أ وعد الله سبحانه بحفظ القرآن الكريم وبقائه إلى آخر الزمان؛ بعهد الله وقسمه، وقد كان، فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي لم يعتره تعديل ولا تحريف ولا اختلاف:
)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( [الحجر: 9]([1]).
والحفظ الذي تكفل به الله سبحانه وتعالى هو للقرآن دون سائر الكتب السماوية كما يتبين من مقارنة الآية السابقة بآية [المائدة: 44[:
)إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(.
فالحفظ للكتب السماوية السابقة كان منوطا بأهل التوراة وأهل الإنجيل فما رعوها حق رعايتها، كما بينا من قبل (انظر10/ 4).
ب النبوءة القرآنية بأن العلم سيتقدم، وسيتعرف البشر على المزيد من آيات الإعجاز في رسالة الإسلام وهو ما تحقق فعلا هي في حد ذاتها (أي النبوءة) إعجاز علمي تاريخي أكده ويؤكده، يوما بعد يوم، تاريخ العلوم المطرد:
)سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( [فصلت: 53] ([2]).
)وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( [النمل: 93] ([3]).
)إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ( [ص: 87: 88].
)وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(
[الأعراف: 52 53].
)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ( [يونس: 38 39] ([4]).
وهنا أيضا لم يدرك المفسرون القدماء مغزى –تأويله- فصرفوا المعنى إلى أن المقصود هو ما سيأتيهم من الوعيد، رغم أن سياق الآيتين في سورة الأعراف وسورة يونس يتحدث عما جاء به القرآن من علم، فتسبق آية الأعراف (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ . . . ) الآية: )وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( [الأعراف:52]، وكذلك آية يونس (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ . . . ) تسبقها الآية:
)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( [يونس: 38[. أي أن الفهم الصحيح والتأويل السليم للقرآن وآيات إعجازه، سيأتي بعدُ حين يشاء الله.
ج تحدي القرآن أن يأتي البشر كل البشر أفرادا أو مجتمعين أن يأتوا بما يضاهي البيان القرآني، وتنبأ بعجزهم جيلا بعد جيل، كما في التحدي الذي جاءت به آية (يونس/ 38)، وفي هذه الآيات:
)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( [هود: 13].
) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( [الإسراء: 88] ([5]).
)قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(
[القصص: 49].
)أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ(
[الطور: 33، 34] ([6]).
وقد كان: فلم يكتب بشر ما يضاهي في بلاغته ولو ادعاءً بلاغة القرآن، وقد تكفل علماء العربية والإسلام بدراسة النص القرآني وتحليله، ومقارنته بلغة اللسان العربي وآدابه في القديم والحديث، وبرهنوا على تميز الخطاب القرآني واستعصائه على المحاكاة، وأن كل سورة وكل عبارة وكل كلمة، بل كل حرف فيه، إنما صيغت لتعبر أدق تعبير وتؤثر أعمق تأثير في السمع والعقل والفؤاد (وانظر الفصل الأول). ومازالوا يستكشفون المزيد من أسرار البيان القرآني ، ويبقى القرآن معجزة بلاغية ماثلة إلى آخر الزمان.