حفظ اللسان و الحذر من آفاته
اللسان سلاح ذو حدين ، فهو إما أن يكون مصدر سعادة و هناء ، و إما أن يكون سبب شقاء و عناء ، لذلك فإن حفظه و صيانته عن الوقوع في العثرات و الآفات أمر بالغ الأهمية ، لإن آفاته كثيرة و عثراته خطيرة ، و هذا ما أرشدت إليه الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية ، و منها :
قوله سبحانه : ( و ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ((ق : 18))
و الآفات اللسانية نوعان : فمنها ما يطفي الايمان وهي الالفاظ المكفرة التي تخرج صاحبها من الايمان كشتم الذات الالهية ، و سب الدين و نحو ذلك ( و العياذ بالله ) ، و منها ما يضعف الايمان .
و فيما يلي بيان تفصيلي لأهم هذه الآفات ضمن المباحث التالية :
المبحث الأول : التلفظ بالالفاظ البذيئة و الإكثار من السب و اللعن
من الظواهر السلوكية السيئة التي تفشت في المجتمعات الاسلامية ظاهرة استخدام الألفاظ البذيئة أثناء الحديث و لو في المزاح ، و كذلك ظاهرتي السب و اللعن ، وهذه الظواهر ليست من السلوكيات الاسلامية في شيء ، بل هي من طبائع السفهاء من الناس ، و قد تعددت النصوص الشرعية التي تنهى عنها و تحرمها و اهمها :
ما رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( سباب المسلم فسوق و قتاله كفر ) متفق عليه : انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم 3595
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء ) رواه الامام احمد و ابن حيان و الحاكم باسناد صحيح انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم 5381
و عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه انه عليه الصلاة و السلام قال : ( لعن المؤمن كقتله ) متفق عليه انظر رياض الصالحين باب تحريم لعن انسان بعينه .
و البذاءة هي التعبير عن الامور المستقبحة ( العورات ) بالعبارات الصريحة ، و السباب هو الشتم و التكلم في الآخرين بما يعيب كقول انسان لآخر : يا وقح ، يا حقير و نحو ذلك و أما اللعن فهو الطرد و الإبعاد من رحمة الله و الصورة العرفية لهذه الظاهرة هي أن يقول انسان لآخر : لعنة الله عليك أو هو ملعون أو يا ملعون و نحو ذلك .
العواقب المترتبة على هذه الآفات :
أولا : الإثم الكبير
حيث بينت الأحاديث النبوية أن إثم لعن المؤمن كقتله و أن السباب يجعله من الفاسقين و يزداد الأمر سوء اذا ترتب على السباب و اللعن بأن ترجع اللعنة عليه أو يكون سببا لسب والديه .
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ان العبد اذا لعن شيئا صعدت اللعنة الى السماء فتغلق ابواب السماء دونها ثم تهبط الى الارض فتغلق ابوابها دونها ثم تأخذ يمينا و شمالا فإن لم تجد مساغا رجعت الى الذي لعن ( بالضم على اللام ) فإن كان أهلا و إلا رجعت الى قائلها )
رواه ابو داوود باسناد حسن ، انظر صحيح الجامع الصغير ، حديث 1672
و عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ان من اكبر الكبائر ان بلعن الرجل والديه ، يلعن اب الرجل فيلعن اباه ، و يلعن امه فيلعن امه ) رواه ابو داود باسناد صحيح انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم 2214
ثانيا : احتقار الناس و استخفافهم
ان مَن اكثر من شيء عرف به و من كانت عادته السباب و اللعن و استخدام الالفاظ البذيئة يعرض نفسه للحرج لأنه محلا لانتقاد الناس له و استخفافهم به الى درجة الاحتقار و هو أمر لا يرضاه الله للمسلم فكيف يرضاه المسلم لنفسه .
فعن اسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( ان الله لا يحب كل فاحش متفحش ) رواه الامام احمد باسناد حسن انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم 1850
و عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( ان الله يحب معالي الاخلاق و يكره سفاسفها ) رواه الحاكم باسناد صحيح انظر صحيح الجامع الصغير حديث |1889
و يجوز اللعن في الحالات التالية :
اللعن لمن اتصف بصفة تبعده عن الله تبارك و تعالى كالكفر و النفاق و الفسق و الظلم ، و تكون اللعنة عامة بأن يقال : لعنة الله على الكافرين أو لعنة الله على الظالمين ، او لعنة الله على الفاسقين و الظالمين ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ( لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ) متفق عليه : انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم 5108
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لعن الله آكل الربا و موكله و شاهده و كاتبه ) رواه الامام احمد و أبو داوود و الترمذي باسناد صحيح . انظر صحيح الجامع الصغير حديث 5089
المبحث الثاني : الغيبة
تعريف الغيبة و حكمها
ان اجمع تعريف للغيبة هو تعريف المصطفى صلى الله عليه و سلم ، حيث قال : " الغيبة ذكرك أخاك بما يكره "
رواه ابو داوود باسناد صحيح انظر صحيح الجامع الصغير حديث 4187
و هي محرمة بالقران و السنة : أما من القرآن فقوله تبارك وتعالى :
( و لايغتب بعضكم بعضا ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) سورة الحجرات الآيه 12
و أما من السنة فأحاديث كثيرة منها :
قوله صلى الله عليه و سلم ( كل المسلم على المسلم حرام عرضه و ماله و دمه ) رواه الترمذي باسناد صحيح ، انظر : صحيح الجامع الصغير حديث 5140
و ما روته عائشة رضي الله عنها قالت : قالت للنبي صلى الله عليه و سلم : حسبك من صفيه كذا و كذا ( أي أنها قصيرة ) فقال : ( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) رواه ابو داود و الترمذي باسناد صحيح ، انظر : صحيح الجامع الصغير حديث 5140
الاسباب الباعثة عليها :
اولا : الحسد
و هو تمني زوال النعمة عن الاخرين ، فاذا اثني على انسان و ذكر بخير لم يرق ذلك للحاسد فيدفعه حسده الى القدح في ذلك الانسان و الاتقاص من قدره لتزول عنه تلك السمعة الطيبة و لا تثبت له .
اكثر ما يكون الحسد بين الاقران وهم من تجمعهم صفة مشتركة كالعلم أو الحرفة ، و رحم الله من قال :
لكل شيء آفة من جنسه حتى الحديد سطا عليه المبرد
ثانيا : المجاملة و المزاح
من الاسباب التي تؤدي الى الغيبة موافقة الاقران و الاصدقاء قيما يذكرون فيه غيرهم من صفات قادحة بحيث لا ينكر ولا يعترض عليهم لئلا يستثقلوه أو ينفروا منه .
و كذلك المجالس التي تذكر فيها عيوب الاخرين بقصد الضحك .
ثالثا : حب الظهور و اشفاء الصدور
و يكون ذلك عندما يبغض شخص غيره ممن ينافسهم و ينافسونه فيلجأ الى القدح فيهم و اظهار صفات النقص في شخصياتهم ليظهر نفسه غليهم يبدو هو خيرا منهم .
الاعذار المرخصة في الغيبة :
هناك حالات تباح فيها الغيبة :
التظلم : بأن يشكو الانسان مظلمته الى من يستطيع ان يدفع الظلم عنه و يستوفي له حقه .
قال الله تبارك و تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم و كان الله سميعا عليما ) النساء ايه 148
و اجاب النبي صلى الله عليه و سلم زوجة ابي سفيان التي شكت له زوجها شحيح لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وولدها ، قائلا : ( خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك و يكفي بنيك ) متفق غليه ، صحيح الجامع الصغير حديث 3221
تغيير المنكر : و يكون ذلك بأن يذكر من رأى المنكر صاحب المنكر و مقترفه عند من يستطيع معاقبته أو ردعه . و لا يعد ذلك غيبة فمن رأى من يفطر في رمضان من غير غذر مثلا فأبلغ الجهة المسؤولة عن محاسبة من يرتكب مثل هذه المخالفات فلا يعد ذلك غيبة .
ذكر من له لقب لا يعرف الا به : فمن كان له لقب لا يعرف الا به كالعمش مثلا فناداه غيره به أو ذكره به فلا يعد ذلك غيبة.
التحذير من الفسقة و المبتدعة و المجرمين : يجوز ذكر الفسقة و المبتدعة بفسقهم و بدعهم لتحذير الناس في الوقوع في شباكهم .
علاج الغيبة و كفارتها :
الغيبة مرض اخلاقي و معصية من المعاصي و العلاج منها من حيث كونها مرضا اخلاقيا يكون بأن المغتاب أنه و هو يغتاب الاخريين يعرض نفسه لغضب الله و عذابه و مقته ان لم يتب من ذنبه ، و هو ايضا يهدي حسناته لمن يغتابه فان لم لم يكن له حسنات فهو يحمل عهم من سيئآتهم .
و على المغتاب ان يعلم ان فيه من العيوب ما يكفيه عن تتبع عيوب غيره و انه اذا تتبع عورة اخيه تتبع الله عورته و من تتبع الله عورته فضحه .
و اما من حيث كونها معصية و مخالفة شرعية فكفارتها ان يتوب المغتاب من الغيبة بأن يقلع و يندم على ما حصل منها و يعزم على عدم العودة اليها . هذا من ناحية حق الله سبحانه و تعالى لكون المغتاب خالف امرا من اوامره سبحانه و تعالى و عليه ايضا ان يستحل ممن اغتابهم بطلب العفو و السماح منهم و ان يذكرهم بالخير كما ذكرهم بالسوء و ان يدعو لهم بظاهر الغيب .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ و ليس عنده درهم و لا دينار فان كانت له حسنات اخذ من حسناته فأعطيها هذا و إلا أخذ من سيئات هذا فألقي عليه ) رواه الامام احمد و البخاري ، انظر صحيح الجامع الصغير حديث 6511
المبحث الثالث : الكذب
تعريف الكذب : مخالفة القول للواقع و هو رذيلة من الرذائل الاخلاقية تنبئ عن فساد نفس صاحبها و ضعف ايمانه .
قال الله تبارك و تعالى : (( انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله و اولئك هم الكاذبون ))
النحل 105
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (( و اياكم و الكذب فان الكذب يهدي الى الفجور و ان الفجور يهدي الى النار و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا )) رواه الامام احمد و الامام مسلم انظر مختصر صحيح مسلم حديث 1809 و صحيح الجامع الصغير حديث 4071
صور الكذب : (( سأذكرها باختصار ))
اولا : الكذب على دين الله
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه ، انظر صحيح الجامع الصغير حديث 5970
و قال علية الصلاة و السلام (( يكون في اخر امتي اناس دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا انتم و لا ابائكم فاياكم و اياهم لا يضلونكم و لا يفتنونكم )) رواه الامام احمد باسناد صحيح ، انظر صحيح الجامع الصغير حديث 8151
ثانيا : الكذب في الشهادة
قال تعالى : ( يايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله على انفسكم او الوالدين و الافربين ان ان يكن غنيا او فقيرا فالله اولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا و إن تلووا او تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا )) النساء 135
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( الا انبئكم باكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين و قول الزور )) متفق عليه ، صحيح الجامع حديث 2628
كما قال صلى الله عليه و سلم (( من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار و حرم عليه الجنة ، فقال له رجل : و ان كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال : و ان كان قضيبا من أراك )) رواه الامام مسلم انظر مختصر صحيح مسلم حديث 1016
ثالثا : الكذب على الاطفال
حذر النبي صلى الله عليه و سلم من الكذب على الاطفال بشكل عام و الابناء بشكل خاصو ان كانوا كبارا حتى لا ينشأوا على الكذب أو يعتبروه ذنبا صغيرا .
فعن عبدالله بن عامر قال : دعتني امي يوما و رسول الله صلى الله عليه و سلم قاعد في بيتنا فقالت : تعال اعطيك ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ما اردت ان تعطيه ؟ )) قالت : اردت ان اعطيه تمرا ، فقال لها : (( أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة )) رواه الامام احمد و ابو داود بإسناد حسن ، انظر صحيح الجامع الصغير 1319
رابعا : الكذب في الحديث و الوعد
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ثلاث من كن فيه فهو منافق و ان صام و صلى و اعتمر و قال اني مسلم : اذا حدث كذب و اذا وعد أخلف و اذا ائتمن خان )) متفق عليه
خامسا : الكذب في المزاح
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ، ويل له ))
)) رواه الامام احمد و ابو داود و الترمذي باسناد حسن
تم بحمد الله مراجعته و نقله من كتاب الدكتور : أحمد سالم ملحم ، دراسات اسلامية في الفكر والثقافة و السلوك ، جمعية عمال المطابع التعاونية ، عمان ، الطبعة الاولى ، 2005 ، ص :309 من فصل حفظ اللسان و الحذر من افاته .