حينما اختارني الضرير لأدله على الطريق، لم تسعفني الحيل، أو تواتني الوسيلة.
لكنه اختارني أنا العازف العزوف من بين ملايين البشر لأدله إلى مبتغاه!
ولما كان عنوانه كما أخطرني في طريقه، فقد استسلمت لكفه اللزج المشعر، وفي نيتي أن أفر هارباً، حالماً تتأتي الوسيلة، أو يخايلني الأمل!
ويبدو أنه شعر بذلك، لأنه قبض على معصمي وكأنني هارب من الإعدام، وما كدت أقول ما كنت أنوى قوله، حتى ضغط على كفي دون أن ينطق بكلمة يمكن تأويلها.. أو الاختباء تحت ظلها.. كان أمراً باتراً.. حادا كسيف، لكنه ناعم.. . وحويط!!
وقبل أن تغرب الشمس، سألني فجأة عن اسمي وعنواني وقال إن غرائب الدنيا كثيرة.. أغربها الإنسان.. وحين عرف أنني قطعت كل هذه المسافات لأزور صديقي الضرير، تعجب من أمري، وتساءل عن الضرورة التي تدعو مبصراً لزيارة ضرير؟
وقبل أن أبدي أي ملاحظة أو اعتراض، سحبني إلى محل لبيع المشروبات وأمرني بالانتظار، حالما يأتي بكوبين.
وما كدت التفت حولي، وأفكر في الفرار إلى أي ناحية، حتى رأيته يرفع في وجهي كوبا من العصير، تتواتر على حافته الفقاقيع.
اشرب!!
وما كدت أفعل ذلك حتى شعرت برغبةٍ في التقيؤ.. وتحجر في الحلق، وقبل أن أفكر في سكب ما تبقي، سمعته يصيح وهو يوليني ظهره: أكمل كوبك.
فشككت في أمر عماه.. لكن الجرأة لم تواتني كي أنظر في عينيه اللتين ربَّما كانتا مبقورتين، أو تشبهان "أم الخلول"في لزوجتهما واختلاطهما، لكني استطعت في غفلةٍ منه أن أسكب ما تبقي. فكانت دهشتي لا تحتمل حين خاطبني ونحن نواصل الطريق محذرا: لا تفعل ذلك مع غيري!
إذ لم تواتني الجرأة لأسأله عما يعنيه، لكني فهمت أنه فهم، وأن مأزقي قد بات وبيلا.. وأنني لا أملك ما يدير به دفتي، فأردت أن اتجه صوب اليمين لكنه وجهني صوب اليسار!
وقبل أن اعترض أو أقول، ضغط على كفي بيده التي تشبه كف الدب وقال: "لا تخف.. فكل الطرق تقود إلى ما تبغي"!!
ثم سألني هامساً: إن كنت أهتم بالتاريخ، أو العلوم، أو السياسة، أو الخمور، أو النساء، فأشرت إلى أنني لا أهتم إلاَّ بجلدي.. فاستحسن صمتي، واشتكي من الحر والرطوبة، فشكوت من البرد. والرماد.
كان عنوان صديقي قد غرق في لزوجة كفي، فشعرت بأنني ضللت الطريق وبات معراجي بلا نهاية!
وما كدت أشكو حيرتي، حتى طمأنني علي الفور وقال: "لا تخف.. أنت معي"!!
ولما أشرت إلى حلول الظلام، وخوفي من أن نصبح ضريرين، صاح منتصرا: "لك النهار ولي الليل كله". ثم طلب أن أقرأ العنوان فقلت: "ما أنا بقارئ".
فتدبر أمره، وقال: "خسارة"ولم أعرف علي من انصبت الخسارة بالضبط:!
كان قد طلب الورقة، فقدمتها معجونة بلزوجة كفي، وأسرعت بوضع يدي في جيب سروالي المثقوب.
تحسسها بيده الأخطبوطية، وأعادها قائلاً:
نعم.. نفس العنوان.. ألم أقل لك؟.
ثم قال كلاما كثيرا فهمت منه أن الحبر قد ساح، وأن علىَّ أن اعتمد على ذاكرتي مثلما يعتمد الصقر على بصره:
كانت الشوارع خالية، حينما وصلنا إلى ميدان كبير.. تهز الريح أشجاره وتتجمد الناس في سياراتها، والطيور في أوكارها..
أشار صاحبي نحو لافتة وسألني أين نكون؟ فلم أفده بشيء..
نصحني أن أسأل من يفيدنا فلم أجد أحداً..
صعدت إلى كشك للكهرباء ونزعت لافتة الشارع، وعدت إليه متأبطا إياها. قال: أحسنت يا فتي.. فالمرء قرين نفسه!
وأعادني لقيده من جديد.. كدت أقول شيئا.. لكنني تذكرت أنني تكلمت كثيراً منذ ولادتي دون أن أقول الكثير!!
أوقفني قبل أن نترك الميدان، وأشار على جندي ينظم المرور، فأسرعت إليه فوجدته متخشباً.. لكني حين تأملت إصبعه المفرود، وجدته يشير إلى ضابط بعيد، ما كدت أسأله عن الطريق حتى أشار إلى امرأة عجوز تفترش الطريق، وتقدم الشاي الحارق لرجال من خشب. رشوتها بما في جيبي فلم ترد.. فعدت إلى رفيقي وبكيت.. وقبل أن أخبره بأننا فقدنا الطريق.. سحب اللافتة من تحت إبطي ورماها على الأرض فتحرك الشارع، وتدفقت المياه في النوافير وحين سألته إن كان جائعا أم لا؟ دفعني بغضب مضمر وعتب خفيف، قال:
أسأل سؤال الحياة.. فلا ضل من سأل!!
جريت خلف امرأة فجرت أمامي.. سألت أخرى فاستنجدت بالبوليس.. رشوت شخصا يبدو متعلما فأخذني على جانب ونصحني أن اهتم بنفسي، رجوته أن يدلني على الطريق.. فبكي وأخطرني أنه يبحث مثلي، لعنت ضابط المرور فسامحني.. مزقت بذته وسألته عمن أتي إلى هنا مادام لا يعلم ما تعلمه الدواب؟.
وقفت في نهر الشارع وخلعت سروالي.. فتجاوزتني المركبات وتجاهلني البشر، صرخت في وجه الجميع.. يا كلاب.. يا جهله.. فلم يردني أحد، سعيت إلى صاحبي، وبكيت في حضنه.. فربت على ظهري وقال: لا تكن عبد ما تجهل.. كن سيد ما تستطيع!
وسحبني فسعيت في ركابه، وارتميت في معيته!! كانت شوارع الميدان تتعامد تحت شمس حارقة، وما تكاد تبلغ نهاية حتى يبدأ مفترق جديد!!