| ||||
| ||||
|
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |||||
| مسائل في الدعاء الذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار. قال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]. وقال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة: 186]. وقد أخبر الله عن الإنسان، أنه إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعداً أو قائماً، وأخبر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر، دعوا الله مخلصين له الدين. وإابة الله لدعاء العبد، مسلماً كان أو كافراً، من جنس رزقه لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقاً، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك. وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة، إلى أن الدعاء لا فائدة فيه؛ لأن المشيئة إذا كانت قد اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضيه فلا فائدة في الدعاء! وقولهم هذا معلوم الفساد بضرورة العقل والشرع. والجواب عنه: أنه ثمَّ قسمٌ ثالث، وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه،كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والرِّى عند الأكل والشرب، ولا توجبه مع عدمهما، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء، لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء،كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب وسائر الأسباب. وكذلك قولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء. يرد عليه بأنه قد تكون إليه حاجة من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة أو آجلة، أو دفع مضرة أخرى عاجلة أو آجلة، بل لو لم يكن فيه إلا افتقار العبد إلى ربه، ولجوئه إليه، لكفى. إذا كان إعطاء الله معللاً بفعل العبد، فهل يكون السائل قد أثَّر في المسئول حتى أعطاه؟ الجواب: إن الله هو الذي حرك العبد إلى هذا الدعاء، وجعله سبباً للخير الذي يعطيه إياه، فكما وفق إلى التوبة، ثم قبلها، ووفق للعمل الصالح، ثم أثابه عليه- فهو الذي وفق للدعاء ثم أجابه. فلم يؤثر فيه شيء من المخلوقات- بل هو جعل ما يفعله سبباً لما يفعله. قال عمر: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء. وقال مطرف بن عبد الله: نظرت في هذا الأمر، فوجدت مبدأه من الله، وتمامه على الله، ووجدت مِلاك ذلك الدعاء. وقال تعالى (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة: 5]. فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير الأمر، ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره. الذي يسأل الله فلا يُعطَى، أو يُعطَى غير ما سأل! هذه مسألة معروفة، وقد أجيب عنها بعدة أجوبة منها: إن النصوص لم تتضمن عطية السائل مطلقاً، وإنما تضمنت إجابة الداعي، وإجابة الداعي أعم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ ). ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء. فالدعاء: منه دعاء عبادة، ومنه دعاء مسألة، لأنه اسم يجمع بين العبادة والاستعانة. إن إجابة دعاء السائل أعم من إعطاء المسئول، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها )، قالوا: يا رسول الله إذاً نكثر، قال: ( الله أكثر ) فأخبر أنه لابد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلاً، أو مثله من الخير مؤجلاً، أو يصرف عنه من السوء مثله. إن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب. فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تاما، والساعد قويا، والمحل قابلاً، والمانع مفقوداً: حصلت النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلائة تخلف التأثر. فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثمَّ مانع من الإجابة: لم يحصل الأثر.
| |||||
|
![]() |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
| أنماط العرض | تقييم هذا الموضوع |
| |
\\\