أنحت كتابها جانبا و أمسكت بفنجان القهوة الموضوع أمامها .. ارتشفت منه رشفة و هي تتأمل المكان من حولها .. لم يكن المقهى في ذلك الوقت من الصباح مزدحما بل و كانت هي الفتاة الوحيدة به و لكنها لم تلق بالا لذلك عادت تلتقط الكتاب و هي تلقي نظرة سريعة على ساعتها و التي أشارت عقاربها إلى العاشرة ، فزفرت في ضيق .. لم يتبق على موعد بدء الامتحان اكثر من ساعة و هي لم تطالع من ذلك الكتاب المقرر عليها إلا قليلا .. زفرت ثانية و عيناها تمران على الكلمات سريعا علها تنطبع في ذهنها و تنقذها من رسوب لا تراه الآن إلا قدرا محققا .
و ما كادت ترفع عينيها عن صفحات الكتاب حتى رأته كان شابا وسيما يجلس على منضدة قبالتها و قد صوب نظره نحوها و ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تملك من فرط عذوبتها إلا أن تبادله إياها و لكنها لم تلبث أن تداركت الموقف و تلفتت حولها في خجل فماذا لو لاحظ الناس تبادل الابتسامات بينها و بين ذلك الشاب ؟!
رفعت الكتاب ثانية و اخفت عينيها بين صفحاته في محاولة لإيهام الشاب و من حولها بأنها لا تلقى له بالا . مررت عينيها سريعا على الكلمات مرة أخرى و هي لا ترى منها إلا حروفا مصفوفة لا يستقر لها معنى في ذهنها الذي ارتسمت فيه صورة الشاب بملامحه السينمائية ... آه ! كم هو وسيم !!
تنهدت و هي تنطق تلك العبارة بقلبها و ابتسمت و هي تراه يقترب منها و يحييها ثم يجلس قبالتها و يقول : " لقد أحببتك من أول نظره "
رقص قلبها فرحا و تلك الكلمات تداعب أذنيها في رقة متناهية .. و إن عجز لسانها عن النطق فاكتفت بابتسامة خجلى أودعتها كل ما عجز لسانها المسكين عن التعبير عنه .
ابتسم ابتسامته العذبة و عاد يسألها:
" هل تقبلين الزواج مني ؟ "
و انطلق الاثنان سريعا إلى اقرب مأذون و تم الزواج .................
" أي خدمة يا آنسة ؟ أتريدين شيئا آخر غير القهوة ؟"
تنبهت الفتاة فجأة على ذلك السؤال فنظرت في ذهول إلى النادل الذي ألقاه عليها فعاد يسألها بابتسامه مرتبكة :
" هل سببت لك إزعاجا ؟ "
صمتت برهة قبل أن تجيبه في خفوت :
"مطلقا !"
ثم عادت تسأله :" هل كنت تقول شيئا ؟ "
أجابها في هدوء و هو يخفي دهشته خلف قناع مبتسم :
"كنت أتساءل هل تريدين شيئا غير القهوة ؟ "
هزت رأسها نفيا في هدوء و هي تحاول أن تفلت بصرها من ذلك النادل لترى فارس أحلامها لم تستمر محاولاتها طويلا على أية حال فلم يلبث أن تحرك النادل إلى منضدة مجاورة لتعود صورة الفارس فتملأ عينيها ..... و لكن مهلاً ما هذا ؟ من تلك الفتاة التي تجلس معه على نفس المنضدة ؟ أتكون أخته .. ليس ثمة شبه بينها و بينه .. ربما هي إحدى قريباته أو زميلاته .. لم تستغرق كثيرا في تساؤلاتها .. فقد نهض فارسها و هو يضع الحساب على المنضدة و نهضت الفتاة التي كانت معه ..
و سار الاثنان بمحاذاتها و الفتاة تتأبط ذراعه و تبتسم ابتسامته .. ظلت الفتاة تتابعهما بعينيها المصدومتين اللتين لم تلبثا أن تسمرتا عندما لمحتا ذلك الجسم الذهبي الصغير الذي زين إصبع الفتاة هزت الفتاه رأسها غير مصدقة و صوبت نظرها نحو يد الشاب فرأت مثيله الفضي حول إصبعه .. و اغرورقت عيناها بالدموع و هي ترى فارسها و قد غادر المكان نهائيا مع خطيبته الجميلة .. المحظوظة .
كادت تغرق في خواطرها و دموعها لولا وقوع بصرها على الكتاب الملقى على المنضدة أمامها .. أخ ! الامتحان !
أسرعت تنظر في ساعتها .. و شهقت فزعا عندما رأت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة .. صرخت في أعماقها ( يا ويلي )
التقطت الكتاب و أسرعت بالنهوض و هي تلقى حساب القهوة على المنضدة و تطلق ساقيها للرياح متجهة نحو الجامعة عساها أن تدرك شيئا في ذلك الامتحان .
♦ ♦ ♦