك طريق الهداية والفلاح في جميع أموره.
3. المساواة:
تعد المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات، مبدأً أصيلاً في الشرع الإسلامي، وهذا بخلاف الحال في الحضارات السابقة للإسلام، حينما كانت النظرة للإنسان حسب جنسه أو لونه أوغناه أوفقره أوقوته أوضعفه أوحريته أوعبوديته، وكانت طبقة الحكام ورجال الدين، من الطبقات المميزة، بل إنّ بعض المجتمعات كالمجتمع الهندي، كان يعرف طائفة المنبوذين، وكان محرماً على أفراد الطبقة، أن ينتقلوا منها إلى طبقة أعلى، حتى ولو كانت مَلَكاتهم تتيح ذلك. وجعل الإسلام معياراً للتفاضل يتساوى أمامه الخلق جميعاً على اختلاف الأجناس والألوان، والحرية والعبودية، إنه معيار التقوى، قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات: 13.
ولا تتنافى المساواة - كما ذكرنا في ظل الإسلام - مع الاختلاف بين غير المتماثلين في الحقوق الفرعية، فالاجتهاد، والعمل، والابتكارات، والقدرات، مطالب اجتماعية لتحقيق المصالح، وبناءً عليها يختلف الناس اختلاف حساب وليس اختلاف كرامة، فالناس سواسية أمام الله مع اختلافهم في الفروع.
4. التكافل الاجتماعي:
لم تعرف البشرية نظاماً متكاملاً فعالاً للتكافل الاجتماعي، مثل ما عرفته في ظل الإسلام، فلم يكن وليد حاجة من حاجات التطور الاجتماعي بل هو قاعدة أصيلة في بناء الإسلام وأركانه.
ولقد تعددت في الإسلام أبواب التكافل الاجتماعي وتراوحت بين الإلزام والاختيار، ومن ذلك ما يلي:
أ- أداء الزكاة -وهي أحد أركان الإسلام- حق واجب في المال إذا بلغ مقداراً معلوماً، في وقت معلوم بنسبة معلومة. في كل أنواع المال، من الذهب، والفضة، والنقود، والثمار، والأنعام، وعروض التجارة.
ب- الصدقات، وهي عطاء اختياري من الأغنياء للفقراء دون منّة أو طلب مكافأة، إلاّ المكافأة من الله العليم الحكيم فقط.
ج- زكاة الفطر، وهي من الفروض الواجبة قبيل عيد الفطر تعود على المحتاجين ليستغنوا في ذلك اليوم، فيشعروا بنعمة العيد كغيرهم من الناس.
د- نفقة الأقارب، فالنفقة لازمة للقادر على أقاربه، من زوجة، وأبناء، وآباء وإخوة وبقية الأرحام والمحتاج منهم للنفقة.
ه-أحكام الديّات، حيث يتشارك أقرب العصبة إلى القاتل خطأً في دفع الدية إلى ورثة المقتول. والدية هنا، تمثل ضماناً من المجتمع لورثة المقتول، فلا يضيع دم إنسان هدراً في مجتمع مسلم.
و- الدعم المعنوي، ولم يقتصر التكافل الاجتماعي في الإسلام على الجوانب المادية فحسب، بل يمتد إلى ما يعد تعاوناً شاملاً على البر، فمن التوجيهات الإسلامية، ألاَّ يكتم الإنسان العلم النافع عمّن يحتاج إلى التعليم، ولا يبخل الإنسان بنصحه على من يحتاج إلى النصح والإرشاد، فالدين النصحية، كما ورد في الحديث. ومن ذلك أيضاً التوجيهات الإسلامية حول نصرة المظلوم ومنع الظالم من ظلمه وإفشاء السلام وتشميت العاطس واتباع الجنائز وإجابة الدعوة إلى الولائم والأفراح........إلخ وهذه كلها من الدعم المعنوي الذي يساعد على بناء المجتمع وتحقيق حقوق الإنسان فيه
من كتاب ( ثورة في السنة النبوية ) للدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي :
الفصل الثالث : قواعد الاثبات ضمانة الحقوق
النص
• عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، " أن سعد بن عبادة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت لو أني وجدت مع أمرأتي رجلاً : أمهله حتى اتي بأربعة شهداء ؟ فقال رسول الله : نعم " . أخرجه مسلم والموطأ.
وفي رواية مسلم وأبي داوود قال : " أرأيت الرجل يجد مع أمرأته رجلاً : أيقتله ؟ قال رسول الله : لا . قال مسعد : بلى ، والذي أكرمك بالحق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمعوا الى مايقول سيّدكم "(1).
التعليق
هذا الاصرار الرائع على أن الانسان بريء حتى تثبت إدانته ، وأن الادانة لا تثبت إلا بإجراءات محددة ومعروفة سلفاً ، لم يردنا من التراث القانوني الروماني ، ولم تنتجه أوروبا خلال فترة النهضة ، ولم يقدّم مع الافكار الليبرالية التي غزت العالم خلال القرنين الاخيرين ، ولم يكن نتيجة من نتائج التحليل الماركسي المادي للتاريخ . هذا الاصرار على ( البراءة حتى يثبت عكسها ) جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، وفي بيئة قبلية جاهلية لم تسمع ، مجرد سماع ، بقواعد الادلة والاثبات ، فيما يتعلق بزنى المرأة على أية حال . في تلك البيئة كان قتل المرأة التي تحوم حولها الشبهات أمراً مقبولاً ، بل ربما كان مطلوباً ، لحماية الشرف الرفيع من الاذى .
ونبي الاسلام ، عليه الصلاة والسلام ، لم يسبق بهذا التوجيه الرائد معاصريه ومن جاء قبلهم فحسب ، بل إنه يسبق محاكم العصر في الشرق والغرب . هذه المحاكم لاتزال تعامل " جرائم الشرف " معاملة خاصة تنتهي بالحكم على الزوج المدان حكماً مخففاً ، وأذكر أن صديقاً أمريكياً محامياً قال لي مرة : " أعطني رجلاً قتل زوجته في قضية تتعلق بالعرض وسأضمن لك أن المحلفين ، في أي محكمة أمريكية ، سيحكمون ببراءته ". وفي عدد كبير من دول العالم ، بينها دول إسلامية ، نص مقتبس من القانون الفرنسي يقضي بمعاملة الزوج المخدوع الذي يقتل زوجتة بلطف منقطع النظير .
إلا أن رجال الفقه الاسلامي ، وقد عنوا عناية بالغة دقيقة ، بالاصول والفروع ، لم يولوا قواعد المرافعات ، وقواعد الادلة والاثبات بوجه خاص ، ماتستحقه من اهتمام ، وهذا سهو لم تسلم منه الكتابات الفقهية المعاصرة . وكانت النتيجة أن الحقوق الاساسية التي ضمتها نصوص واضحة في القران الكريم والسنة المطهّرة ، أُهدرت ، عملياً ، عند التطبيق . لاينتفع المسلم من حق يستطيع أي رجل من رجال السلطة التنفيذية ، أو حتى السلطة القضائية ، إهداره بمجرد أن يقرر أن المصلحة العامة اقتضت هذا الاهدار .
بدون قواعد مرافعات مستقرة ، وأوشك أن أقول مقدّسة ، لا توجد ضمانات أكيدة لأحد ، وبدون الضمانات الاكيدة يمكن أن تتطاير الحقوق الاساسية ، ولو وردت في الف دستور ، ذرّاتٍ في الفضاء .
إن كنوز السنة النبوية لا تزال تنتظر من يخرجها من كتب الصحاح ، لا لكي يفسرها ويشرحها ، فهذه المهمة نهض بها عدد من الفقهاء الاجلاء في الماضي والحاضر ، ولكن ليحولها الى تشريع حاسم يلزم الحاكم قبل المحكوم ، ويصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في كل مجتمع مسلم .
(1) جامع الاصول ، الجزء الرابع ن ص 265 .
|