المجلة الإلكترونية - مركز تحميل - القران الكريم - اتفاقية الاستخدام - تصفح الجوال - الاعلان - أضفنا في المفضلة

اشترك في مجموعة اصدقاء مجله الابتسامه البريديه الان
البريد الإلكتروني:

العودة   مجلة الإبتسامة > الموسوعة الإسلامية > الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

الاعجاز العلمي في القرآن والسنة الاعجاز العلمي في القرآن الكريم و السنة النبوية , الاعجاز القرآني ,الاعجاز الكوني


الإعجاز التربوي في القرآن الكريم (أبحاث ودراسات )ا

الاعجاز العلمي في القرآن والسنة



جديد مواضيع قسم الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

إضافة رد

كيفيه ارسال موضوع جديد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم June 18, 2009, 11:56 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمس عربي
مبتسم VIP





محمس عربي غير متصل

الإعجاز التربوي في القرآن الكريم (أبحاث ودراسات )ا


الإعجاز التربوي في القرآن الكريم


(أبحاث ودراسات)


جمع وإعداد – محمد عباس



1-من دلائل الإعجاز التربوي في القرآن الكريم



الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية
</TD< tr>

الحمد لله عظيم التنزيل ، والصلاة والسلام على المعلم الجليل ، المؤيد بجبريل ، والمذكور في التوراة والإنجيل ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم جيلاً بعد جيل ، وبعد :
فليس هناك من شكٍ في أن القرآن الكريم كتاب الله المُعجز ، وأن آياتُه كلها مُعجزةٌ بلفظها ومعناها ، وإذا كان القرآن الكريم مصدراً رئيساً للتربية الإسلامية بعامة - كما يُجمع على ذلك العُلماء والكُتاب والباحثين في هذا المجال - ؛ فإن هناك آياتٍ قرآنيةٍ مُعجزةٍ بلفظها ومعناها ؛ لكونها اشتملت على الكثير من المعاني والمضامين والمنطلقات والدروس التربوية التي يمكن استنباطها منها.

ومن هذه الآيات المُعجزة ثلاث آياتٍ جاءت في ثلاثة مواضع مختلفة من سور القرآن الكريم ، هي على الترتيب :
= الآية الأولى قوله تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } ( سورة البقرة : الآية رقم 151) ..
= الآية الثانية قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِن أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } ( آل عمران : 164) .
= الآية الثالثة قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } ( الجمعة : 2 ) .
وهذه الآيات الثلاث جاءت مُتقاربةً في معناها الإجمالي الذي يُشير إلى المنهج التربوي الإسلامي الذي أنزله الخالق العظيم سبحانه على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، والذي جاء مُطابقاً لدعوة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام الذي أوردها القرآن الكريم في قوله تعالى : { ربنا وابَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُزَكِّيهِمْ إنك أنت العزيز الحكيم } ( البقرة : 129) .
وهو ما أكّده الحديث الذي روي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إني عند الله مكتوبٌ بخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدلُ في طينته ، وسأُخبركم بأول ذلك ، دعوة أبي إبراهيم ، وبِشارةُ عيسى ، ورؤيا أُمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ أضاءت لها منه قصور الشام " ( ابن حبان ، مج 14 ، ص 313 ، الحديث رقم 6404 ) .

أما أبرز الملامح التربوية في مجموع هذه الآيات الكريمات فيمكن الإشارة إليها فيما يلي :
أولاً / تحديد مصدر إرسال هذا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله تعالى لهذه الأُمة هادياً ومُبشراً ونذيراً ، وهو ما يتضح في قوله تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } وقوله سبحانه : { إذ بَعَثَ فِيهم } ، وقوله جل في علاه : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ } . وجميع هذه الألفاظ القرآنية الكريمة تدُل وتؤكد أن الله سبحانه وتعالى - وهو الرب العظيم والخالق الكريم - هو الذي أرسل محمد صلى الله عليه وسلم ليكون معلماً ومُربياً للأُمة .

ثانياً / تحديد هوية هذا الرسول المعلم الذي ارسله الحق جل في عُلاه إلى الأُمة . وهو ما يُشير إليه قوله تعالى في وصف هذا الرسول : { رَسُولاً مِنْكُمْ } ، وقوله سبحانه : { رَسُولاً مِن أنفسهم } ، وقوله جل جلاله : { رَسُولاً مِنْهُمْ } . وجميع هذه الألفاظ القرآنية تُشير إلى أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم إنسان مُرسلٌ من الله تعالى إلى أُمته ، وأنه لا يختلف عنهم في الجانب الإنساني فليس ملكَاً أو مخلوقاً من جنسٍ آخر ؛ وفي هذا إشارةٌ إلى أن هذه التربية التي جاء بها هذا النبي الكريم تربيةٌ إنسانية ، وصالحةٌ تماماً لطبيعة الجنس البشري ، وتتفق تماماً مع فطرته الإنسانية التي فُطر عليها وهو ما يُشير إليه أحد الكتاب بقوله : " لأن الرسول في حياته كإنسان يُوحى إليه من الله ، يُمثل إنسانية هذه التربية " ( عبد الحميد الهاشمي ، 1405ه ، ص 7 ) .

ثالثاً / بيّنت الآيات الكريمات وظيفة ومهمة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحددتها في وظائف ثلاثٍ جاءت على النحو التالي :
= الوظيفة الأولى هي التلاوة : ويُقصد بها أن يبدأ هذا الرسول صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن الكريم على قومه قراءةً مرتلةً ليُبلِغَهم ما فيه ويُعلمهم إياه ، ولتكون تلك التلاوة سبيلاً لإقامة الحُجة عليهم ، ووسيلةً لحفظ كتابه وآياته ، إضافةً إلى التعبد لله تعالى بتلاوته . وهذا فيه بُعدٌ تربوي يُشير إلى أن " الهدف من تلاوة الآيات هو غرس الولاء للإسلام بين المُتعلمين عقيدةً وسلوكاً ، وإبراز شواهد الأُلوهية والربوبية ، وغرس الاتجاهات الإيمانية " ( نبيل السمالوطي ، 1406ه ، ص 189 ) .

= الوظيفة الثانية هي التزكية : وهي احد المرادفات التُراثية التي استعملها بعض سلفنا الصالح للدلالة على معنى التربية الإسلامية الشامل والدّال على محاسبة النفس والعناية بها ، والعمل على الارتقاء بجميع جوانبها ( الروحية ، والجسمية ، والعقلية ) إلى أعلى المراتب وأرفع الدرجات ، وقد ورد أن المقصود بتفسير قوله تعالى : { وَيُزَكِّيكُمْ } " أي " يُطهر أخلاقكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة " ( عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، 1417ه ، ص 57 ) .

وهنا لا بُد من التأكيد على أن مصطلح التزكية يمتاز بشموليته لمعنى العملية التربوية الكاملة التي تُعنى بمختلف جوانب النفس البشرية ، وهو ما يؤكده أحد عُلماء السلف بقوله :
" يعني أنه يُزكِّي قلوبهم ويُطهرها من أدناس الشرك والفجور والضلال ؛ فإن النفوس تزكو إذا طهُرت من ذلك كله ، ومن زكت نفسه فقد أفلح وربح ، كما قال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } ( سورة الشمس : الآية رقم 9 ) . وقال : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } ( سورة الأعلى : الآية رقم 14) " ( ابن رجب الحنبلي ، 1421ه ، ص 168 ) .
وهنا يمكن ملاحظة أن الله تعالى في هذه الآيات الثلاث قد قدَّم التزكية على التعليم ، وفي ذلك إعجازٌ تربويٌ يتضح عندما نعلم أن العملية التربوية تسبق العملية التعليمية ، وأن حصول التزكية عند الإنسان يُسهم بدرجةٍ كبيرةٍ في تسهيل وتيسير وتمام عملية تعليمه .

= الوظيفة الثالثة هي التعليم : وهي وظيفةٌ تأتي بعد أن تتم عمليتي التلاوة والتزكيه ، وبذلك يتم التعليم المقصود كأحسن ما يكون ، وهو ما يُشير إليه أحد الباحثين بقوله :
" هذه الخطوة التربوية ( أي التعليم ) تترتب على الخطوتين السابقتين – تلاوة الآيات وتزكية النفس والعقل والجسم – ، وهنا يكون الإنسان مؤهلاً لاستيعاب المعارف والمبادئ والتشريعات التي يشتمل عليها القرآن الكريم والسُنة المطهرة " ( نبيل السمالوطي ، 1406ه ، ص 195 ) .
ولأن عملية التعليم تحتاج إلى مصادر واضحة ومُحددة لها ؛ فقد تكفلت الآيات الكريمات ببيان هذه المصادر وتحديدها بدقة ، وحصرت هذه المصادر في مصدرين رئيسيين هما : ( الكتاب والحكمة ) ، ويُقصد بهما : القرآن الكريم و السُنة النبوية ؛ فهما المصدران الإلهيان اللذان نصّت عليهما الآيات الكريمات . لما فيهما من الوحي الإلهي الذي تكفل الله تعالى بحفظه في قوله سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( سورة الحجر : 9 ) .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الآيات في مجموعها قد تضمنت إلماحاً تربوياً مُعجزاً إلى الجانبين الرئيسين اللذين تقوم عليهما العملية التربوية بعامة ، وهما :
= الجانب الفكري ( النظري ) : ويتمثل في الجانب المصدري النظري الذي جاء وحياً من عند الله تعالى ، وعبّرت عنه الآيات بالتلاوة .
= الجانب العملي ( التطبيقي ) : ويتمثل في الجانب السلوكي العملي الذي يقوم به الإنسان ويُمارسه بنفسه ، والذي عبّرت عنه الآيات بالتزكية أولاً ثم التعليم ثانياً .
وقد أشار أحد الباحثين إلى ذلك في وصفه للتعبيرات القرآنية الثلاثة بقوله : "نجد أنها تتضمن جانبي العقل والنقل ، أو جانبي الغيب الذي لا يُناقش ، وإنما هو محل الإيمان المُطلق لأن العقل البشري قاصرٌ عن فهمه ؛ وهنا يُكتفى بتلاوة الآيات من المُتعلم أو مُتلقي التربية وهذا هو الجانب الأول . أما الجانب الثاني فهو الذي يتمثل في تعبير " يُزكيهم " و " يُعلمهم " فكلاهما يُشير إلى عمليةٍ بشريةٍ تتعلق ببناء السلوك وتشكيله وتغييره ، وتفسح المجال أمام العقل والملاحظة والتجريب " ( نبيل السمالوطي ، 1406ه ، ص 198 ) .
وبعد ؛ فإذا كانت هذه الآيات القرآنية قد أشارت في مجموعها إلى ملامح المنهج التربوي الإسلامي الذي جاء به معلم الإنسانية وأُستاذ البشرية النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم من عند الخالق العظيم ( جل في عُلاه ) ؛ فإن القرآن الكريم زاخرٌ في آياته البينات بالكثير من الدروس والمضامين والمعاني والمبادئ والقيم التربوية التي تكفل للإنسانية جمعاء الخير والسعادة في كل زمانٍ وأي مكان متى تم استنباطها والعمل بها في واقع الحياة ، وهو ما نرجوه ونؤمله ونسعى لتحقيقه سائلين المولى عز وجل التوفيق والسدّاد ، والهداية والرشاد ، والحمد لله رب العباد .

----------------------#
المراجع :
- القرآن الكريم .
- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري . ( 1419ه / 1999م ) . صحيح البخاري . ط ( 2 ) . الرياض : دار السلام للنشر والتوزيع .
- أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري . ( 1419ه / 1998م ) . صحيح مسلم . الرياض : دار السلام للنشر والتوزيع .
- مالك بن أنس . ( د . ت ) . الموطأ . تصحيح وتخريج وتعليق : محمد فؤاد عبد الباقي . القاهرة : دار الحديث .
- سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني . ( د . ت ) . سُنن أبي داود . تحقيق / محمد محي الدين عبد الحميد . بيروت : دار الفكر .
- أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي . ( 1406ه / 1986م ) . سُنن النسائي ( المُجتبى ) . تحقيق / عبد الفتاح أبو غدة . ط ( 2 ) . حلب : مكتب المطبوعات الإسلامية .
- أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي . ( د . ت ) . الجامع الصحيح ( سُنن الترمذي ) . تحقيق / أحمد محمد شاكر وآخرون . بيروت : دار إحياء التُراث العربي .
- محمد ناصر الدين الألباني . ( 1415ه / 1994م ) .صحيح الأدب المفرد للإمام البُخاري . ط ( 2 ) ، الجبيل : دار الصديق .
- إبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي . ( 1421ه / 2001م ) . لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف . تحقيق / ياسين محمد السّواس . ط ( 6 ) . دمشق – بيروت : دار ابن كثير .
- نبيل السمالوطي . ( 1406ه / 1986م ) . التنظيم المدرسي والتحديث التربوي ( دراسة في اجتماعيات التربية الإسلامية ) . ط ( 2 ) . جدة : دار الشروق .






2-خواطر حول الإعجاز التربوي في القرآن الكريم







تلاوة القرآن


لله في كتابه نفحات.. ألا فتعرضوا لها.


تأثير تربوي عجيب لحرف واحد هو اللام يربي المسلم على أداء النصيحة!


ليكن شعارك عند كل ابتلاء: "الحمد لله الذي رزقني قلبًا شاكرًا ولسانًاذاكرًا".


آيات القرآن الكريم كلها نور تضيء جوانب النفس البشرية، لاسيما من الوجهة التربوية، فكم من نعمٍ أنعم الله بها علينا قلَّ له بها شكرنا فلميحرمنا.. وكم من بليةٍ ابتلانا بها قلَّ له عندنا صبرنا فلم يخذلنا.. وفي السطورالتالية لمحات من جوانب الإعجاز التربوي في كتاب الله عز وجل.


تأثير حرف اللام:


اللمحة الأولىالتي تشعر بها وتستطيع أن تتعامل بعدها مع القرآن الكريم ببعض ما يليق به منالإجلال والانتفاع هي أن الحرف في القرآن له معنى عظيم، بل وله دور خطير في أثرهعلى النفس البشرية، لكن المشكلة في جهاز الاستقبال الذي هو قلبك قبل عقلك. جاء فيالأثر: "العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجةالله على ابن آدم".


فمثلاً لو عندك جهاز تلفاز وبه (إريال) داخلي كان استقبالهعلى قدر إمكاناته وقدراته، فلما زاد هذا الداخلي قوةً بتركيب (إريال) خارجي زادتحساسيته لاستقبال الإرسال المحيط به في الهواء، فلما زاد ذلك بقدرة أكبر من خلال ماعرفناه ب"الدش" الطبق الهوائي المستقبل وجدنا جهازنا يلتقط ما هو موجود من زمنطويل في السماء، والفضاء من إرسال لا يعني عدم مشاهدتنا له لقصور فينا.


هكذا كلما عشت مع القرآن بوجدانك كنت على موجة استقبالتستطيع أن تتعرض بفضل الله لها لأن لله تعالى "في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوالها".. وله كذلك في قرآنه نفحات فلنتعرض لها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر:17).


مثال آخر:


هل تصورت أن حرفًاواحدًا في كتاب الله يربي المسلم على أداء النصيحة؟


لقد طالعت كل آيات القرآنفما وجدت مرة ذُكرت فيها النصيحة من غير هذا اللام﴿أَنصَحُلَكُمْ﴾ولم تأت: "نصحكم".. فارق تربوي كبير بين وجود اللام وغيابها،فالنصيحة هنا تكون لحساب المنصوح.. وفي "أنصحكم" تكون لحساب الناصح لما تضمنه منشبهة الاستعلاء والاطلاع على عيب يوجب النصح، أما أنصح لكم، أو أنا لكم ناصح، أوكما ورد في الحديث النبوي الشريف "فانصح له" أي كأنك تعمل لحسابه هو ولمصلحته هو،وهذا لبّ النصيحة الأمينة التي تؤتي ثمارها بإذن الله، بل انظر إلى التشكيل فوقالحرف، كذلك.. أَصغ سمعك للآية والأمر الإلهي:﴿فَاسْتَمِعُوالَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(الأعراف:204) يعني أنه من الممكنأن تسمع وأنت غير منصت؛ لذلك لن تستفيد وأنت على هذه الحال من الانشغال.


كذلكأعط انتباهك لقول الله عز وجل فيما يحكيه عن امرأة العزيز وهي تتوعد يوسف عليهالسلام مهددة: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ (يوسف: 32) (ليكون) ليست مشددة﴿مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: 32) والزيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى والعكس صحيح، وهذا اعتراف منها وهي صاحبةالسلطان والتجبر بضمان سجن يوسف وفي الوقت نفسه عدم ضمان ذله﴿وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: 32) ولمتقلوليكونن من الصاغرين)، فعزة المؤمن في قلبه، وذل المسلم من نفسه، فهو الذييعطي الذلة من نفسه، وهو الذي إذا اعتصم بالله استعصى على من يعاديه أن يذله،فعقيدته في قلبه كما يقول العالم الجليل الشيخ القرضاوي في نونيته:


ضع في يديّالقيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين


لن تستطيع حصار فكري ساعةأو نزع إيماني ونور يقيني


فعقيدتي في قلبي وقلبي في يدي ربي، وربي حافظيومعيني


علاج ناجح لأمراض شتى:


أخي،أعطني قلبك قبل أذنيك لينزل هذا العلاج على قلبك.. تذكر حالات السعادة التي مرتعليك قبل أن تشقى.. تذكر حالة الحرية التي كنت فيها قبل أن تحبس.. تذكر حالة الفرجوأنت في ضيق، بل تذكر حالة الضعف وأنت في قوة، وحالات زوال الملك والسلطان وأنت فيالقمة، وحالات الفقر وأنت في غنى، بل انظر حولك في تدبر تجد حالات تخالف حالاتك،أصحابها في رضا وقناعة أو في صبر وضراعة كما قال الرجل المبتلى بفقد بصره وقدميهويديه وهو يقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من خلقه"، فقال لهالمسيح عليه السلام: "ما الذي عندك وعافاك الله به؟، قال الرجل: إن الله رزقنيقلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا".


إليك- أخي- قول ربك عز وجل.. اسمع صوت الوحيالندي من جبريل عليه السلام حاملاً هذه الآية لينطق بها الصادق المصدوق: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّصَبَّارٍ شَكُورٍ﴾(إبراهيم: 5).. صبار كثير الصبر بمزيد أكثر من الشكر لأنمقابلها شكور وأختها صبور.


يقول صلى الله عليه وسلم: "من نظر في دينه إلى من هو أعلىمنه، وفي دنياه إلى من هو أدنى منه كتبه الله صابرًا شاكرًا، ومن نظر في دينه إلىمن هو أدنى منه، وفي دنياه إلى من هو أعلى منه لم يكتبه الله لا صابرًا ولاشاكرًا".


ودعاء الحبيب الذي به القلب يطيب وتذوب النفس خشوعًا وفقرًاوذلاُ لخالقها: "اللهم اجعلني لك صبارًا لك شكارًا لك ذكارًا واجعلني إليك أواهًامنيبًا". وقال في رحلة الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح: 1) بلى يا رب﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ (الشرح:2) نعم يا رب﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (الشرح:3) نعم يا رب﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح:4) نعم يا رب﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِيُسْرًا﴾ (الشرح:5) ما مناسبتها هنا؟ أليست تُقال في ضيق بعد فرج ويسر بعديسر.. إذ لا يبشر ربنا بيسر واحد بعدها.. بل بيسرين سيهزمان بقدرة الله هذا العسرالذي أنت فيه.


فيا كل من نقص رصيده من النعم والعافية ومن الستر.. إلى أي درجةكانت تعترف بما أبقاه لك المنعم المتفضل في دعائه المأثور عن النبي صلى الله عليهوسلم: "اللهم إني أصبحت (أمسيت) منك في نعمة وعافية وستر،فأتمَّ عليّ عافيتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة".. بل هذا يتضمن أنكلديك دائمًا بعض النعمة والعافية والستر مهما سلب منك.. امتحانًا واختبارًا أوتطهيرًا وغفرانًا، وأنك تحتاج لمزيد فضل الله إلى أن تدخل الجنة، وهنا فقط تتمالنعمة والعافية والستر في الآخرة.


فليكن هذا منهاج حياة لك.. أن تحمد الله عز وجل على الموجود،ثم بعد ذلك تطلب المفقود.. فماذا أفعل يا رب وقد مسني الشيطان بنصبوعذاب؟


الأمر بسيط وسهل ويسير على من يسره الله تعالى عليه: انتقلمن هذه الحالة النفسية، اقتحم العقبة، احذر الفراغ القاتل، احذر أن تتبع الشيطانبخطواته الخبيثة الناعمة وأمانيه الكاذبة فيتنصل منك يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْفَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (إبراهيم:22) فلتتنصل منه أنت الآن وقلها قبل أنيقولها واهزمه قبل أن يهزمك.. كيف السبيل إلى ذلك؟


﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ (الشرح:7).. اشغل نفسك بالخير دائمًا وجدد النية: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح:8)،﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذرهم﴾ (الأنعام:91) ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ (المزمل: 11)، ﴿ذَرْنِي وَمَنْخَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (المدثر: 11) اتركهم لعقاب الله واشغل نفسك بمعية ربك ومراد ربكمنك، ولا تشغل نفسك بما ضمن لك عما طلب منك، وقل هذه الكلمات الدرر الغالية فيمناجاة ربك حيث لا يسمعك إلا هو.. " فكم من نعمة – يا رب- أنعمت بها عليّ قلّ لكبها شكري، وكم من بليةٍ ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكريفلم يحرمني، ويا من قلّ عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على المعاصي فلميعاقبني، أسألك أن تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم".


ختام الآيات هو آخر أثر تتركه الآية في النفس، وغالبيةالآيات إذا ختمت بصفة من صفات الله أو أسماء الله عز وجل الحسنى، ختمت باثنين لكلمنهما أثره وكماله وجلاله كما في سورة يوسف﴿الْوَاحِدُالْقَهَّارُ﴾هما الاسمان الجليلان المناسبان للموقف، ولانتفاع صاحبي السجنوحالتيهما وفي موقف الأحداث﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾وقِس على هذا الكثير.


والغريب إظهار جهل الكافرين لأنهم يكفرون بالرحمن، ولايكفرون بالمنتقم أو الجبار أو القهار. قال تعالى: ﴿وَإِذَاقِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُو وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَاتَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (الفرقان: 60)، وقال: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (الرعد: 30)!


إن الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنكُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 41) أبكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عاش المشهد الواقعي،والآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَبِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾ (الفيل: 1) وهو لم يحضر ولم ير لكنه سمع فقط، لكنهإيحاء لقارئ آيات الله أن ينظر بعيون القرآن إن صحَّ التعبير.


أخي المسلم:


ابحث عن نفسك فيالقرآن.. أين أنت؟ وضمن من ذُكرت؟ فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِيجَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ (الزمر: 33)، ابحث عن موقف من المواقف المحمودة التي ذكرها القرآن وحاول أن تقلدها فإنالتشبه بالصالحين فلاح.


إذا سمعت﴿وَاللهُ يُحِبُّ﴾فاجعل هذه الصفة تتحقق فيك لتكون ممن يحبهم الله.. وإذا سمعت﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ﴾احذر أن تكون فيك رائحة منها كما قالالعادل عمر لحذيفة "أناشدك الله يا حذيفة.. اشممني.. أتجد فيّ رائحةالمنافقين"!


فضل الفاتحة:


أناشدك الله- أخيالمسلم- أن تتدبر ما أمرك رسول الله بتكراره في اليوم والليله 17، مرة فكم فيها منأسرارٍ تضمنها اسمها.. أم الكتاب وفاتحة الكتاب.. والفاتحة لكل خير ولكل المغاليق،وسمَّاها ربنا عز وجل في الحديث القدسي.


الصلاة وآثارها التربوية على النفس البشرية تدريب علىالتخاطب المباشر مع الله عز وجل، وهي قمة الخلوة مع الله أن تكلمه سبحانه بجلالهوكماله ويكلمك إذا قال العبد- قال الله- فاسمع قول أبي بكر وعمر "إنا لنسمع رد ربناعلينا في الفاتحة".


تدرب أخي على مكالمة ومحادثة ومخاطبة لا تعدلها الدنيا كلها،وتأدب مع ربك وانتظر سماع رده عليك.. وجاهد نفسك حتى كأنك تسمع مباهاة ربك بك فيالملأ الأعلى "حمدني عبدي- أثنى عليّ عبدي- مجدني عبدي- هذا بيني وبين عبدي- هذالعبدي ولعبدي ما سأل" وأستأذنك أخي في طواف مع عناوين الدروس القرآنية التربوية.


فمثلاً سورة البقرة ودرسها التربوي هو الدرس الأول للمسلم عنتلقيه لأوامر الله.. وأن تحذر أن تتحايل علي أوامر الله، فإن فعلت شدد الله عليكواتعبت نفسك وبدنك وزادت التكلفة، ونفذت أمر الله برغم أنفك ولا حسنة لك بل الإثم.. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواأَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌمِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْوَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذًا لأتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًاعَظِيمًا*وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾(النساء: 66إلى68).





3- من الإعجاز النفسي في القرآن الكريم

الدكتور عودةالله منيع القيسي لغويّ وناقد أدبي




معروف أن أنواع الإعجاز في القرآنالكريم لا تنتهي، أماَ قال رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – عن القرآن : " .. لا يخلَقُ على الردّ، ولا تنقضي عجائبه "؟ (1) (ولا يخلق – بفتح اللام-: لا يبلى،والردّ: التكرار)، فمن أنواع الإعجاز فيه: الإعجاز اللغوي، والإعجاز العلمي (الفلكيوالطبي وطبقات الأرض) والإعجاز الغيبي (العقيدي والتاريخي) والإعجاز التشريعي،والإعجاز التربوي والإعجاز الحكمي، والإعجاز في النظر الاجتماعي، والإعجاز في النظرالنفسي، إلى غيرها من أنواع الإعجاز.



وفي هذه المرة سنقف على تصنيف القرآنإلى حالات النفس الثلاث، وهي حالة أمْرِها بالسوء عند الأشرار، أو عند غير الأشرار،ولكن قليلاً. وحالة اللوم، وغالباً ما تكون عند الناس الهُوج أصحاب القلوب الطيبةالذين يكثرون من الأخطاء، وإن كانت صغيرة، وهؤلاء يلومون أنفسهم عَقِبَ كل خطأ. وحالة الاطمئنان، وهي حالة نفس أولئك الذي يكثرون من الأعمال الصالحة، ولا يرتكبونالكبائر، ويتوكلون على الله تعالى، ويقبلون بحكمه.



وهؤلاء الفريق الأخير همالمؤمنون الذين قال عنهم رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – " عجباً لأمر المؤمنإن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإنأصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له" (2) ولذلك فهو مطمئن النفس، راضٍ بقضاء اللهتعالى وقدره.



* * *



وبعد الوقوف على الآيات التي تقرر حالات النفسالثلاث – نأتي بثلاث آيات أخرى تدل على التفوق في التعبير عن حركات النفس وخلجاتها،حَسَبَ المواقف والظروف، نناقشها من حيث دلالتها النفسية.



وهذه الآياتالثلاث هي:



الآية الأولى: " وما أبرئ نفسي إن النفسلأمّارة بالسوء " (يوسف – 53)

والثانية: " لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسمبالنفس اللوامة" (القيامة 1، 2)
والثالثة هي: " يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعيإلى ربك راضية مرضية " (الفجر – 27، 28).





هذه ثلاث حالات للنفس، فيكل آية حالة، فالنفس أمّارة بالسوء أحياناً وعند بعض الناس، وهي لوّامة عند الناسالمتطهرين، وهي نفس مطمئنة عند المؤمنين، ولا شك أن الأشرار تأمرهم بالشر بنسبة – 90% تقريباً، وتأمر بالشر قليلاً بنسبة – 30% تقريباً عند عامة الناس، ولا تأمربالشر أكثر من – 10% تقريباً عند الناس المتطهرين المؤمنين.



لأن الأصل فيطبيعة الإنسان – كما قال الفيلسوف اليوناني " أبيقور" في اليونان القديمة - أنهيبحث عن (اللذة) وإن كانت محرمة، وإن كانت شراًّ للآخرين - ويفرّ من "الألم" وإنكان واجباً، وفيه منفعة للآخرين، ولكن الناس يتفاوتون في إقبالهم على اللذةالمحرمة، ويتفاوتون في فرارهم من الألم وإن كان واجباً، حسب النسبة الآنفةالذكر.



ولهذا .. نزلت الأديان لتبيّن للناس أنواع اللذة المباحة ليكونواأحراراً في التنعم بها، ولتبيّن لهم اللذة المحرمة ليجتنبوها. وتبين لهم ما هو مؤلمولكنه واجب ليحملوا أنفسهم على الأخذ به، لأن الأديان من أهدافها الرئيسية بناءإرادة الإنسان، والصبر على الفعل الذي يسبب الألم هو دليل على أن الشخص ذو إرادةقوية. ثم .. تترك لهم حرية اجتناب المؤلم الذي واجبَ فيه، ولا خيرفيه.



ولهذا أيضاً اضطرت المجتمعات التي تبقي الأديان مقصورة على مجال الروح،وليس لها علاقة بالحياة اليومية – اضطرت إلى أن تنظم حياتها على أساس " عقداجتماعي" يترجم إلى سياسة وإدارة واقتصاد .. حتى لا تكون الحياة كالغابة؛ تأكلالحيوانات القوية فيها الحيوانات الضعيفة، وحتى يكون أمن واستقرار، وحياة مقبولةلعيش الإنسان.



هذا كله يعني أن القرآن عبّر عن حالات النفس المختلفة التي لامزيد عليها. فإذا عرفنا أنه نزل على أمة أُمّية أدركنا أن له سبقاً في بيئته في هذاالمجال.






ب- أما التفوق في التعبير عن حركاتالنفس فيتمثل في قوله تعالى : " ولقد جاءت رسلنا إبراهيمَ بالبشرى، قالوا سلاماً،قال: سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ. فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نَكِرَهم، وأوجسمنهم خيفة، قالوا: لا تخف، إنا أرسلنا إلى قوم لوط ... فلما ذهب عن إبراهيم الروعُوجاءته البشرى، يجادلنا في قوم لوط" ( هود – 69، 70، 74).

لاحظ أن الرسلقالوا سلاماً، أي: قالوا أي عبارة فيها معنى السلام أي : كأنه قال: "قالوا سلاماً" ما .. ولذلك لم نضع نقطتين بعد (قالوا).





أما إبراهيم فقال: سلام، أي : خصّهمبتحية الإسلام المعهودة وهي (سلام). وقد يُسأل: لماذا لم يكمل السلام بأن يقول : عليكم سلام، أو سلام عليكم؟ الجواب – أن الاكتفاء بكلمة (سلام) يدل على حالةإبراهيم النفسية؛ فهؤلاء الضيوف قوم غرباء، ولذلك فأول ما يتبادر إلى ذهن إبراهيمالشّك فيهم. ولهذا كان احتشاده النفسي وتوتره العصبي - في مثل حالة الشك هذه – لايجعلانه يسيل بالألفاظ، وإنما يقتصر على الحد الأدنى من السلام، ليظل متنبهاً حذراًمما عساهم يأتون به من شرّ. إنه يريد – بوعي وبغير وعي – أن يدّخر قوته للفعل إذالزم الفعل.



ثم .. لاحظ أن إبراهيم أوجس خيفة من هؤلاء الضيوف / الملائكةالذين ظهروا بصورة البشر – فلما طمأنوه، إذ قالوا له : " لا تخف ، إنا أرسلنا إلىقوم لوط" وعرف أنهم ملائكة .. ذهب عنه الروع أي: الفزع أو الخوف الشديد. عندئذ .. أخذ يجادلهم في قوم لوط. هذا يعني أنه ما كان يمكن – نفسياً – أن يجادلهم في قوملوط، قبل أن يذهب عنه الروع. فالشيء الطبيعي الذي يقرّه العقل هو أن يدّخر قوتهالنفسية لكي يجادلهم في شأنه هو لا في شأن قوم لوط، لأن الإنسان في الأصل يدافع عننفسه قبل أنيدافع عن غيره. أما ترى في أسطورة "الإلياذة" أن البحّارة الذين عضّهمالجوع بنابه أوقدوا النار وصنعوا لهم طعاماً وأكلوا حتى شبعوا، وبعد ذلك .. بكواْعلى زميلهم الذي التهمته حيتان البحر (3) ؟



أفترى أن هناك تعبيراً عن طبيعةالنفس البشرية أدقّ من هذا التعبير في مثل هذه الحالة؟



ثم .. لاحظ أنالتعبير لم يكن: (أخذ يجادلنا في قوم لوط) وإنما استغنى عن (أخذ) وبدأ بكلمة (يجادلنا)، لأن التعبير المقترح يعني أنه تمهّل – بعد أن ذهب عنه الروع – قبل أنيبدأ بالجدال، أما تعبير القرآن فهو يدل على أنه – بعد أن ذهب عنه الروع _ هجمهجوماً على مجادلتهم، وما كان ممكناً – حسب حالته النفسية – أن يفعل غير ذلك، أي: أن يتمهّل، لأن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم، ولذلك كان ملهوفاً أن يقدم رأيه لهم فيقوم لوط (لأنه، أي: إبراهيم كان يخشى أن يصيب ابن أخيه ما يصيب قوم لوط). فإذا عرفتأن إبراهيم عرف أنهم ملائكة (إذ أخبروه بذلك)، والملائكة قد يختفون خلال لحظةواحدة، فلا بد من أن يهجم على مجادلتهم هجوماً، حتى يعرف رأيهم قبل أن يختفوا ولوكانوا بشراً، فقد يماشيهم إذا غادروا بضع كيلوات مِترية، قبل أن يتركهم، وفي أثناءذلك يحدثهم أو يجادلهم في قوم لوط، وعند ذلك فلا حاجة إلى الهجوم على جدالهمهجوماً، ولكن الحالة هي على وصفنا آنفاً.



ثم .. لاحظ أن القرآن لم يقلوقوله الحق –: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع يجادلنا في قوم لوط) بل جاءت عبارةمتوسطة بينهما هي: (وجاءته البشرى) (4)، لأن العبارة لو كانت على الوجه الأول لضعفقول القرآن: (يجادلنا في قوم لوط) من ناحية نفسية. لماذا؟ الجواب أن الذي (يذهب عنهالروع) فحسب .. لا بد من أن يقضيَ وقتاً .. خمس دقائق بل أو خمس ساعات " يلملم" تشتّت نفسه قبل أن يتجاوز شأن نفسه، وينتقل إلى المجادلة في شأن ابنأخيه.



لكن عبارة (وجاءته البشرى) جعلته ينتقل (بثقة) من حالة التشتت النفسيإلى حالة الاجتماع النفسي، بحيث أصبح طبيعياًّ في مثل هذه الحالة التي اجتمعت فيهانفسه أن يتجاوز التشتت ، وأن ينتقل إلى المجادلة في شأن ابن أخيهلوط.



فإذا عرفت أن القرآن لم يقل: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع .. جاءتهالبشرى) أي: دون إدخال " واو" العطف، بل جاء بواو العطف – أدركت أن الأمر جاء علىأحكم تعبير عن حالة إبراهيم النفسية؛ لأن التعبير – دون واو – يعني أن البشرى جاءتإبراهيم بعد أن ذهب عنه "الروع" وقبل أن يلملم تشتّت نفسه، ولكن – الواو – تعني أنهمضى وقت – ما – بين ذهاب الروع عن إبراهيم، وبين مجيء البشرى له. هذا الوقت كان " كافياً " ليلملم شعث نفسه، إذن – عندما جاءته البشرى كان في حالة نفسية طبيعية،مكّنته من أن ينتقل – بعد مجيء البشرى مباشرة – للمجادلة في شأن قوم ابن أخيهلوط.



الهوامش:



- الترمذي: محمد ابن عيسى السُّلَميّ – السنن: 8/113- القاهرة / مطبعة مصطفى البابي الحلبي – تحقيق أحمد محمد شاكر.



مسلم ابنالحجاج القشيريّ – الصحيح: 4/3395 – بيروت / دار إحياء التراثالعربي.



الأساطير أعمال أدبية تعبر عن الحياة البدائية، ولكنها تحسن التعبيرعن حالات النفس البشرية، لأن النفس .. صُقلت، ولكن لم تتطور على طول العصور، يدلكعلى ذلك أن الشعر العربي الجاهلي يعبر عن فطرة النفس أكثر من تعبير الشعر في العصوراللاحقة، أما العقل فقد تطوّر.



البشرى: هي أن الملائكة بشّرت زوجة إبراهيمبأنه سيأتيه غلامان من زوجته العجوز: " وامرأته قائمة فبشّرناها بإسحاق، ومن وراءإسحاق يعقوب" (هود – 71).



مجلة الفرقان

__________________








** اللهأكبرُرَدّدها فإنّ لَها *** وقعَ الصّواعق في سمعالشياطينِ **



روضوا على منهج القرآنِ أنفسَكم *** يمددْ لكم ربُّكمعِزّا وسُلطانا





ما أجملَ الضادَ تبيانا وأعذبهَا *** جرساوأفسحَها للعلمِ ميدانا





ثوبوا إلى الضاد واجنوا من أزاهرِها *** واستروحوا صورا منها وألوانا

























الإعجاز التربوي للقرآن الكريم









في


سورة الفاتحة


عمر محمد أبوشعالة


مناقشة


أ.د: عبد الله بطرونة

وتأتي أهمية هذا البحث من أهمية المبحوث وهو القرآن الكريم، وتتركز الأهمية في دراسة جانب مهم من جوانب الإعجاز القرآني في سورة الفاتحة ألا وهو الإعجاز التربوي.
وقد قسم الطالب البحث إلى فصلين: الفصل الأول كمدخل تمهيدي ضروري لدراسة سورة الفاتحة، والفصل الثاني: دراسة القواعد الكلية التربوية التي تضمنتها سورة الفاتحة.
ثم ختم الباحث ببعض النتائج التي توصل إليها.
وعلى الله أن نكون قد وفقنا في خدمة كتاب الله ولو بجزء هو أكبر من طاقتنا.
ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ننال ثواب كل حرف قرأناه أو كتبناه، وأن يكون مغفرة لنا من كل الذنوب، ومثل ذلك الأجر لمن علمنا، أو من استفدنا مما ألف أو كتب. آمين

الفصل الأول


مدخل لدراسة الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في سورة الفاتحة

لقد جعلنا الفصل الأول من هذه الدراسة فصلا مستقلا لهذا المدخل؛لأنه لا يمكننا أن نعطي لدراسة الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في سورة الفاتحة أو في غيرها حقه، أو قريبا من حقه دون أن نقدم مدخلا يمهد لهذا النوع من الدراسة الشائكة الشائقة[1].فهي شائكة بمعنى عسرة لأنها تتعلق بأعظم كتاب أنزل على وجه الأرض وهو كتاب الله: القرآن الكريم؛ والزلل أو الخطأ في دراسته كل بحسابه- نسأل الله الغفران فيما زلت به القدم,أو هفا به القلم, ونسأله أن يجنبنا كل ذلك, وما على المجتهد من سبيل إلا أجر أو أجران؛ فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد-.وهي دراسة شائقة أي مشوقة: لأنها تربط الإنسان بكتاب ربه وتنير عقله لتدبر كتاب الله, وتزيده معرفة بأسرار هذا الكتاب المعجز في كل أمر من أموره. وهذا ما حثنا الله عز وجل عليه حيث قال- جل جلاله أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)أية 25 سورة محمدr.
وهذا المدخل يتناول بالدراسة الموضوعات التالية:
· تعريف التربية عامة والتربية الإسلامية خاصة.
· تعريف الإعجاز عامة والإعجاز القرآني خاصة.
· أوجه الإعجاز القرآني.
· مفهوم الإعجاز التربوي للقرآن الكريم.
· الاستعانة بالعلوم المساعدة في تفسير وفهم وتدبر سورة الفاتحة.
وعلى بركة الله نبدأ بدراسة هذه المداخل الضرورية لفهم سورة الفاتحة وتدبرها واستكشاف بعض من إعجازها التربوي:
أولا: تعريف التربية عامة والتربية الإسلامية خاصة:
التربية في اللغة: من ربا يربو ربُوّا ورباء زاد ونما. وربيته تربية: غذوته.[2]
وفي المعجم الوجيز: رباه: نشّأه ونمّى قواه الجسدية، والعقلية والخلقية.[3]
ويؤكد المعنى اللغوي السابق قوله تعالى:)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا( الإسراء- آية 25.
تعريف التربية العامة: في اصطلاح علماء التربية الحديثة فهي عند جون ديوي( 1859-1952:" التربية هي: الحياة نفسها، وليست مجرد إعداد للحياة، وأنها عملية نمو وعملية تعلم، وعملية بناء، وتجديد مستمرين للخبرة، وعملية اجتماعية".
وقد ورد عن المؤتمر الذي عقد تحت رعاية اللجنة الدولية للتربية تقرير بعنوان: نعلم لتكون، جاء فيه:" إن التربية هي العمل المنسق المقصود الهادف إلى نقل المعرفة، وخلق القابليات، وتكوين الإنسان، والسعي به في طريق الكمال من جميع النواحي وعلى مدى الحياة".[4]
والتربية على مستوى الأمة العربية عن طريق لجنة كلفت بوضع إستراتيجية لتطوير التربية في البلاد العربية ( 1976م) "التربية عملية إنسانية سلوكية، اجتماعية حضارية، تتألف في جوهرها من التعلم القائم أصلا على الجهود الذاتية للمتعلم، المتجلية في تشكيل سلوكه، المؤدية إلى تطوير شخصيته، وبالتالي مساهمته في تقدم مجتمعه، وتمكينه من المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية. وبهذه الصورة فهي عملية سلوكية واجتماعية، غايتها القصوى خير الإنسان وخير المجتمع وخير الإنسانية جمعاء".
ركز هذا التعريف على الجهود الذاتية للمتعلم، وهو بذلك ينتقل بالتربية من مفهومها السائد كعملية تدريس وتحفيظ وتسميع إلى بيئة تعلم، والتي تعني التفاعل الحي بين بيئة المتعلم الداخلية، وبيئة التعلم الخارجية بأبعادها المختلفة.[5]
نلاحظ من خلال التعريف اللغوي والاصطلاحي وجود دلالة واضحة وتقارب وثيق.
أما تعريف التربية الإسلامية خاصة: فقد وضع علماء ومفكرو وكتّاب التربية الإسلامية عدة تعار يف للتربية الإسلامية منها:
ورد في الموسوعة العربية العالمية:" تعبير يقصد به تنشئة الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي، تنشئة متكاملة يُراعى فيهاالجانب الروحي والمادي، في ضوء النظرة الإسلامية الشاملة، وهي تُعنى بالفرد وإعدادهلحل مشاكله، ومدى نجاحه في تحقيق رغباته المشروعة والممكنة التي تضمن له حياة هانئةفي الدنيا والآخرة."[6]
1- عرفها الشيخ عبد الرحمن النحلاوي بقوله:"هي التنظيم النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام وتطبيقهكليا في حياة الفرد والجماعة ، أو بمعنى آخر هي تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكهوعواطفه على أساس الدين الإسلامي بقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة في كل مجالات الحياة".
2- التربية الإسلامية:هي تنميةجميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية، وتنظيمسلوكها على أساس مبادئ الإسلام وتعاليمه بغرض تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة.
3- التربية الإسلامية: تنمية فكر الإنسانوتنظيم سلوكه اللفظي والعملي على أساس الدين الإسلامي، فهي تهتم ببناء شخصيةالمسلم الذي سيبني المجتمع الإسلامي القويم القادر على مواجهة أخطار أعداء الدينالإسلامي والعامل على نشر كلمة الله في الأرض.
4- التربيةالإسلامية: هي تربية القيم التي بها وحدها صلاح الحياة البشرية، وبهاوحدها تحقيق التوازن الكامل في شخصية الفرد لأنها التربية التي تجمع بين الإيمانوالخلق والعلم والعمل ولا معنى للتربية إذا أنكرت هذه العناصر.
5- التربية الإسلامية هي النظام التربوي القائم على الإسلام بمعناه الشامل قالتعالى: } إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ { آل عمران آية:19.[7]
6- وهي: عملية مستمرة من المهد إلى اللحد. ومن جوانبها الإعداد المتكامل المتوازن للدارين، فهي منهج لإعداد الإنسان لدنياه ولآخرته.يقول جل جلاله[8]:} وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ { القصص(77). ويؤكد ذلك قول عبد الله بن عمرو بن العاص:" احرز لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"[9]
وفي نطاق هذا المفهوم الواسع للتربية الإسلامية عُرِّفت التربية الإسلاميةالمعاصرة: بأنها تنشئة إنسان متكامل من الناحية الصحية والعقلية والروحيةوالاعتقادية والأخلاقية والإبداعية، في ضوء المبادئ العامة التي جاء بها الإسلام. والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما مصدرا التربية الإسلامية في إطارهاالفلسفي والتطبيقي. والتربية الإسلامية منفتحة على التراث الإنساني في المجالالعلمي البحثي والتقني المحايد، وملتزمة بالإطار النظري الذي ورد في القرآن الكريموالسنة النبوية المطهرة فيما يتعلق بقضايا أساسية مثل الألوهية والعبودية، ومفهومالإنسان، والكون والمعرفة والأخلاق.
والتصور الإسلامي للحياة بشقيها المادي والروحي ينسحب على برنامج التربيةالإسلامية؛ إذ يهتم بالكيان الروحي للفرد بجانب الكيان المادي، وإعداده لحل مشاكلهالمادية والروحية، وللوفاء بمتطلبات حياته في الدنيا والآخرة. [10]
ومن التعريفات السابقة نرى الفرق واضحا بين التربية بشكل عام، والتربية الإسلامية بشكل خاص، وربما يمكننا ان نحدد الفرق الفاصل بين التربيتين: أن التربية العامة لم تذكر الحياة الآخرة،- وربما أشارت إليها في معرض ذكر الجانب الروحي وهذا يشمل جميع الأديان السماوية وغير السماوية- ؛ في حين أكدت التربية الإسلامية ذكر الدار الآخرة جنبا على جنب مع الحياة الدنيا التي هي معبر إليها.ومنهج التربية العامة يختلف من مجتمع إلى مجتمع، بنما هو موحد في المجتمعات الإسلامية ويستقي تعليماته من مصادر التربية الإسلامية وهي القرآن الكريم ، والسنة المطهرة. والباحث في دراسته هذه يتناول جانب التربية من حيث هي إسلامية، وبما يتفق معها من التربية العامة تاركا ما يتناقض مع التربية الإسلامية التي أثبتت نجاحها على مر العصور، ودليل ذلك التاريخ والتجربة؛ فكلما اتبعت التربية الإسلامية الصحيحة، نجح المجتمع الذي ينتهجها، وكلما تركت فشل المجتمع الذي يتجنبها، وواقع العالم الحاضر خير دليل على ذلك.
ثانيا: تعريف الإعجاز عامة والإعجاز القرآني خاصة:
القُرآنُ الكَريمُكلام الله، المنزَّل على رسوله محمد r بلسان عربي مبينبوساطة جبريل عليه السلام. المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر كتابةومشافهة، المتعبد بتلاوته، المعجز بأقصر سورة منه، المبدوء بسورة الفاتحة والمختومبسورة الناس. وهو معجزة الإسلام الخالدة، قال تعالى: ﴿قل لئناجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهملبعض ظهيرا الإسراء : 88.
الإعجاز عامة: والمعجزة. أمر خارق للعادة يُظهرُه الله على يد صاحب الرسالة، برهانًا قاطعًاعلى صدقه، وأنه مُبَلِّغٌ عن الله.
الإعجاز القرآني خاصة: والمعجزة نوعان: حسية ومعنوية. وقد كانت كل معجزات الرسل الذين سبقوا محمدًا rمن النوع الأول، كمعجزات موسى عليه السلام، مثل العصا المشار إليها في قوله تعالى: ﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) ﴾ طه: 18 21. وكمعجزة الناقة لصالحعليه السلام، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى عليهالسلام وهكذا..
وهذه المعجزات قد انقضت بزمانها، وبقيت أخبارها للعبرة والعظة،﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يُفْتَرى ولكن تصديقالذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون يوسف : 111.
أما النوع الثاني فهو المعجزة المعنوية. وهي معجزة تدرك بالعقل. وهذه معجزةسيدنا محمدr، وهي القرآن الكريم.
يثبت مما تقدم أن معجزات الأنبياء الذين سبقوا رسول اللهr، قد انقضت بانقضاءالعصور التي نزلت فيها. وانتهت بانتهاء الأقوام الذين حلت بينهم، وكانت معجزاتحسية. أما معجزة القرآن الكريم فهي باقية بقاء الرسالة المحمدية؛ ذلك أن رسالة رسولالله r قد استوعبت الزمان والمكان، فكان لابد من استمرار المعجزة، بمعنى أنه إذاارتاب قوم في صدق رسول الله r في عصرنا الحاضر، فكيف نأتي بالرسول ليطالبوه بمعجزةتدل على صدقه؟ ومن هنا كان القرآن الكريم نفسه بيانًا ومعجزة في آن واحد.
وكلما تقدَّم العلم المادي، انكشف من وجوه إعجاز القرآن وجه يقمع رموز منكريه،ويهدي به الله الآلاف المؤلفة في كل عصر، وهو ما نشاهده الآن وما شاهدناه قبل الآن،وما ستشهده الأجيال القادمة بعد الآن بإذن الله.[11]
مراحل التحدي في إعجاز القرآن:لقد تدرّج القرآن في تحديالقوم على مراحل: ففي المرحلة الأولى طلب منهم أن يأتوا بحديث مثله حينما قالوا: إنه حديث مُفْترى. فقال الله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله إنكانوا صادقين الطور: 34. فلما عجزوا عن الإتيان بمثله، طلب الله سبحانهوتعالى منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات على زعمهم فقال جلَّ ذكره: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا مناستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين هود : 13. فلما عجزوا، طلب الله سبحانهمنهم أن يأتوا بسورة مثله، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وإنكنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللهإن كنتم صادقين البقرة : 23.
ولما تكرر التحدي لهم بمراحل مختلفة، وظهر عجزهم مرة بعد أخرى، جاء التحديالنهائي لهم: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثلهذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا الإسراء : 88.
لذلك كانت حجة الرسول r أن الله تعالى قد أنزل عليه كتابًا عربيًا مبينًا، يعرفالعرب ألفاظه، ويفهمون معانيه إلا أنهم لا يقدرون على الإتيان بمثله، ولا بعشر سورمثله، ولا بسورة واحدة مثله، ولو جهدوا جهدهم، واجتمع معهم الجن والإنس.
القدر المعجز من القرآن:مما تقدم من بيان مراحل التحديفي القرآن، يظهر أن القدر المعجز من القرآن هو الإتيان بمثل أقصر سورة من سوره،وإذا علمنا أن أقصر سورة هي سورة الكوثر، وبها ثلاث آيات، فإن القدر المعجز منالقرآن هو ثلاث آيات فأكثر.[12]
ثالثا: أوجه الإعجاز القرآني:
قد ذكر العلماء أوجهًا كثيرة للإعجاز نلخص منها ما يأتي بإيجاز:-
1- النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب؛ لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال ربّ العزة الذي تولى نظمه { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } ( يس : 69). وفي صحيح مسلم أن أنيسًا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحِرٌ وكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ قَالَ أُنَيْسٌ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ( أنواع وطرقه وبحوره) الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ..." (مسلم رقم 2473) .
2- الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
3- الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، قال القرطبي (1) : وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } (الزمر:67) إلى آخر السورة، وكذا قوله { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } ( إبراهيم : 42) إلى آخر السورة قال ابن الحصار : فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } (غافر : 16) ولا أن يقول { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ } (الرعد : 13)التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف مَوْضعه.
4- الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، مع أنه أخذ بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين .
5- الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (الطلاق:3) وقوله { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } ( التغابن:11)
6- الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } (التوبة:33) آية ففعل ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجاح، وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقًا وغربًا، برًّا وبحرًا.
7- ما تضمنه القرآن الكريم من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام.
8- التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرًا وباطنًا من غير اختلاف. قال تعالى { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } (النساء:82) .
9- الحكم الكثيرة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدميّ.[13]
10- علومه ومعارفه. وبيان ذلك أن القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلقإلى الحق، بلغت من نبالة القصد ونصاعة الحجة وحسن الأثر وعموم النفع، مبلغًا يستحيلعلى محمد r وهو رجل أمي نشأ بين الأميين كما تقدم أن يأتي بها من عند نفسه. بليستحيل على أهل الأرض جميعًا من علماء وأدباء وفلاسفة ومشرّعين وأخلاقيين أن يأتوامن تلقاء أنفسهم بمثلها.
11- وفاؤه بحاجات البشر. ومعنى ذلك أن القرآن جاء بهدايات تامة كاملة تفي بحاجاتالبشر في كل عصر ومصر، وفاءً لا يمكن وجوده في أي تشريع أو دين. ويتجلَّى ذلكواضحًا في المقاصد النبيلة التي رمى إليها القرآن من إصلاح العقائد والعباداتوالأخلاق؛ ومن إصلاح المجتمع وإصلاح الحكم، من سياسة واقتصاد وما إلى ذلك ... إلخ.
وقد ذكر صاحب كتاب ( إعجاز القرآن) أمير عبد العزيز عشرة أوجه: 1- الإعجاز البياني 2- التركيبي 3- المعنوي 4- التشريعي 5- الروعة القرآنية النفاذة 6- التصويري 7- الإخباري 8- التربوي 9- الإنسجام وعدم الاختلاف 10- الجِدّة وعدم الخُلوق.[14]( أي لا يبلى ولا يقدم ولا يبيد ).
وخلاصة القول أن القرآن قد احتوى على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولاأحاط بعلمها أحد، في كلمات قليلة وأحرف معدودة، كما قال تعالى: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء النحل : 89.
فالقرآن قد جمع علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علمًا إلا واهبُها جلّوعلا، ثم رسوله محمد r، عدا ما أستأثر به سبحانه. وقد وَرِث هذا العلم عن رسول اللهrصحابتهُ والتابعون لهم بإحسان، ثم علماء هذه الأمة إلى يوم القيامة.[15]
ويرى الباحث- والله أعلم- أنه لا يمكن للبشر أن يحصروا أوجه إعجاز القرآن الكريم، وهذا أيضا في حد ذاته وجه من أوجه إعجاز القرآن الكريم.قال تعالى]:قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا[ (109)الكهف. وما يندرج تحت دراستنا من هذه الأوجه هو الإعجاز التربوي للقرآن الكريم، وتخصيصا في سورة الفاتحة.
رابعا: مفهوم الإعجاز التربوي للقرآن الكريم:
لعل سائلا يسأل هل هناك وجه من أوجه الإعجاز يسمى الإعجاز التربوي؟ فالجواب كما ذكر: أنه لا يمكن للبشر أن يحصروا أوجه إعجاز القرآن الكريم، والعجز عن الحصر في حد ذاته وجه من أوجه إعجاز القرآن الكريم.قال تعالى]:قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا[. وهذا يؤكد أن هناك وجها للإعجاز يسمى الإعجاز التربوي بمعنى: عجز التربية البشرية مهما بلغت من الرقي عن مجاراة التربية القرآنية التي أثبتت أنها صالحة لكل زمان ومكان؛ إذا فهمت بالشكل الصحيح كما يريدها منزلها- جل جلاله- وليس التربية التي تخضع لتفسيرات مخالفة للكتاب والسنة يتبع فيها أصحابها الهوى، والأغراض الشخصية ناسبين ذلك إلى الكتاب والسنة زعما.
ولإثبات الإعجاز التربوي للقرآن الكريم؛ لعلنا نستعرض بعضا من المحاولات البشرية للإصلاح، وفشلها كلما ابتعدت عن المنهاج الرباني.
ما فتئ الدارسون والباحثون في العلوم النفسية والاجتماعية والتربوية يبذلون قصارى جهودهم للوصول بالإنسان إلى الصلاح وتنقيته من أعراض المرض وأعطاب النفس؛ لكن ذلك كله قد أسفر عن غير فائدة تذكر، وباءت كل المحاولات بالفشل من أجل الرقي بالإنسان إلى المستوى الإنساني الذي يليق به، وواقع الحياة خير دليل وشاهد؛ حتى مع الأمم التي تدعي التقدم والحضارة هاهي تفشل وتعاني شعوبها، آثار الانحرافات وغياب التربية الصحيحة، بالرغم من التقدم التقني والعلمي الذي تنعم به؛ فها هي الأمراض الناتجة عن غياب التربية الصحيحة تنتشر في مجتمعاتهم، أمراض ناتجة عن سوء التربية الجنسية كالإيدز والزهري والسيلان، وأمراض أخرى ناتجة عن فقدان الطمأنينة التي ينعمك بها الإنسان المؤمن، كالقلق والاكتئاب، وتبلد الضمير ، وقسوة القلب، وانعدام الرحمة حتى مع الأقارب، بل أحيانا مع الوالدين، وأمراض الإجرام من قتل وسطو والأنانية المطلقة حتى لدى المسئولين في الدولة؛ ففي سبيل النجاح في الانتخابات يمكن للمسؤول أن يفعل ما لا يتوقع، ويمكن ان يتاجر بدماء الأبرياء، كما نراه من عنجهية الدول الكبرى الطاغية، التي لا ترحم الشعوب الضعيفة؛ بل لا تستحيي أن تتاجر في طعامها.
هذه صورة من التربية البشرية عندما انحرفت عن سلوك نهج التربية السماوية، وقد وضع الله جل جلاله- للبشرية الحل في آخر رسالاته السماوية التي حواها القرآن الكريم، وتضمنها بكل أبعادها، فحوى القرآن الكريم في آياته وكلماته خير منهج لتربية الإنسان، وهذه حقيقة لا ينكرها غير الجاحدين، أو المعاندين الذين ينكرون الشمس في وضح النهار.
إن الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في طريقته المثلى التي يخاطب بها الإنسان. كل الإنسان. فالقرآن يخاطبه في كل مركباته الذهنية والنفسية والروحية والحسية والوجدانية والشعورية، كل ذلك وفي آن واحد.
لقد جُرّب منهج القرآن في التربية ونجح كل النجاح؛ فانظر إلى المجتمع الإسلامي الأول كيف بني بناء لم يماثله بناء حتى الآن؛ ولقد ظل القرآن بآثاره الواضحة في التربية، وكلما ابتعد المجتمع عن نهجه لوحظت آثار ذلك واضحة للعيان.
حينما نزل القرآن الكريم لم يكن أصحاب رسول اللهrيتعاطون تفسيره , ولم يكن رسول اللهrيفسّر من القرآن لأصحابه إلا ما أشكل منه عليهم , وفي هذا المجال تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (( لم يكن النبيrيفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد , علمهن إياهجبريلu ))(الطبري.
وإنما كان همّ صحابة رسول اللهrمنصبا على تطبيق القرآن والعمل به , وكان كل واحدمنهم كالجندي في الثكنة ينتظر الأوامر للتنفيذ , فكان نزول القرآن بمثابة الأوامر, وبهذا المعنى رُوي عن عبد الله بن مسعودuأنهقال: (( كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعملبهن).الطبري)، ورُوي عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأُبَيّ بنكعب رضي الله عنهم (( أنّ رسول اللهrكانيُقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل , فيعلمناالقرآن والعمل جميعا ))(الطبري والقرطبي)، وقال عبد الله بن مسعودt : (( إنا صَعُب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسَهُل عليناالعمل به , وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به ))(القرطبي)،وقال عبد الله بن عمروt : (( كان الفاضل منأصحاب رسول اللهrفي صدر هذه الأمة لا يحفظ منالقرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل به , وإنّ آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن , منهم الصبي والأعمى , ولا يُرزقون العمل به ))(القرطبي.
وهذا الربط بين العلم والعمل هو جوهر التربية , وبهذا المعنى نجدأنه كان يتربى على نزول القرآن جيل من البشر , أصبح فيما بعد جيلا فريدا، لأنّالقرآن كان بالنسبة له كتابا في التربية. فالقرآن كما نرى وقبل كل شيء كتابٌ فيالتربية , هكذا كان بالنسبة لأصحاب رسول اللهr , وكذلك كان بالنسبة إلى رسول اللهr، فقدسُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول اللهr، فقالت: (( كان خُلقه القرآن))( أحمد)، أي: إنه منشدة عمله بالقرآن صار مصحفا يمشي على الأرض.
تعهد الله رسوله بالتربية , فقال رسول اللهr : (( أدّبني ربي فأحسن تأديبي))(القرطبي)، وهذاالحديث وإن كان فيه مقال فإنه يشهد لصحة معناه قوله تعالى في حق رسوله: )أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاتَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَفَحَدِّثْ( (الضحى : 6-11.
والله تعالى هو رب العالمين , وكلمة الرب مشتقة من التربية , وهيتحمل معاني العناية والرعاية والإصلاح والتأديب , ورسول اللهrهو المربي الأول لهذه الأمة بالقرآن , فقد أشرف علىتربية جيل من الناس فكان ذلك الجيل ظاهرة فريدة عجيبة في التاريخ , لم يشهد التاريخلها مثيلا حتى الآن , ودليلنا على ذلك قوله تعالى: )هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاًمِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَوَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ( (الجمعة:2.
وفي القرآن نجد أهداف التربية ومواضيعها السبعة وهي : التربيةالعقيدية , والتربية الخُلقية , والتربية الجسمية , والتربية العقلية , والتربيةالنفسية , والتربية الاجتماعية , والتربية الجنسية.
وكذلك نجد في القرآن الوسائل التربوية الكثيرة والمتعددة، نذكرمنها: التربية بالترغيب , والتربية بالترهيب , والتربية بالترغيب والترهيب معا , والتربية بالعقوبة الدنيوية , والتربية بالعقوبة الأخروية , والتربية بالقصة , والتربية بالمثل , والتربية بالجدل (الحوار) , والتربية بالموعظة , والتربيةبالقدوة , والتربية بالعادة , والتربية بالعبادة , والتربية بالأحداث , والتربيةبتدرج الأحكام , والتربية بالملاحظة والنظر , والتربية بالصحبة، والتربية من خلالالربط بالعقيدة , والتربية من خلال تعرية الشر , والتربية من خلال تغيير البيئة , وغير ذلك من الوسائل التربوية.
وكذلك نجد اهتمام القرآن منصبّا على المؤسسات التربوية : كمؤسسةالأسرة وهي أهم المؤسسات التربوية في الإسلام , ومؤسسة المسجد , ومؤسسة المدرسة (مجالس العلم ) , ومؤسسة الزكاة , ومؤسسة الصلاة , ومؤسسة الصيام , ومؤسسة الحج , ومؤسسة القضاء , ومؤسسة المجتمع بشكل عام , وغير ذلك.[16]
فلقد ربي المجتمع الأول على أعلى القيم الإنسانية النبيلة التي تفتقدها التربية الحديثة برغم تبجحها بحقوق الإنسان؛ فربي ذلك المجتمع على الإيثار والتضحية، والشجاعة والرحمة، والحياء والشعور بالأخوة وحب الإنسانية، فأين حب الإنسانية لدى الدول التي تدعي أنها تربي أبناءها على الرحمة وهي تقتل الشعوب ليلا ونهارا بأعتى الأسلحة المدمرة، في سبيل تحقيق أطماعها التي لا تنتهي.فالتربية القرآنية أنتجت أبا بكر وعمر، وعثمان وعليا، والصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومن يريد معرفة ذلك فليقرأ سير هؤلاء ليرى القيم الإنسانية النبيلة فيهم، أما التربية البشرية فبرغم احترامنا للمبادئ التي تتفق فيها مع المنهج السماوي إلا انها في أغلبها لم تنتج إلا أمثال: فراعنة مصر، ونمرود وهولاكو، وهتلر، ولينين وستالين، وترتشل البريطاني الصهيوني الذي لم يأل جهدا حتى سلب فلسطين من شعبها وأعطاها للصهاينة. ومن شاء فليقرأ تاريخ هؤلاء ليعرف ما أنتجته التربية البشرية الفاشلة من طغاة وظالمين.[17]
وخلاصة القول: أن القرآن الكريم أثبت إعجازه التربوي بالتجربة، كما أثبت إعجازه في الأوجه الإعجازية الأخرى التي لا تحصى ولا تعد. ومن هذا المنطلق يمكننا أن ندرس الإعجاز التربوي في سورة الفاتحة، هذه السورة العظيمة التي اختيرت لتتلى في كل صلاة لما لها من ميزات وفضل عظيم من الله به على هذه الأمة المحمدية.
خامسا: الاستعانة بالعلوم المساعدة في تفسير وفهم وتدبر سورة الفاتحة:
يقصد بالعلوم المساعدة: فضل السورة، وبيان مفرداتها والمعنى العام، وإعرابها، وبلاغتها.
فضلها: ورد في موطأ مالك: ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا قَالَ أُبَيٌّ فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي قَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ قَالَ فَقَرَأْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ).[18]
عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ{ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ثُمَّ قَالَ لِي لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)[19]. وقيل سميت السبع المثاني لأنها سبع آيات تثنى في كل صلاة، أي تعاد.[20] وتسمى أيضا: أم الكتاب، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد. وأوصلها القرطبي إلى اثني عشر اسما.[21]
بيان مفرداتها والمعنى العام:
البَسْملة
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
شرح الكلمات :
البسملة : قول العبد : بسم الله الرحمن الرحيم .
الاسم : لفظ جُعل علامة على مُسَمَّى يعرف به ويتميّز عن غيره .
{ الله } : اسم علم على ذات الربّ تبارك وتعالى يُعرف به .
{ الرحمن } : اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى .
{ الرحيم } : اسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضها عليهم في الدنيا والآخرة .
معنى البسملة :
أبتدئ قراءتي متبركا باسم الله الرحمن الرحيم مستعينا به عز وجل .
الَحْمدُ لله رب العَالمِينَ
شرح الكلمات :
{ الحمد } : الوصف بالجميل ، والثناء به على المحمود ذي الفضائل والفواضل كالمدح والشكر .
{ لله } : اللام حرف جر ومعناها الاستحقاق أى أن الله مستحق لجميع المحامد والله علم على ذات الرب تبارك وتعالى .
{ الرب } : السيد المالك المصلح المعبود بحق جل جلاله .
{ العالمين } : جمع عالم وهو كل ما سوى الله تعالى ، كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الإنس وعالم الحيوان ، وعالم النبات .
معنى الآية :
يخبر تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه؛ إذ هو رب كل شيء وخالقه ومالكه .
وأن علينا أن نحمده ونثنى عليه بذلك .
{ الرحمن الرحيم }
تقدم شرح هاتين الكلمتين في البسملة . وأنهما اسمان وصف بهما اسم الجلالة « الله » في قوله : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ثناءً على الله تعالى لاستحقاقه الحمد كلّه .
{ مَالِكِ يَوْم الدِّينِ }
شرح الكلمات :
{ مَالِك } : المالك : صاحب الملك المتصرف كيف يشاء .
{ مَلِكِ } : الملك ذو السلطان الآمر الناهي المعطى المانع بلا ممانع ولا منازع .
{ يومَ الدين } : يوم الجزاء وهو يوم القيامة حيث يجزى الله كل نفس ما كسبت
معنى الآية :
تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما في يوم القيامة حيث لا تملك نفس لنفس شيئاً والملكُ الذي لا مَلِكَ يوم القيامة سواه .
{ إياك نعبد وإياك نستعين }
شرح الكلمات :
{ إياك } : ضمير نصب يخاطب به الواحد .
{ نعبد } : نطيع ما غاية الذل لك والتعظيم والحب
{ نستعين } : نطلب عونك لنا على طاعتك
معنى الآية :
علَّمنا الله تعالى كيف نتوسل إليه في قبول دعائنا فقال احمدا الله واثنوا عليه ومجدوه ، والتزموا له بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به وتستعينوه ولا تستعينوا بغيره .
{ اهْدِنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ }
شرح الكلمات :
{ اهدنا } : أرشدنا وأدم هدايتنا
{ الصراط } : الطريق الموصل إلى رضاك وجنّتك وهو الإسلام لك.
{ المستقيم } : الذي لا ميل فيه عن الحق ولا زيغ عن الهدى .
معنى الآية :
بتعليم من الله تعالى يقول العبد في جملة إخوانه المؤمنين سائلا ربّه بعد أن توسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده ، ومعاهدته أن لا يَعْبدَ هو وإخوانه المؤمنون إلا هو ، وأن لا يستعينوا إلا به . يسألونه أن يُديم هدايتهم للإسلام حتى لا ينقطعوا عنه .
{ صرَاطَ الذينَ أنْعَمتَ عَلَيهِم }
شرح الكلمات :
{ الصراط } : تقدم بيانه .
{ الذين أنعمت عليهم } : هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، وكل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته ، ومعرفة محابه ، ومساخطه ، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره .
معنى الآية :
لما سأل المؤمن له ولإخوانه الهداية إلى الصراط المستقيم ، وكان الصراط مجملاً بيّنه بقوله صراط الذين أنعمت عليهم وهو المنهج القويم المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة وهو الإسلام القائم على الإيمان والعلم والعمل مع اجتناب الشرك والمعاصي .
{ غير المَغْضُوبِ عَلَيهَمْ ولاَ الضَّالِّينَ }
شرح الكلمات :
{ غير } : لفظ يستثنى به كإلاّ .
{ المغضوب عليهم } : من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وإفسادهم في الأرض كاليهود .
{ الضالين } : من أخطأوا طريق الحق فعبدوا الله بما لم يرعه كالنصارى .
معنى الآية :
لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان والعلم والعمل . ومبالغة فى طلب الهداية إلى الحق ، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم ، والضالين.[22]
إعرابها: الباء من ( بسم الله) زائدة بمعنى الإلصاق، والراجح أنها بمعنى الاستعانة، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف عند البصريين، تقديره: ابتدائي بسم الله أي كائن بسم الله، أو في موضع نصب بفعل مقدر عند الكوفيين، وتقديره: ابتدأت بسم الله.
والحمد لله: مبتدأ وخبر ، ورب العالمين: صفة لله. ومالك: مجرور على البدل، لا على الصفة؛ لأنه نكرة، بسبب أنه اسم فاعل لا يكتسب التعريف من المضاف إليه، إذا كان للحال أو الاستقبال. وبوم الدين: ظرف زمان. وإياك: ضمير منصوب منفصل، والعامل فيه (نعبد) والكاف للخطاب. واهدنا:سؤال طلب، فعل أمر يتعدى لمفعولين. وصراط الذين: بدل من الصراط الأول. والذين: اسم موصول. وغير: مجرور على البدل من( الذين). ولا في ( ولا الضالين) زائدة للتوكيد عند البصريين. وبمعنى غير عند الكوفين. أما آمين فدعاء، وليس من القرآن ومعناه:اللهم استجب.[23]
بلاغتها:
من بلاغة سورة الفاتحة: الحمد لله: جملة خبرية لفظا، إنشائية معنى أي قولوا: الحمد لله وهي تفيد قصر الحمد على الله سبحانه وتعالى.
وإياك نعبد: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقديم المفعول يفيد القصر، أي لا نعبد سواك.
اهدنا الصراط: أي ثبتنا عليه، فالمراد به الطلب واستمراره. وغير المغضوب عليهم: فيه حذف للإيجاز تقديره غير صراط المغضوب عليهم.[24]
وفي هذه السورة من الفصاحة والبلاغة أنواع منها:
1- حسن الافتتاح وبراعة المطلع. 2- المبالغة في الثناء.3- تلوين الخطاب بصيغة الخبر ومعناه الخطاب. 4- الاختصاص.5- الحذف.6- التقديم والتأخير.7- التصريح بعد الإبهام.8- الالتفات.9- طلب الشيء والمراد به دوامه واستمراره. 10- السجع المتوازي.[25]




الفصل الثاني


القواعد الكلية للإعجاز التربوي في سورة الفاتحة

أولا: مفهوم القواعد الكلية للإعجاز التربوي في سورة الفاتحة:
يقصد بمفهوم القواعد الكلية للإعجاز التربوي في سورة الفاتحة هو أنها تضمنت: مقاصد القرآن ولذلك كان من أسمائها‏:‏ أم القرآن وأم الكتاب والأساس فصارت كالعنوانوبراعة الاستهلال قال الحسن البصري‏:‏ إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآنثم أودع علوم القرآن في المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسيرها كانكمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ، وبيان اشتمالها علىعلوم القرآن قرره الزمخشري باشتمالها على الثناء على الله بما هو أهله وعلى التعبدوالأمر والنهي وعلى الوعد والوعيد وآيات القرآن لا تخرج عن هذه الأمور.
قال الإمامفخر الدين‏:‏ المقصود من القرآن كله تقرير أمور أربعة‏:‏ الإلهيات والمعاد والنبواتوإثبات القضاء والقدر فقوله‏:‏ ‏ «‏الحمدُ للَهِ رَبِ العالمين‏» ‏ يدل علىالإلهيات وقوله‏:‏ ‏ «‏مالكِ يومِ الدين‏» ‏ يدل على نفي الجبر وعلى إثبات أن الكلبقضاء الله وقدره وقوله ‏ «‏إِهدِنا الصِراطَ المُستَقيم‏» ‏ إلى آخر السورة يدلعلى إثبات قضاء الله وعلى النبوات فقد اشتملت هذه السورة على المطالب الأربعة التيهي المقصد الأعظم من القرآن وقال البيضاوي‏:‏ هي مشتملة على الحكم النظرية، والأحكامالعملية التي هي سلوك الصراط المستقيم والإطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياءوقال الطيبي‏:‏ هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين‏:
أحدها‏:‏ علم الأصول ومعاقدة معرفة الله عز وجل وصفاته وإليها الإشارة بقوله‏:‏ ( ‏رَبِ العالمين الرحمن الرحيم‏».‏ ومعرفة المعاد وهو ما أشار إليه بقوله‏:‏ ‏ «‏مالكِيومِ الدين‏» ‏
وثانيها‏:‏ علم ما يحصل به الكمال وهو علم الأخلاق وأجله الوصول إلىالحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقة الاستقامة فيهاوإليه الإشارة بقوله‏:‏ ‏ «‏أَنعمتَ عَليهِم غَيرِ المعضوبِ عليهم ولا الضالين‏» ‏قال‏:‏ وجميع القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة فإِنها بنيت على إجمال ما يحويهالقرآن مفصلاً فإنها واقعة في مطلع التنزيل والبلاغة فيه‏:‏ أن تتضمن ما سيق الكلاملأجله ولهذا لا ينبغي أن يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق. وقالالغزالي في ‏ «‏خواص القرآن‏» ‏‏:‏ مقاصد القرآن ستة ثلاثة مهمة وثلاثة تتمةالأولى‏:‏ تعريف المدعو إليه كما أشير إليه بصدرها وتعريف الصراط المستقيم وقد صرحبه فيها وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى وهو الآخرة كما أشير إليه بقوله‏:‏ ‏( ‏مالكِ يومِ الدين‏» ‏ والأخرى‏:‏ تعريف أحوال المطيعين كما أشار إليه بقوله ‏( ‏الذينَ أَنعمتَ عَليهِم‏» ‏ وتعريف منازل الطريق كما أشير إليه بقوله‏:‏ ‏( ‏إِياكَ نَعبُدُ وإِياكَ نَستَعين‏ ).[26]
ذكر ابن جزي الفائدة العشرين من فوائد تفسير سورة الفاتحة: "هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخةمختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدمة الأولى تعلم ذلك في الألوهية حاصلا في قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والدار الآخرة في قوله مالك يوم الدين والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله إياك نعبد والشريعة كلها في قوله الصراط المستقيم والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين."[27]
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، وكليات التصور الإسلامي ، وكليات المشاعر والتوجيهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها . .[28]
ثانيا: القواعد الكلية للإعجاز التربوي في سورة الفاتحة:
* قاعدة الإعجاز التربوي في التعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
يعلمنا- جل جلاله- الاستعاذة به من الشطان الرجيم، وهو نوع عظيم من التربية القرآنية؛ لكي نتغلب على هذا العدو الذي لا نراه، فمن استعاذ بالله صادقا أعاذه فعليك بالصدق ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريتها عصمها الله.ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه.والشيطان عدو حذر الله منه ؛ إذ لا مطمع في زوال علة عداوته وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم فيأمره أولا بالكفر ويشككه في الإيمان فإن قدر عليه وإلا أمره بالمعاصي فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب.
القواطع عن الله أربعة: الشيطان والنفس والدنيا والخلق، فعلاج الشيطان الاستعاذة والمخالفة له، وعلاج النفس بالقهر، وعلاج الدنيا بالزهد، وعلاج الخلق بالانقباض والعزلة.[29]
وفي هذا إعجاز تربوي لم تشر إليه أي تربية بشرية من قبل، ولا يخفى ما فيه من فوائد تريح النفس من وساوس هذا الشيطان البغيض، والذي ربما تنكره التربية الحديثة أو لا تؤمن به أصلا.
* قاعدة الإعجاز التربوي في البسملة:
قال الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الآية: (( إنّ اللهتعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبيه محمداrبتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله , و تقدّم إليه في وصفه بها قبلجميع مهماته , وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلمه إياه , منه لجميع خلقه سنة يستنون بها , وسبيلا يتبعونه عليها , فيه افتتاح أوائل منطقهم , وصدور رسائلهم وكتبهموحاجاتهم )).
الابتداء ببسم الله هو الأدب التربوي الذي أدّب الله به هذه الأمة , ولذلك ندب الشرع إلى البدء بذكر الله في كل فعل وفي كل قول , وبذلك تكون أفعالالمسلم وأقواله عبادة , وهذا ما يتفق مع التصور الإسلامي عن الإلهية , فالله هوالموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده , فباسمه يكون كل ابتداء , وباسمه تكونكل حركة , وباسمه يكون كل قول.
ابتدأ نزول القرآن بقوله تعالى: )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ( (العلق:1)، واسم الله يذكره المسلم عند كل فعل , كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال , فقالتعالى: )وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِاللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا( (هود:41)،وقال تعالى: )إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَوَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( (النمل:30.
وقال رسول اللهr : (( أغلقبابك واذكر اسم الله , وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله , وخمر إناءك واذكر اسم الله , وأوك سقاءك واذكر اسم الله ))(البخاري
وقال رسول اللهr : لو أنّأحدكم إذا أراد أن يأتي أهله , قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان مارزقتنا , فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا))(البخاري.
وقال لعمر بن أبي سلمة: (( يا غلام , سم الله وكل بيمينك وكل ممايليك ))(البخاري.
وقالr: من لم يذبح فليذبحباسم الله ))(البخاري.
وقالr : (( ستر ما بين الجنوعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله ))(ابن ماجة.
وإذا دخل المسلم الخلاء يقول: (( بسم الله، اللهم إني أعوذ بك منالخُبَث والخبائث ))(مسلم
وتستحب التسمية في أول الوضوء، لقول رسول اللهr : (( لا وضوء لمن يذكر اسم الله عليه ))(الترمذي.
وكذلك تستحب التسمية في أول الخطبة، لقول رسول اللهr : (( كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهوأبتر أو قال فهو أقطع ))( لأحمد.
ومن الفوائد التربوية للبدء باسم الله أن هذا الأدب التربوي رادععن المعصية في القول والعمل , إذ إنّ المسلم ليحس بالخجل من أن يبدأ فعله للمعصيةباسم الله.[30]
* قاعدة الإعجاز التربوي في الرحمة:
تستغرق كل معاني الرحمة ومجالاتها وحالاتها , وذكرها بعد ( بسم الله ) معناه: استجلاب الرحمة الإلهية في كل حركة يقوم بها المسلم وفي كل قول يقوله المسلم , إذلولا رحمة الله بالناس ما عرفوا طريق الطاعة من طريق المعصية , و لولا رحمة اللهبالناس ما عرفوا كيف يعبدونه وما استطاعوا أن يفعلوا ذلك.
ويعلمنا الله تعالى ويربينا على الرحمة وهي واحدة من أجل الخصال التي يتميز بها أهل القرآن عمن سواهم من الناس، وهي من الخصال التي يريد أن يرسخها القرآن في أهله المؤمنين به ترسيخا عميقا، فأين هذه التربية العظيمة من التربية البشرية تربية الظلم والقهر والعدوان.[31]
* قاعدة الإعجاز التربوي في الحمد:
إنّ كلمة)الحمد لله(هي الشعور الذي يجيش في قلب كل مؤمن على النعم التيأنعم الله بها على عباده , والتي لا يحصيها عدد. ومعنى قوله تعالى: ( الحمد لله ) أي: قولوا الحمد لله , ومن هنا يجب تربية المؤمن على أن يشكر الله في كل لحظة و فيكل حركة و في كل كلمة وأمام كل نعمة من نعم الله عليه , ابتداء فيما خلق الله له منعينين وأذنين ولسان وشفتين , وانتهاء بما سخر الله له من هذا الكون الفسيح الذي يعجبالنعم , ومرورا بطعامه وشرابه ونومه واستيقاظه , ففي صحيح مسلم أنّ رسول الله قال: (( إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمدهعليها )) ( مسلم ).
والحمد لله هي كلمة كل شاكر , و إنّ آدمuقال حين عطس: الحمد لله , وقال الله لنوحu)فَقُلِالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( (المؤمنون: من الآية28), وقال إبراهيمu)الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ( (إبراهيم: من الآية39), وقال في قصة داود و سليمان)وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَاعَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ( (النمل: من الآية15), وقال لنبيه محمدr)وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْوَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَالذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً( (الإسراء:111)، وقال أهل الجنة)الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ( (فاطر: من الآية34)،)وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (يونس: من الآية10).
وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمرtأنّ رسول اللهrحدّثهم: (( أنّ عبدا من عبادالله قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك, فعضّلت بالملكين فلميدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء وقالا: يا ربنا، إنّ عبدك قد قال مقالة لاندري كيف نكتبها، قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبدُه ماذا قال عبدي , قالا: يا رب إنه قد قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك , فقالالله لهما: اكتباها كما قال عبدي, حتى يلقاني فأجزيه بها ))(ابن ماجة.
الحمد أعم من الشكر لأن الشكر لا يكون إلا جزاء على نعمه والحمد يكون جزاء كالشكر ويكون ثناء ابتداء كما أن الشكر قد يكون أعم من الحمد لأن الحمد باللسان والشكر باللسان والقلب والجوارح فإذا فهمت عموم الحمد علمت أن قولك الحمد لله يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والواحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى. فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات واتفق دون عدة عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أول كتابه وآخر دعوى أهل الجنة، الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التحدث بالنعم شكر، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام نعم دنيوية كالعافية والمال ونعم دينية كالعلم والتقوى ونعم أخروية وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير والناس في الشكر على مقامين منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم والشكر على ثلاث درجات فدرجات العوام الشكر على النعم ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم ،وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق ومن صفات الخلق فإن من أسماء الله الشاكر والشكور.[32]
ولعل ما في الحمد من تربية هو أنه لو لم يتعود الناس على الحمد والشكر ؛ لاستدعى ذلك أن ينكروا النعم.فمن شكر اعترف، ومن جحد أنكر.
* قاعدة الإعجاز التربوي في الإيمان بربوبية الله - جل جلاله- للعالمين:
كلمة الرب تطلق على المالك , وتطلق على المعبود , وتطلق على السيد , وتطلق على المربي . ولعل أهم ما في هذا المصطلح هو كونه مشتقا من التربية , فالربهو المصلح والمدبر والجابر والقائم , يقال لمن قام بإصلاح شيء: قد ربّه فهو له رابّ , ومنه سُمّّي الربانيون لقيامهم بالكتب, وفي صحيح مسلم ومسند أحمد:
(هل لك عليه من نعمة تربها) (مسلم وأحمد)، أي: تقوم بها وتصلحها , والرب: هو المربي , ومنه قولهم : ربّ ولده، أي : رباه.
إنّ معنى قوله تعالى (رب العالمين) هو أنّ الله متصرف لتربيةوإصلاح جميع الخلائق , وأنه لم يخلق هذا الكون ثم تركه هملا، بل يتصرف فيه بالإصلاحوالتربية والرعاية , وهذه التربية والرعاية قائمة في كل وقت وفي كل حين , وبذلكيطمئن الإنسان إلى رعاية الله الدائمة والتي لا تنقطع أبدا ولا تغيب.
ومن رعاية الله لهذه الأمة أنه اختار لهم محمداrفأدبه ورباه وجعله قدوة للمسلمين , فقال تعالى: )أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاتَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَفَحَدِّثْ( (الضحى : 6-11)، ورُوي عن رسول اللهrأنه قال: (( أدّّبني ربي فأحسنتأديبي)(القرطبي.
ومن رعاية الله لهذه الأمة إنزال القرآن الذي هو كلامه، فكاندستورا لرعاية الله للمسلمين الأوائل, ومنهجا تربويا لكل المسلمين من بعدهم.
إنّ كون كلمة الرب وهي اسم من أسماء الله تعالى مشتقة منالتربية ذو دلالة واضحة على أهمية هذا المنهج , أي: منهج التربية , فهو الطريق الذيسلكه الأنبياء مع الأمم التي أرسلوا إليها , وهو الطريق الذي يحتاجه المسلمون في كلزمان , وخاصة في هذا الزمان , فالإسلام لا يقوم بمجرد الدعوة إليه وإقبال الناس علىأساس من تلك الدعوة , لا يقوم الإسلام ما لم يتربّ الناس في مدرسة الإسلام , و ذلكبأن يعرفوا تعاليم الإسلام ويمارسوا هذه التعاليم , فالتربية تقوم على ركنينأساسيين هما: العلم والعمل , و ربط العلم بالعمل هو جوهر العملية التربوية وأساسها.[33]
* قاعدة الإعجاز التربوي في الإيمان بصفات الله - جل جلاله:
الرحمن والرحيم: صيغ مبالغة مشتقة من الرحمة,وصفة (الرحمن الرحيم) تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها، والله تعالى وحده المختص باجتماع هاتينالصفتين، كما إنه المختص وحده بصفة الرحمن.
وفي مجيء قوله تعالى (الرحمن الرحيم) بعد قوله تعالى (ربالعالمين) نلمح أمرين تربويين:
الأول) التأكيد على أنّ الصلة بين الخالق والمخلوق هي صلةالرحمة والرعاية , وهذه هي السمة البارزة في هذه الصلة , فالله تعالى لا يطاردعباده ولا يعاديهم ولا يدبّر لهم المكائد , وإنما هو ربٌ لهم، تعهدهم بالتربيةوالرعاية , وهو راحم لهم في الدنيا وفي الآخرة , قال عمرt : قدم على رسول اللهrبسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، تحلّب ثديها، حتىإذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها، فأرضعته , فقال رسول اللهr (( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟))، قالوا: لاوالله، قال: (( فالله أرحم بعباده من هذه بولدها ))(البخاري.
والثاني) إنّ وصف الله تعالى لنفسه بأنه ( رب العالمين)،أي: المالك المتصرف الذي بيده كل شيء، معناه: الترهيب , وإنّ وصف الله تعالى لنفسهبأنه ( الرحمن الرحيم) معناه: الترغيب , ومن هنا نجد أنّ النص القرآني قد قرن بينالترغيب والترهيب , فجمع بين صفة الرهبة من الله وصفة الرغبة في الله , ونقف هناعند أهم الوسائل التربوية في القرآن وهي: الترغيب، والترهيب، والجمع بينهما.
هذه الوسائل التربوية الثلاثة نجدها في القرآن وفي مواضع كثيرة،كما نجدها في سنة رسول اللهrوما نقل عنه منأحاديث , ومع أنّ وسائل القرآن في التربية متعددة و كثيرة، إلا أنّ هذه الوسائلالثلاثة لها مرتبة الصدارة بالنسبة لبقية الوسائل.
ومن الأمثلة على الوسيلة الأولى وهي الترغيب قوله تعالى مخاطباالمؤمنين: )وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُعَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِوَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( (التوبة:105).
ومن الأمثلة على الوسيلة الثانية وهي الترهيب قوله تعالى مخاطباالناس: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُواوَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِأَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْيُنْظَرُونَ( (البقرة:161162).
ومن الأمثلة على القرن بين الترغيب والترهيب قوله تعالى: )نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُالرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ( (الحجر: 49-50)، وكذلك قوله تعالى: )غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِالْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ( (غافر: منالآية3)،وقول رسول اللهr : (( لو يعلم المؤمنما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد, ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمةما قنط من جنته أحد)) ( مسلم.
* قاعدة الإعجاز التربوي في الإيمان بيوم الحساب:
يوم الدين: هو يوم الحساب والجزاء والعقاب في الآخرة , ولا يكونالمؤمن بالله مؤمنا حقيقة ما لم يؤمن بيوم الدين , ولهذا الإيمان بيوم الدين آثارهالتربوية في شخصية الإنسان، وهذه الآثار هي:
أولا) إنّ الإيمان باليوم الآخر وما فيه من العدالةالإلهية المطلقة، يبعث في نفس الإنسان الثقة والطمأنينة بأنّ عمله لن يذهب سدى , وبأنّ جهده لن يكون هباء , وبأنه ما لم يكافأ على عمله في الدنيا فإنّ المكافأةقائمة يوم القيامة , وهذا ما يدفع الإنسان إلى العمل الصالح والعمل بطاعة اللهواجتناب ما نهى الله عنه، بكل جهده من غير إهمال ولا تقصير.
ثانيا) تعليق أنظار الناس وقلوبهم بيوم الدين، يدفع الناسإلى التضحية بكل ما يملكون وبأعز ما يملكون لإقامة الحق والعدل , وللاستقامة علىالمنهاج الصحيح، لأنّ كل ذلك سيكون أمامهم يوم القيامة.
ثالثا) لا تستقيم الحياة البشرية ولا تقوم حياة تليقبالإنسان وتحقق له السعادة ما لم يكن هناك إيمان باليوم الآخر.
رابعا) إنّ الإيمان باليوم الآخر يحقق إنسانية الإنسان،ويجعله مستعليا على الرغبات والأهواء والشهوات , وما لم يكن هناك إيمان باليومالآخر فلن يترفع الإنسان عن الانغماس في الحالة البهيمية المتمثلة بالاستجابةللأهواء والشهوات.
خامسا) الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالخلودوالاستمرار في الحياة , وفي ذلك استجابة لحالة فطرية بداخل الإنسان وهي غريزة حبالبقاء , التي يشعر بها كل إنسان , وهذا يجعل الإنسان مطمئنا إلى أنّ الحياة الدنياالمحدودة ما هي إلا مقدمة للحياة الحقيقية التي لا تنقطع يوم القيامة.
سادسا) الإيمان بيوم الدين هو مفرق الطريق بين صنفين منالناس: المؤمنون به والجاحدون له , وهما صنفان لا يستويان لا في خُلق ولا في شعور, ولا في سلوك ولا في عمل.
وهذه الآية: تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها ، كلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة . . وكثيراً ما اعتقد الناس بألوهية الله ، وخلقه للكون أول مرة؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله } ثم يحكي عنهم في موضع آخر : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون : هذا شيء عجيب . أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد } والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود، وفي مجال الأرض المحصور.
وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر. وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير. وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها ، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها . .
وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل . فهما صنفان مختلفان من الخلق . وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء . . وهذا هو مفرق الطريق . .[34]
* قاعدة الإعجاز التربوي في عبادة الله والاستعانة به وحده:
المعنى العام للعبادة هو الطاعة والاتباع , أي: إن كل عمل يقوم بهالمسلم هو عبادة إذا اقترن هذا العمل بالنية ما لم يكن هذا العمل معصية , وهذا هوالمفهوم الأوسع للعبادة والطاعة , أما إقامة الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاةوحج فهي معنى خاص للعبادة , حيث وردت كلمة عبادة في القرآن في مائتين وخمسة وسبعينموضعا (275) , من بين هذه المواضع مائتان وسبعة وثلاثون موضعا (237) كانت العبادةفيها بالمعنى العام وهو الطاعة والاتباع , وثمانية وثلاثون موضعا (38) كانت العبادةفيها بالمعنى الخاص وهو إقامة الشعائر التعبدية.
والسؤال: ما هي الآثار التربوية للعبادة في شخصية الإنسان؟.
والجواب:
العبودية لله وحده تعني التحرر المطلق منكل عبودية لغير الله , وعلى هذا لا يكون الإنسان حرا ما لم يكن عبدا لله وحده، حيثيتحرر من عبودية الأوهام والخرافات , ويتحرر من عبودية النظم والأوضاع , وفي ظلالعبودية لله وحده يولد الإنسان من جديد.
مقام العبودية مقام عظيم يشرف به الإنسان , والانتساب إلى الله لا يليق إلا بالأحرار من الناس , وقد سمّى الله رسولهrعبده) في أشرف مقاماته , فقال تعالى: )الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِالْكِتَابَ( (الكهف:1)،وقال تعالى: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىبِعَبْدِهِ لَيْلاً( (الإسراء:1) , فسماه عبداعندما أنزل عليه الكتاب , وسماه عبدا عندما أسرى به , وسماه عبدا عند قيامهبالدعوة، فقال تعالى: )وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَعَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا( (الجن:19).
وقد أرشد الله رسولهrإلىالقيام بالعبادة في الوقت الذي ضاق صدره من تكذيب المخالفين له، فقال تعالى: )وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَايَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( (الحجر: 97-99).
العبادة بمعناها العام تشمل الحياة، وهذايعني أنّ الصلة بين الإنسان وبين الله هي صلة دائمة من خلال العبادة , وهذه الصلةتدفع القلب البشري إلى الرجوع إلى الله في كل لحظة , وإلى استشارة تعاليمه في كلأمر , وهذه الصلة الدائمة بين الإنسان وبين الله هي أساس التربيةالإسلامية.
العبادة تحمل صاحبها على الاستمرار فيمراقبة الله واستشعار عظمته في كل عمل , وهذه المراقبة تدفع الإنسان إلى العملالدائم والمستمر , وإلى إتقان العمل للفوز بمرضاة الله.
العبادة تنشئ الإنسان المستقيم بتطبيقهلتعاليم الله , والمتوازن الذي يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته , والذي يلبي حاجاتهالجسدية كما يلبي حاجاته الروحية.
العبادة تربط القلب البشري بالله , وهذا هومفرق الطريق بين المنهج التربوي الإسلامي وبين غيره من المناهج التربوية البشرية , التي تربط القلب البشري ببقعة من الأرض أو بفرد معين من الناس أو بأسطورة منالأساطير , وهذا الرابط يصبغ عمل الإنسان وفكره وشعوره بصبغةمعينة. ومن هنا يتبين نموذج من الإعجاز التربوي للقرآن الكريم كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله.
العبادة تربي الإنسان على القوة، وعلىمقاومة الضعف البشري المتمثل بالأهواء البشرية التي خلقها الله في الإنسان , قالتعالى: )وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً( (النساء: من الآية28), فالعبادة تعطي الإنسان قوةالضبط والاعتدال في مواجهة ما يجول بداخله من الأهواء والشهوات , إنها قوة التساميعلى هذه الأهواء.
العبادة تزكي النفس البشرية وتطهرهاوتشذبها , وما لم يحصل ذلك فإنّ الهدف من العبادة لم يتحقق , فإذا زكت النفس وسمتوتطهرت فاضت بالخير والبذل والتضحية على من حولها،وهذا هو الأثر الاجتماعيللعبادة.
تصدر العبادة عن العقيدة , وهي دليل علىصدق الإيمان بهذه العقيدة , ومن ثم فالعبادة هي الجانب العملي للعقيدة , والعبادةبدورها تثبت العقيدة وتقويها وتوطد أسسها.
ومن أخطر ما ابتليت به الأمة المسلمة ذلكالفصل بين العقيدة والعبادة , وكذلك الفصل بين العبادة وآثارها التربويةوالاجتماعية، حيث تحولت العبادة إلى مجرد تجارة يكون هم العابد فيها الحصول علىالحسنات، دون تطبيق للمضامين التربوية والاجتماعية لهذه العبادة.[35]
ويرى الباحث أن في هذا القول نظر من بعض النواحي، وهو جواز استخدام مصطلح التجارة بين العبد وربه، ولكن في حدود الأدب المطلق مع الله تعالى. فالتجارة قد ذكرت في قوله تعالى: ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم...). ومعنى ذلك هناك تجارة مع الله ولكنها تجارة مؤدبة لا يغلب عليها الطمع دون الخشية، أو دون محبة الله لذاته.( يحبهم ويحبونه...).
إنّ معنى قوله تعالى: )إياك نعبد وإياك نستعين(هو لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك , )إياك نعبد(تبرؤمن الشرك , )وإياك نستعين(تبرؤ من الحول والقوة, والتفويض إلى الله تعالى, وهذا المعنى موجود في أكثر من آية من آيات القرآن، كقوله تعالى: )فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ( (هود: من الآية123)، وقوله تعالى: )قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِتَوَكَّلْنَا( (الملك: من الآية29)، وقولهتعالى: )رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاإِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً( (المزمل:9).
فالعبادة غاية والاستعانة وسيلة , والوسائل لها حكم المقاصد فيالإسلام , والغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام.
وذكر الألوسي رحمه الله: سر قوله { نَعْبُدُ } دون أعبد فقد قيل هو الإشارة إلى حال العبد كأنه يقول إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها لأنها ممزوجة بالتقصير ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريق الصفقة وقيل النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع في الكذب فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياتاً ولا موتاً ولا نشوراً ويا ليت الفحل يهضم نفسه فكيف يقول أحدنا إياك أعبد وإياك أستعين بالافراد ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء والمقربين وقيل لو قال إياك أعبد لكان ذلك بمعنى أنا العابد ولما قال { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } كان المعنى أني واحد من عبيدك وفرق بين الأمرين كما يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام : { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } [ الصافات : 2 10 ] وقوله تعالى : حكاية عن موسى { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا } [ الكهف : 69 ] فصبر الذبيح لتواضعه بعدِّ نفسه واحداً من جمع ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه مع أن كلاً منهما عليهما السلام قال { إِن شَاء الله } وقيل الضمير في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة وقيل هو من باب : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ» على ما ذكره الغزالي قدس سره.[36]
وذكر رحمه الله أيضا: سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه:
الأول: أن العبادة أمانة كما قال تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الامانة عَلَى * السموات والارض *والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان } [ الأحزاب : 2 7 ] فاهتم للأداء فقدم.
الثاني: أنه لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما صدر عنه فعقبه بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ليدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفيق وإذن منه سبحانه.
الثالث: أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى الله تعالى والاستعانة ليست كذلك فالأول أهم.
الرابع: أنها وسيلة فتقدم على طلب الحاجة لأنه أدعى للإجابة .
الخامس : أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة ، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه.
السادس : أن العبادة واجبة حتماً لا مناص للعبادة عن الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم . السابع : أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية.
الثامن : أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة والخلوص من الشرك والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ.
التاسع : أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رءوس الآي.
العاشر : أن أحدهما إذا كان مرتبطاً بالآخر لم يختلف التقديم والتأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي وأحسنت إلي فقضيت حقي.
الحادي عشر : أن مقام السالكين ينتهي عند قوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وبعده يطلب التمكين وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب؛ فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة وألطافه غير متناهية؛ فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى { رَبّ العالمين } فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقراً إلى المبقى، محتاجاً إلى التربية؛ فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار ( لعله الإدبار بمعنى الإعراض حيث يتفق المعنى )وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم؛ فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 6 1 ] أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وهنا انتهاء مقام السالك/ ألا ترى إلى سيد الخلق وحبيب الحق محمد rكيف عبر عن مقامه هذا بقوله : { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [ الإسراء : 1 ] فطلب التمكين بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدنا الصراط المستقيم } ... فصعد مستكملاً ورجع مكملاً وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين.[37]
* قاعدة الإعجاز التربوي في الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم:
معنى هذه الآيات: وفقنا يا الله إلى الطريق المستقيم , طريق الذيأنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وهو غير طريق المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وحادوا عنه , وغير طريق الضالين الذين لم يعرفوا الحق فهمهائمون في الضلالة.
ولنا مع الدعاء الوقفات التربوية التالية:
هذا الدعاء)اهدنا الصراط المستقيم(هو أول مظاهر العبودية نزولا , إذ: إنّ سورة الفاتحةهي ثالث سور القرآن نزولا , ولم ينزل قبلها إلا أوائل سورة العلق وأوائل سورةالمدثر. كما إنّ قوله تعالى: )اهدنا الصراطالمستقيم(جاء مباشرة بعد قوله تعالى: )إياك نعبد وإياك نستعين(ليكون الدعاء هو الترجمة العملية الأولى للعبادة . كما إنّ الدعاء بالتوفيق والتثبيت على طريق الإيمان والإسلام كأول دعاء في الإسلامله دلالة على أهمية هذا الدعاء دون غيره من الأدعية , وعلى أنّ حاجة المؤمن إلىالله حاجة مستمرة كي يثبته على إيمانه.
الدعاء يعني الحاجة إلى الله ومن ثم اللجوءإليه , والناس محتاجون إلى الله لقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَالْغَنِيُّ الْحَمِيدُ( (فاطر:15)، والمؤمن يلجأإلى الله دائما وفي كل حين وعلى كل حال , وغير المؤمن يلجأ إلى الله مضطرا ومن ثميعرض بعد أن ينجو من ضُر مسّه , قال تعالى: )وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْقَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىضُرٍّ مَسَّهُ( (يونس: من الآية12)، وقالتعالى: )وَإِذَا مَسَّكُمُالضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْإِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً( ( الإسراء:67).
الدعاء هو العبادة كما قال رسول اللهr , وهو تعبير عن العبودية وترجمة عملية للإيمان , فالمؤمن حينما يلجأ إلى الله بالدعاء فهو يعبر عن عبوديته لله , ومن هنا فالدعاء فيالإسلام واجب لقوله تعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِيسَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ( (غافر:60)،ولقوله تعالى: )وَإِذَا سَأَلَكَعِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ( (البقرة:186).
والدعاء سبيل إلى القوة الحقيقية , لأنالمؤمن يدعو الله جل جلاله ليكون له سندا ومعينا وحافظا , ومن كان الله له سنداومعينا وحافظا فهو حسبه وهو كافيه , ومن هنا نجد أنّ المؤمن لا يقف وحده , ولا يحسبالضياع والقلق والاضطراب والفراغ كما هو الحال في المجتمعات الملحدة , التي وكلهاالله إلى نفسها , فكثرت فيها الأمراض النفسية والعقلية وتفشى فيها الانتحار خروجامن اليأس والقنوط والفراغ الروحي , ولذلك كان من دعاء المسلمين (( اللهم لا تكلناإلى أنفسنا طرفة عين )).
وفي الدعاء تذكير للنفس بحاجتها إلى اللهوفقرها إليه , ومن ثم كانت حياة رسول اللهrكلها دعاء , الدعاء في كل حركة والدعاء في كل عمل , وقد أحصت كتب الأذكار أدعيةرسول اللهr , ومن راجعها وجدها شاملة لأعمالاليوم والليلة.
وفي الدعاء ضمان للنفس من الغفلة والنسيان والطغيان والاعتداء،ففيغفلة للنفس عن حقيقة عبوديتها لله قد تقدم على الطغيان والتجاوز.
وبناء على ما تقدم من الكلام نقول : ليسالدعاء مجرد كلمات ومراسم وطقوس يؤديها المؤمن , بل يجب عليه استحضار القلب أثناءالدعاء , ولابد له من التفكر في كل كلمة يقولها , وفي كل جملة يلفظها , لابد له مناستحضار القلب والتنبه واليقظة أثناء الدعاء , حتى يكون للدعاء ذلك الأثر التربويالمنشود في شخصية المسلم , وفي سلوكه وحركته وأقواله وأفعاله , وفي هذه الحالة فقطيمكننا أن نربي المسلمين بالدعاء.[38]
* قاعدة الإعجاز التربوي في تكرار سورة الفاتحة في الصلاة:
يكرر المسلم هذه السورة سبع عشرة مرة في اليوم الواحد إذا هو صلىالفرائض فقط، لقول رسول اللهr (( لا صلاة لمنلم يقرأ بفاتحة الكتاب )) ( البخاري ومسلم), وضعف ذلك إذا هو صلى السنن , وأضعافذلك إذا هو أراد أن يتنفّل في صلاته , فما هي الحكمة التربوية لظاهرة التكرار؟.
التكرار وسيلة تعليمية وتربوية في نفس الوقت , لأنّ الغايةالأساسية من التعليم في الإسلام هي التربية , ولا فائدة من علم ليس له انعكاس فيسلوك الإنسان وشخصيته , وعندما يوجب الإسلام على أتباعه تكرار نصوص معينة في كل يومفمراده من ذلك أن تترسخ مفاهيم هذه النصوص في عقولهم وقلوبهم , وأن تنعكس هذهالمفاهيم في سلوكهم وحركاتهم وأفعالهم , ومن خلال التكرار يحصل التنبه واليقظة إلىحقائق النصوص المكررة وأهدافها وغاياتها , وبالتالي تتمثل هذه الحقائق في شخصيتهتمثلا دائما ومستمرا.[39]
ويذكر صاحب ظلال القرآن أن: "الهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين . . وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين .
ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم : { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } . . فهو طريق الذين قسم لهم نعمته . لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه . أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه . . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين . .
وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة ، والتي لا تصح بدونها صلاة . وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور .
وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه ، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . . إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين . قال الله : حمدني عبدي . وإذا قال الرحمن الرحيم . قال الله أثنى عليّ عبدي . فإذا قال : مالك يوم الدين . قال الله : مجدني عبدي . وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين . قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » .
ولعل هذا الحديث الصحيح - بعدما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة؛ أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة . ."[40]

***








خاتمة ونتائج

من خلال البحث السابق تبين مدى عظمة هذه السورة، والسر العميق في جعلها فرضا في كل ركعة من ركعات الصلوات التي يقيمها المسلم، وهذا السر العميق يحتوي على الإعجاز التربوي لكليات القواعد التربوية، وهي كالعناوين التربوية لما فصله القرآن الكريم في طيات سوره الأربع عشرة، ويمكن أن نجمل نتائج البحث فيما يلي:
1- تحقق لنا من خلال البحث وجه من وجوه الإعجاز التربوي ربما كان منسيا وهو الإعجاز التربوي.
2- السر العميق في تكرار الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلوات.
3- توصلنا إلى أن الفاتحة تحتوي على الكليات التربوية العامة التي ذكرها القرآن الكريم في طيات سوره الكريمة.
4- باعتبار أن أقل إعجاز للقرآن الكريم يكمن في ثلاث آيات، أو ما يعادلها بالقياس إلى أصغر سورة منه وهي الكوثر:اعتبارا من ذلك تعتبر سورة الفاتحة معجزة في كل شيء، ومن ذلك الإعجاز التربوي.
5- ذكرنا عدة كليات لقواعد التربية في سورة الفاتحة، وربما يفتح الله على غيرنا بكليات أخرى.
6- القرآن معجزة متجددة مع تجدد المكان والزمان، وهذا سر خلوده دون تبديل أو تغيير.
7- تبين من خلال البحث أن أوجه إعجاز القرآن لا يمكن للبشر أو أي مخلوق حصرها،وستظل متجددة ما بقي الليل والنهار.
8- وختاما تبين للباحث أن دراسة القرآن الكريم بتوسع لا يمكن للإمكانات الفردية أن تعطيها حقها إلا بالتعاون الجماعي أو بتوفيق من الله لأحد عباده.
9- القرآن الكريم مؤسسة تربوية معجزة ليس للبشر سبيل لتربية أبنائهم التربية الصحيحة إلا باتباعها، وينبغي على الأمة المسلمة أن تعود إلى نبعها إذا أرادت سعادة الدارين.
10-وأخيرا يجب أن نفهم التربية من القرآن الكريم أو السنة المطهرة فهما صحيحا يتوافق مع الأصول التي تتوافق مع منهج القرآن الكريم، في الدعوة والتربية. والله أعلم

***



المراجع


مرتبة حسب تسلسلها في البحث

1- مجمع اللغة العربية - المعجم الوجيز –. ط: خاصة بوزارة التربية والتعليم- جمهورية مصر العربية. 2003 م .
2- الطاهر أحمد الزاوي- مختار القاموس- الدار العربية للكتاب-ط 1984م.
3- أحمد على الفنيش- أصول التربية- الدار العربية للكتاب- ليبيا- تونس ط: جديدة1985م.
4- أحمد محمد الطبيب- أصول التربية الحديثة للسنة الثانية بثانوية العلوم الاجتماعية- المركز الوطني لتخطيط التعلم- ط2006-07م.
5- الموسوعة العربية العالمية. الإصدار الإلكتروني الأول.جهة النشر: أعمال الموسوعة (1425ه، 2004م).
6- أحد أعضاء منتديات السبورة- التربية الإسلامية- متاح على الموقع بتاريخ: 30-12-2007م: http://www.almualem.net/saboora/forumdisplay.php?f=8 .
7- الحارث بن أسامة: المكتبة الشاملة- كتاب بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: للحافظ الجليل نور الدين على بن أبى بكر الهيثمى المتوفى سنة 807 ه. حققه وعلق عليه مسعد عبد الحميد محمد السعدني. دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير.
8- محمد عمر حويه- نزول القرآن الكريم وتاريخه وما يتعلق به- المكتبة الشاملة - إلكترونية.
9- أمير عبد العزيز- إعجاز القرآن- جامعة النجاح الوطنية- نابلس – فلسطسن. ط 1 – 2007م.
10- مالك بن أنس- الموطأ-.عن المكتبة الشاملة.
11- البخاري- الصحيح-. عن المكتبة الشاملة.
12- وهبة الزحيلي- التفسير المنير- دار الفكر- دمشق –سورية ط1 –ج 1.
13- محمد على الصابوني- صفوة التفاسير- دار الفكر – بيروت لبنان- ط 2001.
14- أبو بكر جابر الجزائري- أيسر التفاسير- الناشر المكتبة الشاملة ( إلكترونية).
15- منتديات طلبة الكلية التقنية العليا- من أسرار ترتيب القرآن- متاح بتاريخ : 15-12-2007م على الموقع: http://hct-muscat.net/hct/index.php .
16- محمد بن جزي الكلبي- التسهيل لعلوم التنزيل- دار الكتاب العربي- بيروت- ط: 1983م.
17- محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم- متاح بتاريخ 25-12-2007م على الموقع: http://www.dkamalm.com .
18- سيد قطب- في ظلال القرآن- الناشر المكتبة الشاملة.
19- شهاب الدين محمود الألوسي- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني- تفسير سورة الفاتحة- الناشر المكتبة الشاملة.إلكترونية.



ا5-لإعجاز التربوي في سورة يوسف

الباحث ياسر محمود الأقرع


تمثل قضيَّة التربية في قصَّة سيدنا يوسف عليه السلام مرتكزاً أساسياً من المرتكزات الأخلاقية التي تقوم عليها أحداث القصة، وتدعو إليها مواقفها المختلفة. وذلك عبر اللفتة الموحية والإشارة الدالة التي حملتها كلمة(رَبّ) في البناء اللغوي البياني المعجز في السورة.
واسم (الربّ) يطلق في اللغة على المالك، و السيّد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم. (انظر: لسان العرب/م1/ص399). من هنا فإن أول ما تحمله سورة الفاتحة بعد البسملة قوله تعالى: " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ذلك أن الحمد كله لله المنعم المتفضل الذي لولا إنعامه على خلقه لما كان لهم وجود ولا بقاء.
ولا يطلق اسم (الرب) غير مضاف إلا على الله سبحانه وتعالى (ولم يرد على هذا النحو في القرآن الكريم). أما إذا أضيف فقد يُقصد به الله سبحانه وتعالى، مثل (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة /286/، وقوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: 5]. وقد يُقصد به بعض خلقه كقولنا: (ربّ المنزل، ربّ العمل).
تحمل كلمة الرب إذاً المعاني التي تقوم عليها عملية التربية من الرعاية والاهتمام والتدبير وغير ذلك. من هنا، من هذه الكلمة (الرب) ينطلق البحث في قضية التربية في قصة يوسف (عليه السلام).
عرضت لنا القصة ثلاث مراحل في حياة سيدنا يوسف:
مرحلة الطفولة: من ذكر الرؤيا حتى وصوله إلى بيت عزيز مصر.
مرحلة الشباب: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ).
مرحلة الرجولة والنضج: (يقول المؤرخون إن بين رؤياه واجتماعه بأبيه و إخوته في مصر أربعون سنة).
فكيف نتلمّس دور المربي (الله سبحانه وتعالى) في حياة يوسف عليه السلام عبر أطوارها المتتالية، وظروفها المختلفة...؟
أول ما يطالعنا من قصة يوسف عليه السلام ذكر سيدنا يوسف رؤياه لأبيه، وهو في مرحلة مبكرة من العمر (12 سنة حسب أرجح الأقوال)، ويدرك أبوه يعقوب عليه السلام أن ما رآه ابنه في رؤياه إنما هو من دلائل النبوة، فيبشّره: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
ثمة أمور ثلاثة يأتي ذكرها في الآية حكاية عن سيدنا يعقوب (عليه السلام):

1-الاجتباء و التربية:

يجتبيك ربك: أي يختارك ويصطفيك لمهمة سيوكلها إليك. وهذه المهمة تحتاج إلى تهيئة وتدريب و استعداد، وأنت ما تزال طفلاً صغيراً. ولكن الذي يختارك ويجتبيك هو (ربّك) أي هو القائم على شؤونك، ورعايتك، وتدريبك.
وقد خصّه سيدنا يعقوب بكاف الخطاب في قوله (ربك) إشعاراً له بخصوصية العلاقة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وإيناساً له وهو في هذه السن المبكرة.

2- التعليم:

بعد مرحلة الاجتباء والاختيار، تأتي مسألة التهيئة (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). وتأويل الرؤيا وتعبيرها معجزة أيدّه الله بها، لتكون عوناً له في المهمة الموكلة إليه.

3- النبوة:

(و َيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)وهذه الواو تعني اجتماع هذه الأمور لسيدنا يوسف فالاختيار ثم تعليمه تأويل الرؤيا وحدهما لا يعنيان إتمام النعمة. ونفهم من قوله تعالى (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ ) أن إتمام النعمة هو النبوة وحمل الرسالة، وهذه هي المهمة التي يعدّك الله للقيام بها بعد اختيارك وتأييدك بعلم تأويل الرؤيا. وتختتم الآية بقوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
فكلمة (عليم) ترجع إلى قوله تعالى (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، وكلمة (حكيم) تعود إلى الاجتباء والاختيار، أي أن هذا الاختيار جاء لحكمة يعلمها الله ف (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
إذاً في هذه السن المبكرة يختار الله تعالى سيدنا يوسف ليقوم بتبليغ رسالته، وهذه مهمة عظيمة تحتاج إلى تهيئة واستعداد، وقد تكفّل الله (ربّه) بتربيته وتهيئته ورعايته حتى يتم المهمة الموكلة إليه على الوجه الذي يرضي ربه. فكيف تجلت مظاهر التربية في مراحل حياة سيدنا يوسف عليه السلام.؟

مظاهر التربية في حياة يوسف عليه السلام

حادثة إلقائه في الجب

يعيش يوسف عليه السلام المحنة الأولى في حياته في مرحلة الطفولة حين يكيد له إخوته ويقرروا أن يلقوه في ظلمة بئر ليلتقطه بعض السيارة، ويحملوه بعيداً، فيخلو لهم وجه أبيهم. (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)، إنه الآن في ذروة الأزمة، وفي أشدّ أوقات المحنة والكرب، وهو ما يزال طفلاً صغيراً. هنا يأتي دور المربي في بث الطمأنينة في نفسه (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
إن سيدنا يوسف وهو في هذه السن المبكرة و في ظرف كهذا بحاجة إلى من يهدئ نفسه ويشعره بالأمان، غير أنه على حداثة سنه يفتقر إلى الدليل الموصل إلى هذه الغاية، فكان أن طمأنه (ربّه) بأن لا تخف ولا تحزن فإنك ناج مما أنت فيه ومخبرهم بما يدبرونه من المكر والأذى... ولنا أن نتصور مشاعر هذا الطفل وقد طمأنه ربّه وآنسه ووعده بالنجاة والسلامة.
حادثة بيعه عبداً
ينجي الله سيدنا يوسف من محنته الأولى ويُحمل إلى مصر ليباع وهو الحرّ عبداً بثمن قليل. ويشتريه العزيز ثم يطلب من امرأته أن تهتم بهذا الغلام وتكرم مثواه، ويأتي قوله تعالى(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) إن (ربه) الذي تولّى رعايته وتربيته سيجعل من محنته هذه إذاً سبباً من أسباب رفعة شأنه وعلوّ منزلته كيف لا والله هو (ربّه) !

أمره مع امرأة العزيز

يوسف عليه السلام ما يزال حتى هذا الوقت في مرحلة الاختيار والاجتباء بما تتطلبه هذه المرحلة من الرعاية والتربية، والحفظ والإعداد. ويأتي قوله تعالى (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) وهذه المرحلة سيشهدها سيدنا يوسف في مصر بعد أن جعل الله من مصر مكاناً لاستقراره وعيشه في عزّ وأمان (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)
بعد أن حفظ الله تعالى سيدنا يوسف في طفولته ونجاه من محنتين عظيمتين، تأتي مرحلة الشباب (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وفي هذه المرحلة سيتعلم سيدنا يوسف درساً اسمه (الاعتماد على الله).
وتراوده امرأة العزيز عن نفسه، وهو في مرحلة الشباب والقوة، ولمّا أن هيأت للأمر أسبابه ودعته إلى ارتكاب الفاحشة، استعاذ سيدنا يوسف بالله مما تدعوه إليه، وذكّرها بفضل العزيز عليه قائلاً (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إشارة إلى ما أوصى به العزيز امرأته عندما اشترى يوسف عبداً (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه).
ولمّا لم يردع امرأة العزيز تذكيرها بزوجها وبفضله عليه ورعايته له، ولما لم يكن ذلك سبباً في منعها من إنفاذ ما فكّرت بارتكابه، اشتدت المحنة على سيدنا يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وعلى اختلاف الآراء في ماهية البرهان الذي رآه سيدنا يوسف إلا أنّ (ربّه) الذي يتولى العناية به، ويتكفل برعايته، يقوم بحفظه في هذه المحنة ويصرف عنه السوء والفحشاء.
وتأتي كلمة (ربّه) في الآية لتذكرنا بأن الله تعالى القائم على أموره هو الذي أنجاه من منطلق (التربية) من هذه المحنة، ذلك أن المربي لا يرضى لمربوبه الوقوع في الخطيئة.
وعلى الرغم من أن سيدنا يوسف استعاذ بالله مما تدعوه إليه امرأة العزيز، إلا أنه خاطبها بحجة من واقع الحال الذي تفهمه وتدركه، لعل ذلك يكون أدعى إلى إقناعها بالعدول عما عزمت عليه.
لكن امرأة العزيز لم تزدد أمام موقفه إلا إصراراً. فعلى الرغم من اكتشاف زوجها أمر مراودتها يوسف عن نفسه، ها هي تخاطب النسوة اللواتي كن يلمنها على فعلتها (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ).
لقد تعلم سيدنا يوسف من المحن السابقة درس (الاعتماد على الله) فربّه هو الذي حفظه في مرحلة الطفولة وذلك دون طلب منه إذ كان ما يزال صغيراً، لا يدرك أمور الحياة أو يتفهم طبائع الأحداث.
وكذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، قام مربيه (ربه) بدوره في التربية وأراه البرهان ليحفظه ويصرف عنه السوء والفحشاء....
لذلك لما أدرك سيدنا يوسف أن إقناع امرأة العزيز بعدم ارتكاب الفاحشة أمر لم يعد ممكناً التجأ إلى ربه التجاءً واضحاً مباشراً طالباً العون منه سبحانه وتعالى (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)
تلك كانت مرحلة الاجتباء والتربية التي أشار إليهما الله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، ف(يجتبيك = الاختيار) و (ربّك = التربية والرعاية).

تأويل الرؤيا والدعوة إلى الله تعالى

مرحلة التعليم كانت في مصر كما أخبرنا الله تعالى بقوله: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).
ولأن تأويل الرؤيا كان المعجزة التي أيد الله بها سيدنا يوسف للدلالة على صدق نبوته، فقد اقترن وجودها في القصة بدعوة يوسف عليه السلام إلى عبادة الله وتوحيده.
في السجن يبدأ سيدنا يوسف بالدعوة إلى الله، مستفيداً من حاجة الفتيين إلى تأويل رؤياهما وقد طلبا منه ذلك، وقبل أن يؤوّل لهما رؤياهما، يؤكد لهما قدرته على معرفة بعض المغيبات (قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا) لكنه سرعان ما يضيف (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) أي هذا بعض ما خصّني به الله الذي اختارني وحفظني ورعاني وربّاني وأعدّني لتبليغ رسالته.
إذاً إن أول ما يظهر من دلائل العلم الذي وهبه الله لسيدنا يوسف ما كان من أمر الرؤيا التي رآها كل من الرجلين اللذين دخلا معه السجن وهذا ما كان بشره به سيدنا يعقوب (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)،وما ذكره الله لنا بقوله (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).
ونلاحظ هنا استخدام سيدنا يوسف كلمة (ربّي) في قوله (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)، وذلك تأكيداً منه على أنّ ما به من فضل، وما لديه من علم، ما كان ليكون لولا أن الله الذي ربّاه وحفظه قد وهبه هذا العلم. ثم يبدأ في السجن دعوته إلى الله، ولنقرأ فيما قاله أثناء ذلك العبارات التالية:
(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).
(مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِمِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِعَلَيْنَا).
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُالْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
(مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُبِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّلِلّهِ)
نلاحظ أن سيدنا يوسف يستخدم في دعوته لفظ الجلالة (الله)، دون كلمة (رب)، ذلك أن اسم (الله) جامع لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ففيه صفات العظمة والجلال وصفات الفعل والقدرة والقوة وصفات العدل و الإحسان والجود وصفات الإعزاز والإذلال والقهر.. وغير ذلك من صفاته تعالى.
وهذا توازن في الدعوة إلى الله التي يفترض فيها أن تجمع بين الترغيب و الترهيب. وكلمة (الربّ) تحمل معاني التربية والرعاية والقوامة وهذه كلها تندرج في أبواب الرحمة، أي الترغيب.
بعد أن دعا سيّدنا يوسف الفتيين إلى عبادة الله وتوحيده عاد إلى ما سألاه عنهمن تأويل الرؤيا. ولما انتهى من تأويل رؤياهما (قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) أي عند سيدك. لكن الساقي نسي ذكر يوسف لدى سيّده (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
وسبب بقائه في السجن حسب ما رأى المفسرون أنه التمس النجاة من محنته هذه في أن يذكره ساقي الملك عند سيّده، عله ينظر في أمره ويخرجه من السجن، ولم يسأل الله تعالى النجاة من هذه المحنة (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
ولعلنا نلاحظ هنا أن الله تعالى أراد أن يعلم سيدنا يوسف ألا يلتجئ في محنه إلا إلى ربه الذي حفظه ونجاه من محنه السابقة كلها، فأبقاه في السجن بضع سنين تعليماً وتأديباً، والتأديب جزء من التربية التي تلقاها يوسف عن ربه.
بعد أن لبث يوسف عليه السلام في سجنه تعليماً وتأديباً بضع سنين، يأتي سؤال الملك عمن يؤول رؤياه ليخرج الله سيدنا يوسف من السجن، وليظهر براءته في أمره مع امرأة العزيز والنسوة اللواتي قطعن أيديهن، وليجعله على خزائن الأرض.
وهكذا يهبه (ربه) بما علمه من تأويل الأحاديث مجداً وعزة، وقوة وسلطاناً، وهو الذي دخل مصر عبداً يباع بثمن زهيد.
لقاء يوسف (عليه السلام) بأبويه وإخوته:
تدور الأحداث ويلتقي سيدنا يوسف بأبويه وإخوته (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا) ويأتي اعتراف يوسف عليه السلام بفضل ربّه عليه، ورعايته له، وحفظه إياه، في مراحل حياته كلها ووقف أمام ما آلت إليه الأمور (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
ثم يتوجه إلى صاحب الفضل، إلى ربه، بالشكر والحمد والدعاء بأن يتوفاه مسلماً ويلحقه بالصالحين، فتأتي الآية الأخيرة في قصة سيدنا يوسف (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
إنه سيدنا يوسف الذي اجتباه الله سبحانه وتعالى، وعلمه، وأتم نعمته عليه، يقف أمام ربه خاشعاً، خاضعاً، متذللاً، يقر باستمرارية الحاجة إليه، وافتقاره إلى رحمته، وفي هذا عرفان بالجميل وإقرار بالفضل، لا يصدر إلا عمن أدَّبه الله تعالى فأحسن تأديبه.

6-
قيم تربوية من وصايا لقمان الحكيم »

إذا تمعنا في القرآن الكريم فإنه يتضمن نصوصاً قرآنية تتضمن مجموعة من الحوارات الراقية والهادفة بين الآباء والأولاد ، وبين الأولاد والآباء ، وتحمل هذه النصوص بين طياتها حكماًومواعظ عظيمة وأساليب توعوية وتربوية متوازنة في تربية الأبناء ، ولو أخذنا على سبيل المثال من هذه الحوارات القرآنية التربوية وبعض من هذه الوصايا : وصايا لقمان الحكيم لإبنه والتي تتضمن وسائل مؤثرة في تربية الأبناء .

وسأحاول أن اتطرق لهذه الوصايا بصورة موجزة جداً . يقول الله تعالى في محكم كتابهِ العزيز : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ* وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *وَوَصَّيْنَا الإنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْن وَفِصَلُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ* وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*يَبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل فَتَكُن فِي صَخْرَة أَوْ فِى السَّمَوَتِ أَو فِى الاَْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ *يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الاُْمُورِ* وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور* وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَْصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ* } إن الله تعالى بين لنا في الآيات السابقة إنه أعطى الحكمة للقمان ، ومن هنا فإن كل مايقوله في هذا الصدد فهو حكمة ولذلك فإننا نرى ان الله سبحانه قد حفظ لنا تلك الوصايا في القرآن الكريم وخلّدها لتكون عِبَر وحِكَم للعالمين .


وإن تطرقنا لتعريف الحكمة فهي العقل والفطنة والعلم في الإصابة في القول . والآن لو نظرنا إلى بعض الآيات التي فيها نُصح وإرشاد سنتمكن من تحصيل مجموعة من القيّم التربوية الهادفة التي نستطيع ان نكوّن منها منهجاً قويماً للتربية ، وفي قوله تعالى : { وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه } ، إن هذه الآية تدل على ضرورة ان يجلس الأب مع ابنه دائماً للوعظ والتوحية والتربية ، ذلك ان جملة " وهو يعظه " جملة إسمية تدل على الثبوت والدوام والاستقرار وهي جملة كانت حالية تدل على " لقمان " الوالد الصالح . ومن جانب آخر فإن الطريق إلى التربية يحتاج لوسائل ترغيب و تشويق والتذكير بالثواب والعقاب ، وهذه ليست مهمة سهلة بل هي مهمة شاقة وعظيمة أُوكلتْ للآباء.

ولو تأملنا قليلا في اسلوب لقمان حينما قال لابنه : " يابني " فإننا نرى انه استخدم اسلوباً محبباً للنفس ، واشعره بأنه يحبه وأنه لا ينصحه إلا من باب الخوف عليه وحرصه على مصلحته ، وهنا يجب ان ينتبه المربون لعدم إستخدام ألفاظ جارحة ، بل عليهم أن يتفننوا في استعمال الكلمات الجميلة الراقية الدالة على الإحترام والإشفاق والمحبة .

وكذلك نتعلم من الآيات الكريمة ضرورة الإتيان بالبدائل عند نهي الأولاد فبعدما نهى لقمان عن الخلق الذميم من التكبر أتى القرآن ورسم لنا لوحة من التواضع حتى قال : " واقصد في مشيك " بعدما قال : " ولا تمش في الأرضِ مرحاً " ، ومن فضل ديننا الإسلامي الحنيف أنه يضع البدائل دائما مقابل كفة النواهي .

بالإضافة لذلك فإنه يذكرنا بضرورة إصلاح الضمير من تلك الخواطر الواردة لأن الله خبيرٌ بكل مايجول في النفس وإن كان بقدر حبة الخردل ، فكل الجوارح يعلم عنها الله ، ويعلم حتى مايدور في جوف الأرض وفي السموات السبع .

فهو يأمل أن يكون ابنه كالجبل، و أن يعامل الناس بالحسنى!

فكانت اُولى مواعظ لقمان عن مسألة التوحيد ومحاربة الشرك، وثانيتها عن حساب الأعمال والمعاد، والتي تكمّل حلقة المبدأ والمعاد، فيقول: (يابنيّ إنّها إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله) أي في يوم القيامة ويضعها للحساب (إنّ الله لطيف خبير).

و«الخردل»: نبات له حبّات سوداء صغيرة جدّاً يضرب المثل بصغرها، وهذا التعبير إشارة إلى أنّ أعمال الخير والشرّ مهما كانت صغيرة لا قيمة لها، ومهما كانت خفيّة كخردلة في بطن صخرة في أعماق الأرض، أو في زاوية من السماء، فإنّ الله اللطيف الخبير المطّلع على كلّ الموجودات، صغيرها وكبيرها في جميع أنحاء العالم، سيحضرها للحساب والعقاب والثواب، ولا يضيّع شيء في هذا الحساب. وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام : " اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإن لها طالباً "

ولاننسى تذكيره لنا بضرورة خفض الصوت والتوسط في الأفعال والأقوال ، وشبه من يرفع صوته بصوت الحمير ، لأن الله كرّمنا عن الحيوانات ورفعنا شأنا عنهم ، ونصحنا بعدم التكبر فهذه الصفة الذميمة يمقتها الله والناس ، والمتكبر لا يتعلم ولا يهتدي .

وقالوا :
وكنا إذا الجبار صعّر خده أقمنا له من ميلهِ .. فتقوم والصعر في الأصل يصيبُ الإبل في رؤسها حتى يلف أعناقها ويلوي رؤوسها فيسقط بعد ذلك .

وبعد تحكيم اُسس المبدأ والمعاد، والتي هي أساس كلّ الإعتقادات الدينيّة، تطرّق لقمان إلى أهمّ الأعمال، أي مسألة الصلاة، فقال: (يابنيّ أقم الصلاة) لأنّ الصلاة أهمّ علاقة وإرتباط مع الخالق، والصلاة تنوّر قلبك، وتصفّي روحك، وتضيء حياتك، وتطهّر روحك من آثار الذنب، وتقذف نور الإيمان في أنحاء وجودك، وتمنعك عن الفحشاء والمنكر.
وبعد الصلاة يتطرّق لقمان إلى أهمّ دستور إجتماعي، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيقول: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر).

وإلى هنا أقف عند هذه القيم الجوهرية واترككم لتتمعنوا فيها .
والحمدلله رب العالمين .






[1] - الشائكة: يقال أمر شائك, وموضوع شائك: شديد عسر أو مؤذ. والشائق: ما يشوق الإنسان بجماله وحسنه. مادة: شاك وشاق .انظر المعجم الوجيز – مجمع اللغة العربية. ص 355-. ط: خاصة بوزارة التربية والتعليم- جمهورية مصر العربية. 2003 م .

[2] - الطاهر أحمد الزاوي- مختار القاموس- الدار العربية للكتاب-ط 1984م. ص 237-238. مادة: ربو.

[3] - المعجم الوجيز: ص : 253 مادة: ربا. مرجع سابق.

[4] - أحمد محمد الطبيب- أصول التربية الحديثة للسنة الثانية بثانوية العلوم الاجتماعية- المركز الوطني لتخطيط التعلم- ط2006-07م. ص 12-13.

[5] - أحمد على الفنيش- أصول التربية- الدار العربية للكتاب- ليبيا- تونس ط: جديدة1985م. ص15-16.

[6] - الموسوعة العربية العالمية. الإصدار الإلكتروني الأول.جهة النشر: أعمال الموسوعة (1425ه، 2004م). مادة: التربية الإسلامية.

[7] - أحد أعضاء منتديات السبورة- التربية الإسلامية- متاح على الموقع بتاريخ: 30-12-2007م: http://www.almualem.net/saboora/forumdisplay.php?f=8 .

[8] -أحمد الفنيش- أصول التربية. ص 20 و184. سبق ذكره.

[9] -الحارث بن أسامة: المكتبة الشاملة- كتاب بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: للحافظ الجليل نور الدين على بن أبى بكر الهيثمى المتوفى سنة 807 ه. حققه وعلق عليه مسعد عبد الحميد محمد السعدني. دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير. ص 327.

[10] - الموسوعة العربية العالمية. مصدر سابق.

[11] - الموسوعة العربية العالمية- مادة : القرآن. مرجع سابق.

[12] - المرجع السابق: مادة القرآن.

[13] - محمد عمر حويه- نزول القرآن الكريم وتاريخه وما يتعلق به- المكتبة الشاملة - إلكترونية. ص 9- 12.


[14] - أمير عبد العزيز- إعجاز القرآن- جامعة النجاح الوطنية- نابلس – فلسطسن. ط 1 – 2007م. ص.255-256.

[15] - الموسوعة العربية العالمية. مرجع سابق. مادة القرآن.

[16] - محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم- متاح بتاريخ 25-12-2007م على الموقع: http://www.dkamalm.com .

[17] - أمير عبد العزيز- إعجاز القرآن ص: 201 - 212.

[18] - مالك بن أنس- الموطأ- ج 1 ص 250.عن المكتبة الشاملة.

[19] - البخاري- الصحيح- ج 13 ص 386. عن المكتبة الشاملة.

[20] - وهبة الزحيلي- التفسير المنير- دار الفكر- دمشق –سورية ط1 –ج 1 ص 55.

[21] - محمد على الصابوني- صفوة التفاسير- دار الفكر – بيروت لبنان- ط 2001 ج 1 ص: 18.

[22] - أبو بكر جابر الجزائري- أيسر التفاسير- الناشر المكتبة الشاملة ( إلكترونية). ص: 1-6.

[23] - - وهبة الزحيلي- التفسير المنير- ج 1 ص 55. سبق ذكره.

[24] - المرجع السابق: ج1 ص 55-56.

[25] - محمد على الصابوني- صفوة التفاسير ج1. ص: 20. سبق ذكره.

[26] - ينظر: منتديات طلبة الكلية التقنية العليا- من أسرار ترتيب القرآن- متاح بتاريخ : 15-12-2007م على الموقع: http://hct-muscat.net/hct/index.php .

[27] - محمد بن جزي الكلبي- التسهيل لعلوم التنزيل- دار الكتاب العربي- بيروت- ط: 1983م.ص: 10-11.

[28] - سيد قطب- في ظلال القرآن- الناشر المكتبة الشاملة. ج 1 ص 1.

[29] - المرجع السابق. ص: 7.

[30] - محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم- متاح بتاريخ 25-12-2007م على الموقع: http://www.dkamalm.com .

[31] - أمير عبد العزيز- إعجاز القرآن . ص: 205. سبق ذكره.

[32] - - محمد بن جزي الكلبي- التسهيل لعلوم التنزيل ص: 8. سبق ذكره.

[33] - محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم سبق ذكره.

[34] - سيد قطب- في ظلال القرآن- الناشر المكتبة الشاملة. ج 1 ص 5.

[35] - محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم سبق ذكره.

[36] - شهاب الدين محمود الألوسي- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني- تفسير سورة الفاتحة الناشر المكتبة الشاملة- ص 65.

[37] - المرجع السابق. ص: 65-66.

[38] - محمد كمال المويل- التفسير التربوي للقرآن الكريم سبق ذكره.إنترنت.

[39] - ينظر المرجع السابق .

[40] - سيد قطب – في ظلال القرآن- ص: 7عن المكتبة الشاملة.سبق ذكره.
 

 




- معالم الرحمة في العبادات للباحث محمد عباس محمد عرابي
- العلامة محمد بن علي سالم المسكري أفضل قارئ على مستوى العالم
- شعر التفعيلة في الشعر السعودي المعاصر
- منهج مونتيسوري التعليمي
- فارس الدعوة في العصر الحديث







آخر تعديل محمس عربي يوم June 18, 2009 في 09:35 PM.
   رد مع اقتباس

قديم June 18, 2009, 08:31 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو






الحوريه الرومانسيه غير متصل

رد: الإعجاز التربوي في القرآن الكريم (أبحاث ودراسات )ا


يسلموووووووو
صراحه الموضوع طويل
انا ماقرأته كله بس ان شاء الله هكمله
انا حفظته عندي
وشكراً على جهدك الكبير


- الفأره تلعب
- من قالها وجبت له شفاعتي
- الفاضي بس يدخل
- ألشطر يحل
- هذه هي الحقيقه







   رد مع اقتباس

قديم June 19, 2009, 01:54 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
روح الصدآقة!!
فرآقك مآهو بسهل






روح الصدآقة!! غير متصل

رد: الإعجاز التربوي في القرآن الكريم (أبحاث ودراسات )ا


موضوع جميل عن الإعجاز...
يعطيك ربي ألف عآفيه
كفيتي ووفيتي,,
مأننحرم من موآضيك,,
تحيآتي


- طلب تعديل أسمي إلى روح الصدآقة!!
- طلب تعديل أسمي إلى روح الصدآقة!!
- ارجو التفآعل بحل مشكلة صديقتي...!!







   رد مع اقتباس

إضافة رد

الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

الاعجاز العلمي في القرآن والسنة



مواقع النشر (المفضلة)
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
برنامج الاعجاز العلمي في القرأن الكريم لشرح كل ما ورد في القرأن الكريم من اعجاز للكون arcenal تحميل برامج و شروحات الكمبيوتر 40 June 2, 2014 09:25 AM
أبحاث أمريكية تثبت فائدة سماع القرآن الكريم سـمــوري بحوث علمية 34 August 16, 2011 05:40 AM
حملة نشر القرآن الكريم ..حمل القران الكريم فى خمس ثوانى‏ انشر الموضوع ولك الاجر داود68 النصح و التوعيه 8 May 27, 2009 12:55 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


معلومات عن الحيوانات كلمات عن الحياة تحميل برنامج محول الصوتيات كيفية الوضوء علاج الاكتئاب تحميل برنامج الفوتوشوب قصص مضحكه كلام عن الحب مجلة لها فوائد العسل ملابس محجبات ديكورات حوائط تحميل كتب مجانية تحميل افلام ابل اندرويد بلاك بيري كتب طبخ حواء صور السوق الالكتروني العاب تلبيس منتديات اسماء بنات جديدة وكالة ناسا


الساعة الآن 07:54 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر