المجلة الإلكترونية - مركز تحميل - القران الكريم - اتفاقية الاستخدام - تصفح الجوال - الاعلان - أضفنا في المفضلة

اشترك في مجموعة اصدقاء مجله الابتسامه البريديه الان
البريد الإلكتروني:

العودة   مجلة الإبتسامة > الموسوعة الإسلامية > النصح و التوعيه

النصح و التوعيه مقالات , إرشادات , نصح , توعيه , فتاوي , احاديث , احكام فقهيه


دراسات وابحاث في فكر الشيخ محمد الغزالي جمع وترتيب الباحث محمد عباس عرابي

النصح و التوعيه



جديد مواضيع قسم النصح و التوعيه

إضافة رد

كيفيه ارسال موضوع جديد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم June 30, 2010, 06:07 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمس عربي
مبتسم VIP





محمس عربي غير متصل

دراسات وابحاث في فكر الشيخ محمد الغزالي جمع وترتيب الباحث محمد عباس عرابي


دراسات وأبحاث في فكر الشيخ محمد الغزالي
جمع وترتيب
الباحث محمد عباس محمد عرابي
----------------------------------------------
مقدمة
الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله)فارس الدعوة وأديبها في القرن العشرين له مكانة كبيرة في نفسي فهو من الكتاب الذين أحب الكتابة لهم ،وشرفت بإعداد بعض المقالات والكتب عنه نشر بعضها والآخر مازال مخطوطا وكنت قد جمعت منذ ما يزيد عل عشر سنوات كتابا يدور حول فكر الغزالي ودفعت به لكبرى دور النشر لطباعته،ولا أدري انشر أم لا ،نظرا لعدم متابعتي للنشر نظر لسفري خارج البلاد وكنت قد جمعت كتابا آخر حول فكر الشيخ من بطون كبرى المجلات كالأزهر ومنبر الإسلامي والوعي الإسلامي ومنار الإسلام وغيرها ولم ينشر وها هو الكتاب الثالث نشرت على الشبكة العنكبوتية نشرها باحثون أفاضل في العلوم الشرعة وأردت أن أجمعها في هذا السفر وحق طباعتها مكفول للجمع ،أدعو الله أن يوفق من ينشر هذا الكتاب وقفا لله تعالى
والله من وراء القصد وهو سبحانه الموفق والمستعان
الباحث محمد عباس عرابي

1-الشيخ محمد الغزالي



نشأته
ولد في قرية نكلا العنب، إيتاي البارود، محافظة البحيرةبمصر في ( 5 من ذي الحجة 1335ه/ 22 سبتمبر 1917 م).

نشأ في أسرة "متدينة", وله خمس إخوة, فأتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة, ويقول الإمام محمدالغزالي عن نفسه وقتئذ: “كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختمالقرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي،فقد كان القرآن مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة”. والتحق بعد ذلك بمعهد الإسكندريةالديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانويةالأزهرية, ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة (1356 ه الموافق 1937م) والتحق بكليةأصول الدين بالأزهر الشريف, وبدأت كتاباته في مجلة (الإخوان المسلمين) أثناء دراستهبالسنة الثالثة في الكلية, بعد تعرفه على الإمام حسن البنّا مؤسس الجماعة, وظلالإمام يشجعه على الكتابة حتى تخرّج بعد أربع سنوات في سنة (1360 ه = [[1941[[م) وتخصص بعدها في الدعوة والإرشاد حتى حصل على درجة العالمية سنة (1362 ه = 1943م) وعمره ست وعشرون سنة, وبدأت بعدها رحلته في الدعوة من خلال مساجد القاهرة, وقد تلقىالشيخ العلم عن الشيخ عبد العظيم الزر قاني, والشيخ محمود شلتوت, والشيخ محمد أبوزهرة والدكتور محمد يوسف موسى وغيرهم من علماء الأزهر الشريف.

سمي الشيخمحمد الغزالي بهذا الاسم رغبة من والده بالتيمن بالإمام الغزالي فلقد رأى في منامهالشيخ الغزالي وقال له "أنه سوف ينجب ولدا" ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فماكان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه.

دراسته
حصل الغزالي على شهادة الثانوية الأزهرية عام 1937 ثمالتحق بكلية أصول الدين في العام نفسه، تخرج منها سنة 1941 حيث تخصص بالدعوةوالإرشاد. حصل على درجة العالمية سنة 1943.

انضم في شبابه إلى جماعة الإخوانالمسلمين وتأثر بمرشدها الأول حسن البنا. سافر إلى الجزائر سنة 1984 م للتدريس فيجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ب قسنطينة, درس فيها رفقة العديد منالشيوخ كالشيخ يوسف القرضاوي والشيخ البوطي حتى تسعينات القرن العشرين. نال العديدمن الجوائز والتكريم فحصل على جائزة الملك فيصل للعلوم الإسلامية عام 1989 م .

مواقف له مع الإمام البنا

يتحدث الشيخالغزالي عن لقائه الأول بالإمام حسن البنا فيقول:
كان ذلك أثناء دراستيالثانوية في المعهد بالإسكندرية، وكان من عادتي لزوم مسجد (عبد الرحمن بن هرمز) حيثأقوم بمذاكرة دروسي، وذات مساء نهض شاب لا أعرفه يلقي على الناس موعظة قصيرة شرحاًللحديث الشريف: (اتق الله حيثما كنت... وأتبع السيئة الحسنة تمحها.. وخالق الناسبخلق حسن) وكان حديثاً مؤثراً يصل إلى القلب.. ومنذ تلك الساعة توثقت علاقتي به.. واستمر عملي في ميدان الكفاح الإسلامي مع هذا الرجل العظيم إلى أن استشهد عام 1949م.

شهادته في قضية فرج فودة
اعتبر الغزاليالكاتب المصري فرج فودة "كافرا ومرتدا"، كما كان وراء الدفاع الذي وقف مع قاتليهقائلا، "أنهم أدوا الفريضة"، حيث أضاف "..إن فرج فودة كافر مرتدٌّ وأنّ من قتلهيعتبر مفتئتاً على السلطان.." أي لاتوجب له عقوبة حسب تفسيره في شهادة الشيخ محمدالغزالي في أثناء محاكمة القاتل أفتى بجواز "أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عندتعطيلها..وإن كان هذا افتياتا على حق السلطة،..ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنهلا يجوز قتل من قتل فرج فودة" حسب تعبيره

قالوا عنه
وفي عام 1945 كتبالإمام حسن البنا إلى الشيخ محمد الغزالي يقول له:
أخي العزيز الشيخ محمدالغزالي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد، قرأت مقالك (الإخوانالمسلمون والأحزاب) في العدد الأخير من مجلة (الإخوان) فطربت لعبارته الجزلةومعانيه الدقيقة وأدبه العف الرصين. هكذا يجب أن تكتبوا أيها الإخوان المسلمون.. اكتب دائماً وروح القدس يؤيدك، والله معك، والسلام عليكم ورحمة اللهوبركاته.



ومن يومها أطلق الإمام حسن البنا على الشيخ الغزالي لقبأديب الدعوة ”. كُتبت عن الشيخ الغزالي عدة أعمال وأطروحات جامعية ، من بينهاأطروحة ( الشيخ محمد الغزالي مفكرا وداعية ) للباحث الجزائري إبراهيم نويري ، التينوقشت بجامعة الأمير عبد القادر ، سنة 1999م . كما ألفت عنه مؤلفات كثيرة أشهرهاكتاب ( مع الشيخ الغزالي رحلة نصف قرن ) للدكتور يوسف القرضاوي ؛ وكتاب ( الشيخالغزالي .. الموقع الفكري والمعارك الفكرية ) للدكتور محمد عمارة ..
أخلاق الفرسان والنبلاء
يصفه الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الشيخ الغزالي كماعرفته فيقول: ”إن هذا الرجل يبغض الظلم والهوان لنفسه وللناس، ولا يحب أن يظلِم أو يُظلم، ولا أن يستخف بكرامة أحد، ولا يستخف بكرامته أحد، كما أنه لا يطيق العوج ولا الانحراف، وخصوصا إذا لُبس لبوس الاستقامة أو تستر بزى الدين، فهو الذي يقاتله سراً وعلانية، فإذا رأى ظلماً أو عوجاً – في رأي نفسه على الأقل – لم يستطع أن يغلق فمه أو أن يغمض قلمه بل صب عليه جام غضبه ولم يحفل بما يصيبه من شرر الصدام، ولكن يكمل هذا أن الشيخ لا يفجر في خصومته، ولا يفترى على خصمه ولا يتمنى له السوء، وهو رضي الله عنه سريع الغضب سريع الفىء ولا يبالى أن يعترف بخطئه أمام الناس، فهو شجاع عندما يهاجم ما يعتقد انه خطأ، شجاع حينما يعترف أنه لم يحالفه الصواب فيما رآه”
الغزالي والمشروع الفكري الحضاري
كان الشيخ الغزالي أسداً مرابطاً على ثغور الفكر الإسلامي ، حتى مثلت حياته حلقة قوية من حلقات الفكر الإسلامي الراشد وسلسلة متواصلة من المعارك الفكرية في سبيل نهضة العقل المسلم ”إن الجهد الأول المطلوب هو تحريك قافلة الإسلام التي توقفت في وقت تقدمت حتى فيه عبيد البقر! وسوف تتلاشى التحديات التي تواجهنا يوم يعتنق المسلمون الإسلام: ويدخلون فيه أفواجا حكاماً وشعوباً “.
ففي مواجهة الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية خاض أول معاركه الفكرية فأصدر عدة مؤلفات كانت لبنه في مشروعه الحضاري. الإسلام والأوضاع الاقتصادية – الإسلام والأوضاع الاشتراكية – الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين- الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر..

وقد قدم في هذه الملحمة فكرا تنافسياً ثورياً ” لقد رأيت بعد تجارب عدة أنني لا أستطيع أن أجد بين الطبقات البائسة الجو الملائم لغرس العقائد العظيمة، والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، إنه من العسير جدا أن تملأ قلب إنسان بالهدى إذا كانت معدته خالية، أو أن تكسوه بلباس التقوى إذا كانت معدته خاليه ولابد من التمهيد الاقتصادي الواسع والإصلاح العمراني الشامل إذا كنا مخلصين حقا في محاربة المعاصي والرذائل والمعاصي باسم الدين أو راغبين حقا في هداية الناس لرب العالمين”
المعركة ضد الجمود والحرفيّة النصوصيّة
فلئن كانت معركته الأولى مع الاستبداد الاقتصادي والاجتماعي فقد كانت معركته الثانية مع الجمود والحرفية النصوصية التي تغض من شأن ملكة العقل فتفل عزم المسلمين في مواجهة التحديات المعاصرة وتكرّس التخلف الموروث وقد ألف في هذا المضمار كتابين: دستور الوحدة الثقافية – السنّة النبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث ” إن بعض البله يتصور الأنبياء أبواقاً لأمين الوحي يرددون ما يلقيه إليهم فإذا انصرف عنهم هبطوا لمستوى الدهماء وخبا نورهم!! أيّ غفلة صغيرة في هذا التصور”، ” لقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة الذين أسلمت لهم زمامها عن رضا وطمأنينة وقنع أهل الحديث بما يتناقلون من آثار .. فلا فقه بغير سنّة ولا سنّة بغير فقه والواقع أن كلا الفريقين يحتاج إلى الآخر”
الذات الإسلامية والاستلاب التغريبي
ولعل هذا الميادين هو أغنى الميادين التي حظيت باهتمام الشيخ الغزالي وذلك بتقديم الغذاء الإسلامي الصالح لتلك الذات لتجديد العقل وتصفية الرؤية وترقيق المشاعر وتزكية القلب في ذلك التكامل الجميل الذي يعرفه الإسلام.
فألّف بذلك العديد من المؤلفات كان من أهمها: جدد حياتك – خلق المسلم – عقيدة المسلم – التعصب والتسامح – في موكب الدعوة فقه السيرة – ليس من الإسلام – هذا ديننا – من معالم الحق – كيف نفهم الإسلام ونظرات في القرآن – كيف نتعامل مع القرآن – نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم -… والعديد من المؤلفات الكثيرة الأخرى.

الاستبداد السياسي
كانت إحدى المعارك التي خاضها الشيخ الغزالي والتي مثلت معلماً بارزاً من معالم مشروعه الفكري، معركته في مواجهة الاستبداد السياسي الذي حرم الأمة من ثمرات الشورى الإسلامية فأعجزها عن مواجهة تبعات رسالتها ومجابهة تحديات أعدائها فقدم في هذا الميدان عدة إصدارات كان منها: الإسلام والاستبداد السياسي – حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة.
قال عنه المفكر محمد عمارة
” كان عطاء الشيخ الغزالي في القدوة مماثلا لعطائه في الفكر كما بريء مشروعه الفكري من الفصام بين العقل والقلب وامتزجت فيه الرؤية لمشكلات الأمة والإنسانية والماضي والحاضر والمستقبل جميعا”.
وفاة في ميدان المعركة
لم تكن وفاة الشيخ الغزالي رحمه الله كغيرها من الميتات بل كانت صورة معبرة عن حياة حافلة بالمعارك في خدمة هذا الدين، فقد لقي الشيخ ربه وهو في الميدان الذي قضى فيه عمره كله – حيث كان في مؤتمر للدعوة الإسلامية بالرياض، وأحتد النقاش في مسألة متعلقة بالعقيدة فانبرى الشيخ موضحًا ومعلمًا فأصيب بأزمة قلبية تُوفي على أثرها – رحمه الله- في (19 من شوال 1270ه = 9 من مارس 1996م)، ودُفِن بالبقيع في المدينة المنورة رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع المقربين الأبرار.
من أقواله
1- إنّ ناساً كثيرين يحيون داخل فكرة ثابتة سيطرت عليهم دون بحث ’و نقاش والسجناء في أوهامهم ينظرون يميناً ويساراً فلا يرون إلا السدود التي احتبسوا فيها والأحوال التي عاشوا في ضيقها وجهلوا ما ورائها.
2- نحن لا نلوم الآخرين على انتهاز الفرص لخدمة ما يعتقدون، ولكنّا نلوم أنفسنا إذا تركنا فراغاً امتد فيه غيرنا ومن ترك باب داره مفتوحاً فلا يلومن اللصوص إذا سرقوا مدخراته.
3- ومن حق الأمم الكبرى – وهى أمم تحتقر الأميّة العلمية والصناعية – أن تنظر إلى دعاوي المسلمين وأفكارهم وقيمهم بريبي أو بسخرية ما دام المسلمين نماذج رديئة للتخلف الإنساني.
4- ومن المألوف في تاريخ النهضات أن اليقظة العقلية والنفسية تسبق دائما النشاط السياسي والاجتماعي، أو أن هذا النشاط الفوار يكون وليد اليقظات المليئة بالحياة.
5- إنّ الرجل القوي يجب أن يدع أمر الناس جانِبًا، وأن يندفع بقواه الخاصة شاقًا طريقهُ إلى غايتهِ، واضِعًا في حِسابه أن النّاس عليهِ لا لهُ، وأنهم أعباء لا أعوان، وإذا نالهُ جرح أو مسه إعياء فليكتم آلمهُ عنهم ولا ينتظر خيرًا من بثهم أحزانهِ.

وفاته
توفي في 9 مارس 1996م في السعودية أثناء مشاركته فيمؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر الذي نظمه الحرس الوطني في فعالياته الثقافيةالسنوية المعروفة ب ( المهرجان الوطني للتراث والثقافة الجنادرية ) ودفن رحمهالله بمقبرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم البقيع بالمدينة المنورة .. وكان قبلها صرح بأن أمنيته أن يدفن في البقيع وتحقق له ما تمنى.فكانت له بشرى عاجلةبإذن الله وفضله .

من مؤلفاته
عقيدة المسلم
فقه السيرة
كيف تفهمالإسلام
هموم داعية
سر تأخر العرب والمسلمين
خلق المسلم
معركةالمصحف
مشكلات في طريق الحياة الإسلامية
الإسلام المفترى عليه
الإسلاموالمناهج الاشتراكية
الإسلام والأوضاع الاقتصادية
الإسلام والاستبدادالسياسي
الإسلام والطاقات المعطلة
الاستعمار أحقاد وأطماع
في موكبالدعوة
التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام
حقيقة القومية العربية
مع الله
الحق المر
قذائف الحق
كفاح دين
من هنا نعلم
نظراتفي القرآن
صيحة التحذير من دعاة التنصير
جدد حياتك
الدعوة الإسلامية
الطريق من هنا
الفساد السياسي
المحاور الخمسة للقرآن الكريم
المرأةفي الإسلام
تأملات في الدين والحياة
تراثنا الفكري في ميزان الشرع
حصادالغرور
فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء
كيف نتعامل مع القرآن
والكثير من الأعمال الهامة حيث بلغت مؤلفاته أكثر من خمسين عملاً. وكان لهاتأثير قوي على الأمة الإسلامية كلها.
__________________
2
الشيخ محمد الغزالي فارس الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (العدد : 489)مجلة الوعي الإسلامي

(تمر في مثل هذا اليوم الذكرى العاشرة لوفاة فارس الدعوة الإسلامية في العصرالحديث الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته فقد ارتضاه الله وتوفاهإلى جواره الكريم ليلة السبت 20/شوال/1416ه الموافق 09/مارس/1996م، ودفن فيالمدينة المنورة بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار من المهاجرينوالأنصار)
>
معرفتي بالشيخ محمد الغزالي:
تعودأول معرفة لي بالشيخ محمد الغزالي يرحمه الله إلى كتاب (نظرات في طريق الحياةالإسلامية) الصادر عن دولة قطر سنة 1400ه 1980م، الذي اقتنيته وقرأته بشغف سنة 1403ه 1983م، وأعجبت به أيما إعجاب، كما تعود أول رؤية عرفته فيها واستمعت إليهبدقة في ملتقى الفكر الإسلامي الثامن عشر بالجزائر العاصمة سنة 1404ه 1984م، وكانموضوع الملتقى (الصحوة الإسلامية والمجتمع الإسلامي المعاصر) بنزل الأوراسي، الذيدام أكثر من أسبوع، فشد اهتمامي دون سائر العلماء والشيوخ، ودخل إلى قلبي بسرعةالبرق، وملك علي - يرحمه الله - بفكره وبيانه ومنهجه وأسلوبه مجامع فؤادي المشتاقإلى خطاب ديني تجديدي معاصر، على الرغم من تربيتي الدينية على يد لفيف من علماءالشام الأفاضل، وسماعي منهم وتتلمذي على حلقاتهم العامرة سنين عديدة 1392-1395ه 1972-1975م، في جامع زيد بن ثابت الأنصاري أيام المرحوم الشيح محمد عوض وأبناءالشيخ عبد الكريم الرفاعي، الذين أخذنا على أيديهم الفقه الشافعي، وجامع منجكبالميدان أيام المرحوم الشيخ حسن حبنكة الميداني، الذي أخذنا على يديه علم العقيدة،وغيرهم· غير أني وجدت في الشيخ محمد الغزالي ضالتي وحاجتي إلى خطاب آفاقي، وبلاغتجديدي، مفعم بالروح الحيوية، والرؤية التجديدية الحديثة، وبالحياة الفاعلية،وبالحركية الاجتهادية، في فهم الأطر المرجعية المقدسة، وفي التعامل مع التراثالإسلامي·
وسعيت غاية جهدي لحضور ملتقى الفكر الإسلامي التاسع عشر بمدينة بجايةسنة 1405ه 1985م حول الغزو الثقافي والمجتمع الإسلامي المعاصر، وشد سمعي وقلبيوعقلي وروحي بخطابه الحيوي المفعم بروح الشباب، والصدق، والإخلاص، والغيرة علىالإسلام والمسلمين، عندما ترأس المؤتمر، وناب عن الوفود بإلقاء كلمتهم وقت حضورالرئيس الجزائري (الشاذلي بن جديد) يحفظه الله ويرعاه والرئيس (ياسر عرفات) - يرحمهالله، وحاولت يومها التعرف على الدكتور عمار طالبي يحفظه الله ويرعاه، لألتحقبمسابقة الدخول إلى قسم الماجستير في الأدب الإسلامي في جامعة الأمير عبد القادرللعلوم الإسلامية بقسنطينة، ولكني لم أوفق سنتها للالتحاق بالمسابقة حتى سنة 1407ه 1987م، فنجحت في المسابقة الكتابية والشفهية، ووفقت يومها للتعرف والتقرب من الشيخمحمد الغزالي يرحمه الله· حيث صار الحبيب قريبا من الحبيب، وصرت طالبا في الجامعةالإسلامية أستمع لدروسه ومحاضراته ومناقشاته، وأتلذذ برؤيته الوقورة بعد أن حرمتطيلة عقد من الزمن من التلذذ برؤية شيوخي الأفاضل أمثال: الشيخ حسن حبنكة الميدانيالذي ودعته سنة 1975م، والشيخ سعيد رمضان البوطي، وعبد الحميد ياسين شيخ مقرئيالشام·· يوم عدت إلى بلدي الجزائر· وصرت لا أضيع أمر التتلمذ والأخذ عنه في ملتقياتالفكر الإسلامي، فحضرت ملتقى الفكر الواحد والعشرين بمدينة (معسكر - عاصمة الأميرعبد القادر سنوات 1832-1842م) حول الحياة الروحية في الإسلام سنة 1407ه 1987م· والملتقى الثاني والعشرين بمدينة الجزائر سنة 1408ه 1988م، والملتقى الثالثوالعشرين بمدينة تبسة سنة 1409ه 1989م· ولولا واجب تأدية الخدمة العسكرية لماتغيبت عن حضور بقية الملتقيات، التي دعيت لحضورها، وهكذا صرت قريبا منه، أقرأ مايكتب، وأتابع ما ينشر، أو ُينشر عنه، حتى غدوت - بفضل الله - مشبعا بفكره، ورؤيته،وأسلوبه، ومنهجه·
>
مميزات الشيخ محمد الغزالي عن شيوخ عصره: أحب أن أنبه إلىأن الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله يعد من بين مجموعة من العلماء المسلمين المعاصرينمن مجددي الإسلام في العصر الحديث، فهو ينتمي إلى جيل المجددين المعاصرين أمثال: حسن البنا، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد إقبال، وأبو الأعلى المودودي، وبديعالزمان سعيد النورسي، وسيد قطب، ومالك بن نبي، وإسماعيل راجي الفاروقي، وحسن حنبكةالميداني، ويوسف القرضاوي، وسعيد رمضان البوطي
وما يميز الشيخ محمد الغزالي عنغيره من العلماء والدعاة قديما وحديثا جملة من الأمور، أهمها:
1 -
فهمه العميقوالدقيق لروح الشريعة الإسلامية ولمقاصدها الحنفية السمحة، وللمقاصد النبيلة التيأُنزلت من أجلها·
2 -
فهمه لروح الشريعة الإسلامية المفعلة والمحركة لنهضة الأمةالإسلامية·
3 -
إدراكه أزمة الأمة الإسلامية المعاصرة، ولأسباب تخلفها وتعثرها،وطرق نهضتها·
4 -
إدراكه لروح بطرس الناسك القابعة في الحملات الاستعماريةالحديثة القديمة والحديثة·
5 -
رآه الاستشراقية الآفاقية الناهضة، والمستقبليةالأكيدة، فقد نبه سنة 1400ه باقتطاع الصليبية العالمية سنة 1421ه 2000م لأجزاءمهمة من العالم الإسلامي (جزر الملوك وتيمور الشرقية بإندونيسيا)، وضمها للصليبيةالعالمية بفعل حملات التبشير المستمرة· وهو ما حصل بالفعل·
6 -
دفاعه المستميتعن الإسلام والتنبيه إلى خطر المتحدثين باسمه من: (متحدث جاهل) و (منافق عليماللسان) و (سياسي صاحب هوى
7 -
تنبيهه لخطر المتحدثين الجهال باسم الإسلام،ممن لا فقه لهم، ولا علم عندهم، ولا موهبة علمية لهم·
8 -
شجاعته النادرة،وتصديه المتميز للجامدين والمعاندين والمقلدين، وتضحيته المتميزة أمام جحافلالفقهاء البله والمغفلين من المتحدثين باسم الإسلام، وتقديمه للفتاوى الجزئية التيتعاني منها الأمة، والتي تحمل من أجلها الكثير·
9 -
تكوينه للنخب وللبؤر الدعويةالمتميزة، ممن حملت المشعل الدعوي الناهض من بعده·
10-
جرأته في الحق، ولو فيوجه السلاطين والملوك والرؤساء·
11-
حكمته وعقلانيته ورشده المتميز في خدمةالإسلام والمسلمين محليا وإقليميا وعالميا·
12-
تصديه - بالكتابة والتأليف، وكلأشكال الاتصال والتعبير والنقد - لما يصيب الإسلام والمسلمين، ولما يتهددهم، علىالصعيدين الداخلي والخارجي·
13-
تصديه بكل الوسائل الناجحة والناجعة والمتوفرةلكل علل وأمراض المسلمين، والتنبيه على خطرها القاتل عندما تستشري فيهم·
14-
تأسيه الصادق والحقيقي والواقعي بالمنهج النبوي الصحيح، وبتطبيقاته العمليةالموروثة عن جيل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين·
15-
وقوفهالحازم في وجه المقلدين والجامدين والمعوقين والمخذّلين·
>
منهجه الدعوي:
يعد الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله منبين مجموعة قليلة من العلماء المسلمين المعاصرين ممن تخصص في العمل الدعوي، وممنقعّد في أساليبها ومناهجها ووسائلها وأسسها، وقد أعطاه الله فتحا عظيما وجليا فيعلومها، فأبدع وقعّد ونظّر لها، وكان يرى أن سبب نكبة الإسلام والمسلمين من عدوين،أحدهما: خارجي قوي وجبار، وهو خطير على الإسلام تجب مقاومته· وعدو داخلي أخطر منالخارجي، وهو سبب بلاء الأمة الإسلامية، إذ يقدم الإسلام ويعرضه عليهم أسوأ عرض،ويشوه صورته بين الناس، ولا يقيل عثرات المذنبين، ولا تيه التائهين، ولا خطأالمخطئين، ولا إسراف المسرفين على أنفسهم وغيرهم، بل يحمل عليهم بجهله وكبريائه،ونفخته الكاذبة، فيفسد صورة الإسلام وسماحته في قلوبهم وصدورهم· ولذا كرّس حياته فيسبيل تقديم الإسلام إلى هذه الأصناف أفضل تقديم، وعرضه على الناس أحسن عرض·
وقدكان يرحمه الله يركز في العمل الدعوي على القواعد والأركان الدعوية التالية: (فقهالذات، وفقه المرجعية، وفقه لب التراث ومقصده، وفقه الآخر المحتاج للإسلام)، فشكلمدرسة دعوية متميزة من بين قلائل من العلماء ممن خدموا الدعوة الإسلامية في العصرالحديث، ومن بين قلائل قدموا لها الخدمات الجليلة النظرية والعملية، فقد جسّد روحالتجديد الدعوي الذي بثته ونشرته مدرسة المنار ومدرسة الإخوان المسلمين، فهو منهما،وهو مجدد ضمنهما، ومبدع فيهما·
فأثر يرحمه الله أيما تأثير في الساحة الدعويةالإسلامية عموما، والجزائرية خصوصا، وقد لقي فكره وطرحه الامتداد العميق لدى شبابالصحوة الإسلامية في الجزائر، وأنا واحد منهم· وصارت كتبه تدرس في جامعات ومعاهدوكليات الشريعة الإسلامية الجزائرية، وأنا واحد ممن اعتمد تدريس كتبه في الحصصالتطبيقية في مادة الدعوة الإسلامية في كلية الشريعة، فكتبه: (مع الله دراسة فيالدعوة والدعاة، والدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر، وهموم داعية) من أجلكتب الدعوة في العصر الحديث·
ولما اقتربنا منه يرحمه الله وجدناه إنسانا مسلماأنموذجا، وزاهدا من الطراز الرفيع، ومتصوفا زاهدا ممن يقتفون عمل الجيل الأول،عازفا عن الشهرة وكل رواسب الجاهلية· كما وجدناه يرحمه الله ركنا راسخا للإسلامولأهله، وطودا باذخا من الأطواد الشامخة، ونورا من عطاء الله ماضيا، يفكر، ويدبر،ويحتال، ويمكر وينتصر للإسلام، فكان بحق من المفكرين الواعين، ومن علماء الطرازالأول المتميز، وداعية موهوب القدرات والملكات، يجذب سامعيه، ويأخذ بمجامع عقولهمومشاعرهم، إذا تكلم ورمق بنظره الثاقب، وإذا حلل بفكره القاطع، فجمع خصال وصفاتالعلماء العاملين، فهو: الأفغاني إذا خاطب، وهو محمد عبده إذا حلل وناظر، وهو رشيدرضا إذ فسر، وهو حسن البنا إذا علّم وأرشد، وهو ابن باديس إذا كتب ودقق، وهو العربيالتبسي إذا صال وجأر وانفعل، وهو النورسي إذا قنت وتصّوف، وهو الأمير عبد القادرإذا فرى· وهو، وهو·· وهو أولا وأخرا: الشيخ محمد الغزالي المتميز بشخصيتهالفريدة·
وقد وصفه صديقه وحبيبه وصفيه الشيخ الأستاذ الدكتور العلامة الصادقالمجاهد الشيخ يوسف القرضاوي يحفظه الله ويرعاه في ذكرى تأبينه، فقال: (لقد تركالشيخ محمد الغزالي بصمات واضحة على العقل الإسلامي، لا يمحوها اختلاف الليلوالنهار، بما ألف من عشرات الكتب، وما أنشأ من مئات المقالات، وما أقام من آلافالدروس والخطب والمحاضرات، وما أذيع له من أحاديث لا تحصر في الإذاعات والتلفازات·· لقد عاش الشيخ الغزالي حياته كلها: حر الفكر والضمير، حر القلم واللسان، ولم يعبّدنفسه لأحد، إلاّ لربه الذي خلقه فسواه· ولم يبع ضميره، ولا قلمه لمخلوق كان، وكمحاول أصحاب السلطان أن يشتروه، ولكنهم لم يقدروا على ثمنه، وكيف يمكن أن يشترى، منيريد الله والجنة·· ولقد ُلوح له بالمناصب، التي يسيل لها لعاب الكثيرين من عبيدالدنيا، ولكن الشيخ لم تلن له قناة، ولم يُغره وعد، كما لم يثنه وعيد·· وهو مقاتلعنيد لا يستسلم ولا يطأطىء·· ولا يلين·· وقف في وجه الاستعمار، وكشف عن حقيقتهودوافعه، وقف في وجه الصهيونية التي اغتصبت فلسطين الأرض المقدسة، وفي وجه التنصيروالاستشراق والتبشير، الذي أراد أن يسلخ المسلمين من عقيدتهم
ترك يرحمه اللهمعالم دعوية سامقة وواضحة في خدمة الإسلام، وفي طريقة تزيينه وعرضه على الناس، فكانيرحمه الله يحسن عرض الإسلام وتقديمه أحسن عرض، ويكره جرّه من ذيله، وليّ نصوصه،والضجر والضيق برحابتها على سماحة الشارع العظيم· وهو من رجال انتقاهم الله لخدمةهذا الدين، فخدموه بالفعل، كل حسب منهجه وفهمه ومواهبه، فإن أصابوا فهم مجزيون، وإنأخطأوا فهم مجزيون أيضا، على منهج الإسلام في الإحسان للمصيب وللمخطئ من العلماءالمجتهدين، كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: {من اجتهد وأصاب فله أجران، ومناجتهد وأخطأ فله أجر واحد }، ولكن على الأتباع التأدب، والتخلق، والتعمق في الفهم،وعليهم التأسي بسيرتهم· فقد أكرمه الله بصحبة الصحابة والتابعين فكان نزيلهم الجديدفي بقيع المدينة ليلة السبت 20/شوال/1416ه الموافق 09/مارس/1996م، ودفن في المدينةالمنورة بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار،جزاء لخدمته العظيمة للإسلام، فليرحمه الله في الخالدين·


بقلم الكاتب: أحمد عيساوي - الجزائر

3-أخطاء فهم السنة بمعزل عنالقرآن في رؤية الشيخ محمد الغزالي (العدد : 531)مجلة الوعي الإسلامي


من القضايا التيشغلت بال الفقهاء والمحدّثين قديما وحديثا، السنّة النبوية الشريفة من خلال تدوينهاوجمعها وشرحها وبيان صحيحها من سقيمها، واستخراج ما فيها من أحكام عقدية وخلقيةوفقهية، ومع الكمّ الهائل من الكتب والمؤلفات التي عالجت موضوع السنّة إلا أنّ سوءالفهم، وأخطاء التأويل، وقصر النّظر، بقيت ملازمة له إلى اليوم، ويرجع ذلك إلى غيابالمنهج السليم في التعامل مع السنّة، ومن أكثر الأخطاء شيوعا التعامل مع السنّةبمعزل عن معاني القرآن وروحه ومقاصده، مما يؤدي إلى سوء الفهم إلى حدّ التناقض بينمعاني القرآن والسنّة، ومن العلماء الذي أدركوا هذا التناقض الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- إذ عالج هذا الوضع بدقّة متناهية، وبفطنة بالغة، وبمنهج علمي سليم، أرشدجمهور المسلمين عامة، والمختصيّن خاصّة، بما يترتب على فهم السنّة مقطوعة عن القرآنمن انحراف في التأويل، وسوء في الفهم والتنزيل.
وفي هذا الموضع بيانلتلك المعالم والضوابط التي لابدّ منها للتعامل مع السنّة وفق روح القرآن ومعانيهوهداياته.

ومن آثار علمه بالقرآن وتأثّره به، نطق بالسننالرّاشدة والأحاديث الهادية فكانت هي الأخرى حكما ينفع بها الناس، وهدى يشدّهم إلىالصراط المستقيم، وقد امتّن الله عليه بهذا الوحي المبارك فقال: {وأنزل الله عليكالكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل اللّه عليك عظيما} (1) ومع احترامناللحشد الكبير من السنن المروية عن رسول اللّه، وحفاوتنا بالدّراسات الحسنة التيتناولتها في القديم والحديث، فنحن نلفت النّظر أنّ السنة منزلة ثانوية بعد القرآننفسه، وأنّ العالم الأصيل بالإسلام إنما تقوم ثروته العلمية أوّلا بمدى فقهه فيالكتاب العزيز، وبصره بمعانيه ومغازيه، ولمحه لدلالته القريبة والبعيدة، وأن الصورةالمتقنة للإسلام إنما تعرف أبعادها وملامحها البارزة من القرآن أوّلا، ثم يجئ دورالسنّة في الإيضاح والتفصيل بعد أن تمهدت الحدود وعرفت الضوابط، ولذلك نحن نرفض أنيشتغل بالسنة رجل فقير في القرآن، ونرفض أن يستخرج أحكامها رجل قصير الباع في فقهالكتاب واستظهار أحكامه، فإنّ ذلك قلب للأوضاع، ومزلفة للخطأ في تصورّ حقائق الدين،وفي ترتيب صغراها وكبراها".
السنة تاليةللقرآن

يؤكد الشيخ محمد الغزالي على ضرورة فهم الكتابأولا والاستفادة منه، واستنباط أحكامه ومعرفة معانيه ودلالاته، ثم تأتي السنّةتالية له ومكملة، فلا يجوز لرجل قصير الباع في معاني القرآني ودلالاته الاشتغالبالسنة والغفلة عن القرآن، فإن ذلك يجر إلى أخطاء كثيرة، يقول: îلاخلاف بين المسلمين في أن القرآن الكريم أساس الإسلام،ولُباب دعوته، ومناط تشريعه، وأنه الينبوع الأول لشتى تعاليمه في أحوال المعاشوالمعاد جميعا، وأنه برهان النبوة، ودليل صدقها، ومعجزتها الكبرى، وأنه مجلي الوحيالأعلى، وملتقى الحقائق السماوية التي نزلت من عند الله خالصة من كل شائبة، مبرأةمن كل لبس، إنه- بهذا القرآن- أصبح محمد (صلى الله عليه وسلم) مبلغا عن الله، مبيناعنه مراده، وقد انتقل هو به انتقالا نفسيا عاليا وصعد به في مرقى الكمال البشري إلىأوج بعيد، فكانت كل آية تهبط عليه نورا يتألق به باطنه، وكشفا تشرب بهبصيرته.
لا تعارض بين القرآنوالسنة

ويؤكد الشيخ التكامل بين نصوص الوحي قرآنا وسنة،وأن ما يبدو من تعارض ناشئ من سوء الفهم، فقال: "لا يتعارض حديث مع كتاب الله أبدا،وما يبدو حينا من تعارض هو من سوء الفهم، لا من طبيعة الواقع، وذلك مثل حديث : "لنيدخل أحد الجنّة بعمله" (البخاري) وقوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} (النحل : 32) الفهم الصحيح للموضع كله، أنه لابد من عمل ينال به المرء رضا ربهويستحق رحمته، فالجنة ليست للكسالى والأراذل، بيد أن العمل المقبول هو المقرونبالتواضع لله وإنكار الذات، والقلق من أن يرفض رب العالمين العمل المتقرب به، لأنعيوبه لا تخفى عليه، أو لأنه دون حقه، أو لأي سبب آخر، فمن تقدم بعمل وهو شامخالأنف، ليس في حسابه إلا أنه قدم العمل المطلوب للجنة، وعلى الله أن يسلم لهالمفاتيح ليدخلها بعدما امتلكها بعمله، هذا المغرور لا يقبل منه شيء، ولا مكان لهفي الجنة، أما من جاء خاشعا خفيض الجناح، شاعرا بالانكسار لأنه لم يقدّم ما اللهأهل له، فإنه يدخل الجنّة بعمله، والدلائل على هذا المعنى كثيرة، وما يعقلها إلاالعالمون" (1).
لا ترد السنّة اكتفاءبالقرآن

كما حذر الشيخ من رد السنة النبوية بدعوى أن ما فيالقرآن كاف في العمل والتشريع، بل يجب الأخذ بهما معا، وبيّن أن فهم الإسلام والعملبه لا يتم إلا بالجمع بين القرآن والسنة التي جاءت بيانا وتفسيرا له، وأن الاكتفاءبالقرآن وحده بدعة خطيرة، وليس لأحد حق تمحيص السنن ودراسة أسانيدها إلا من أهله،فالسنة جزء من الوحي ما تواتر منها وما لم يتواتر، يقول: "إذا صح أن رسول الله (صلىالله عليه وسلم) أمر بشيء أو نهى عن شيء، فإن طاعته واجبة، وهي من طاعة الله، ومايجوز لمؤمن أن يستبيح لنفسه التجاوز عن أمر للرسول فيه حكم {من يطع الرسول فقد أطاعالله} (النساء :80) {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهمالخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}(الأحزاب: 36).
وظيفة السنّة معالقرآن

ويبين الشيخ أن السنة لا تعارض القرآن، وإنما تأتيإما مقررة لأحكامه، أو مبينة وشارحة لمجمله، أو مخصصة لعمومه، أو مقيدة لمطلقه،وغير ذلك من طرق البيان (2)، وأنه لا يوجد حديث واحد يعارض القرآن أو قواعدهالعامة، يقول: " لقد كنت عندما أحب الاستشهاد بالكتاب والسنة في موضوع ما، ألاحظهذه الحقيقة وأجد طائفة كبيرة من الأحاديث تطابق في معانيها وأهدافها ما تضمنالقرآن الكريم من معان وأهداف، وأن هذه الأحاديث قد تقرر المعنى نفسه، الذي احتوتهالآية، أو تقرر معنى آخر يدور في فلكه وينتظم معه في اتجاه واحد، وإن بدا للعينالمجردة أن الصلة بينهما بعيدة.
وقد جاءت السنّةبأحكام يسّرت بعض العزائم التي أمر الكتاب العزيز بها، فالقرآن مثلا يأمر بغسلالقدمين، ويعد ذلك ركنا في الوضوء، وتنظيف الرجلين أمر لابد منه في صحة الصلاة ،وقد بّين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن الرجل إذا أدخل قدميه طاهرتين في خفيهأو جوربيه (البخاري ومسلم)، فليس بضروري أن يعيد غسلهما كلّما أراد الوضود، وبحسبهأن يمسح على ظاهرهما- فوق الحذاء أو الجوارب- إشارة إلي الركن الذي لحقته الرخصة. وهذا الذي صنعه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأمر به ليس هوى جنح إليه: {ما ضلصاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى}(النجم: 2-3) إنما هو إرشاد الله له، وهو عمليتسق مع قاعدة الإسلام الأولى من السماحة والتيسير، وليس فيه أي تناقض مع تعاليمالقرآن، ونستطيع أن نقول: إنه ليست هناك سنة تعارض حكما قرآنيا ما، بل إنه منالمستحيل أن يوجد حديث يعارض أحكام القرآن، أو قواعده العامة" (3).
أسباب تقديم القرآن علىالسنة

ويوضح الشيخ أن تقديم القرآن على السنة ثابتبإجماع، وأن ذلك دعت إليه جملة من الأسباب الموضوعية والمعقولة، تأبي أن تقبل سنةبمعزل عن فهم كتاب الله أولا، من ذلك أن السنة تستمد شرعيتها وقوتها من القرآن،والقرآن كله قطعي الثبوت بخلاف السنة منها الظني وهو الغالب ومنها القطعي، والقرآنحفظ بكامله في السطور والصدور بخلاف السنة تأخر تدوينها ودخل فيها ما ليس منها،يقول: îوقد أجمع المسلمون على أن الكتاب هوالأصل الأول في التشريع (4)، وأن السنة تجيء من بعده في المرتبة للأسبابالآتية:
-
ذلك أن هذا السنن من أقوال وأفعال وأحكاموتقريرات إنما تبنى على الدّعائم الممهّدة من كلام الله جلّ شأنه، وتمتدّ فياتجاهها وترتكز عليها، فهي أشبه بالتوابع الفلكية مع أمهاتها من الكواكبالكبرى.
-
أن السنّة اعتبرت أدلة شرعية بشهادة القرآن لها،فهي تستمد قوتها كمصدر للأحكام من أمر القرآن بذلك في مثل قوله عزّ وجل : {أطيعواالله وأطيعوا الرسول} (النساء: 59) {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء: 80) وبهذا احتج ابن مسعود عندما جادلته امرأة في حديثه عن لعن النساء المتبّرجات بتزويرالخلقة، زاعمة أن ذلك ليس في القرآن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعودأنه قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلقالله، فقالت له امرأة في ذلك- أي اعترضته- فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله،وهو في كتاب الله؟ قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنهفانتهوا}" (الحشر: 7) (البخاري).
-
ثم إن القرآنيقيني الثبوت، فهو متواتر جملة وتفصيلا، أما السنة فإن منها المتواتر، وأكثرهاأخبار آحاد، وروايات الآحاد تفيد الظن العلمي لا القطع الجازم، والأحكام الشرعيةالمهمة تعتمد على اليقينيات لا الظنيات.
-
ومن المسلم أنالقرآن الكريم وصل إلينا كاملا، لم ينقص منه حرف واحد، تظاهرت الكتابة والحفظ منأول يوم على صيانته وضبطه، مما لم يؤثر ألبتة عن كتاب في الأولين والآخرين، أماالسنن فقد تأخر تدوينها، والتحق بها ما ليس منها، فاجتهد الأئمة في غربلتها، ونقدطرقها ومتونها، واختلفت أنظارهم في ذلك بين التصحيح والتضعيف والقبول والرد، ولاشكأنهم وضعوا قواعد للنقد العلمي تستحق كل احترام، وجردوا تراث النبوة مما قد يعلق بهمن أوهام، بيد أن جملة السنن التي وصلت إلينا بعد ذلك الجهد لا يمكن القطع بأنها كلما قاله رسول الله، وأن الرواة أحصوا في سجلاتهم كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) كله، لم يسقط منه شيء، وذلك على عكس القرآن الكريم، فإن ثبوته كله يجعل هيمنته علىمصادر التشريع لا تقبل جدلا.
ومعاذ الله أن نغمطالسنة حقها، فهي ضميمة إلى القرآن لابد منها، ونحن نعلم أن معالجة التطبيق العمليللمبادئ والأسس العامة تتطلب فيضا من التفصيلات والتفريعات المنوعة، وقد قامت السنةبهذه الوظيفة بالنسبة إلى القرآن، وعندما نلقي نظرة عجلى على مجتمعنا مثلا، نرى هذهالتعليمات الفرعية تملأ كل أفق، فاللوائح الداخلية والتشريعات التجارية والمدنيةوالجنائية والاقتصادية تقوم بعملها الخطير في تنظيم الحياة العلمية، وهو عمل لايمكن تجاهله، لكن لا يمكن أيضا الذهاب به فوق قدره بالنسبة إلى الدستور المشرف علىكل شيء، والمهيمن على تقعيد القواعد وإنجاز الفروع، بل الذي تبطل القوانين إذا جافتنصه أو روحه، وكذلك القرآن بالنسبة إلى السنن المروية كلها، إنها تسير في هداهوتنطلق إلى مداه، وما يسوغ لفقيه مسلم أن يفهم غير هذا، ولا لمجتمع مسلم أن يحياعلى غيرها، وقد رأيت نفرا من المتدينين يخوض في السنن وبضاعته في القرآن قليلة،وبصره إلى الآيات كليل، فأنكرت ذلك وأيقنت أن معالم الإسلام لن تكون صريحة في ذهنه" (5).
أخطاء فهم السنن مقطوعة عنالقرآن

ويؤكد الشيخ ضرورة الاهتمام بالقرآن وفهم معانيه،ثم تنزيل السنة وفق تلك المعاني، فإن القرآن هو المرجع الأعلى في فهم قوانين الكونوسنن الحياة، وهو مصدر الحقائق الكبرى، وما السنة إلا فهم للقرآن، فلا يجوز الإعراضعنه والاستمساك بالسنن، لأن ذلك قلب للموازين، قد يوقع صاحبه في ترك آيات من القرآنزعما أن الحديث جاء بخلافها، وكان الأولى ترك الحديث لأنه جاء مخالفا لما فيالقرآن، وقد وقع الكثير من الدارسين للسنة في أخطاء بسبب الاقتصار عليها دونالرّجوع إلى القرآن.
بطلان الحديث إذا خالف ظاهرالقرآن

ويقرّر الشيخ بهذه القاعدة بطلان أيّ حديث يخالفالقرآن نصّا ومعنى، والحكم ببطلانه آت من كون السنّة لا تأتي إلا بما يوافق القرآن،مؤكّدة ومقرّرة، أو مفسّرة وشارحة، أو مخصّصة ومقيّدة، أو مستقلة بأحكام وفق أغراضهومعانيه، فكيف يقبل حديث يعارض القرآن؟ فإذا تحقّقت المعارضة وجب ترك الحديث، لأنّالمظنون لا يقوى على معارضة المقطوع، ولأنّ الحديث قد يكون معلول المتن ولو كانصحيح السنّد، يقول: "إن أيّ حديث يخالف روح القرآن أو نصّه فهو باطل من تلقاءنفسه".
والدّليل الظنّي متى خالف القطعي سقط اعتباره علىالإطلاق، كما أورد البخاري وغيره من الحفّاظ حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيدي فقال: {خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يومالأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يومالأربعاء، وبث فيها الدّواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلقوفي آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل، (ذكره البخاري في التاريخالكبير ومسلم في المقدمة) ومع أن الحديث في صحيح مسلم قد أغفله الحفاظ لكونه مخالفالما جاء في القرآن، من أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام لا سبعة،فقالوا: هو من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ولا يمكن أن يكون من قول الرسول،لأن قوله (صلى الله عليه وسلم) لا يتعارض مع القرآن بل يكون شارحا له، ومفسرالآياته.. فالسنة هي الركن الثاني في الدين، ولكن السنة بحاجة إلى من يعرف أسانيدهاومتونها معرفة حسنة، ومن يعرف- قبل ذلك وبعده- الكتاب العزيز، ويقف على معانيهومراميه" (6).
ويؤكد الشيخ على وجوب عرض معاني الحديث على نصوصالقرآن، حتى لا تتعارض فيما بينها، فلا يقبل حديث إذا عارض معناه ظاهر القرآن، ولوكان صحيح السند، وهو دأب الفقهاء كأبي حنيفة ومالك، إذ كانوا يتوقفون في أحاديثصحيحة لكونها مخالفة لظاهر القرآن.
ويؤكد على هذهالمعاني بقوله: "كلّ ما نحرص نحن عليه شدّ الانتباه إلى ألفاظ القرآن ومعانيه،فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون في شؤون أخرى تعجزهم عن تشرّبالوحي، والفقهاء المحقّقون إذا أرادوا بحث قضية ما جمعوا كلّ ما جاء في شأنها منالكتاب والسنة، وحاكموا المظنون إلى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة، أمااختطاف الحكم من حديث عابر، والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس عملالعلماء، وقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة،الذين أسلمت لهم زمامها عن رضا وطمأنينة، وقنع أهل الحديث بتقديم ما يتناقلون منآثار كما تقدّم مواد البناء للمهندس الذي يبني الدار، ويرفع الشرفات، والواقع أنكلا الفريقين يحتاج إلى الآخر، فلا فقه بلا سنة، ولا سنة بلا فقه، وعظمة الإسلامتتم بهذا التعاون، والمحنة تقع في اغترار أحدهما بما عنده، وتزداد مع الإصرار وضعفالبصيرة" (7).

الهوامش

1-
مائة سؤال عنالإسلام- مرجع سابق
-
ص:177
2-
انظر أنواع بيانالسنة للقرآن في كتاب علم أصول الفقه لخلاف، ص:39، وأصول الفقه الإسلامي لشلبي،ص:126 فما بعدها.
3-
ليس من الإسلام- ص: 30،31،32
4-
انظر: تقديم القرآن على السنة في كتاب أصولالفقه الإسلامي لمصطفى شلبي، ص:160
5-
نظرات في القرآن- ص: 167،168،169
6-
هذا ديننا- ص: 212،213
7-
السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث- مرجعسابق - ص:25
---------------------------------------------------------------------
4-تربية المرأة من منظور الشيخ محمد الغزالي
دراسة: د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك



"الغزالي رسم الإطار التربوي لمشروعه، وأكد على ضرورة تفعيل دور المرأة فهي شقيقة الرجل وطلب العلم فريضة عليها".

"الغزالي بنى فكره الإصلاحي الحر على نقد كل الأعراف الراكدة والوافدة لا سيما في حقل تربية النساء".


الشيخ محمد الغزالي واحد من العلامات البارزة في الفكر الإسلامي المعاصر، رحلة طويلة من العطاء الفكري المتميز دامت على مدار ستين سنة بأكملها، كانت محصلتها ما ينوف عن الستين كتابًا في مجالات فكرية شتى، أثرت بدورها المكتبة العربية والإسلامية على صعيد الفكر الإصلاحي الوسطي الرشيد.

ميَّز فكر الغزالي أنه حمل في طياته مشروعًا فكريًّا، ما لبث أنَّ تحول إلى مشروعٍ حضاريٍ مأمول تنفيذه وتحقيقه على الأرض، كان الخط العريض لهذا المشروع الرائد يتمحور حول الإصلاح الاجتماعي؛ الذي رأى أنه القاطرة الدافعة لأي إصلاح آخر مرجو، وكانت أهم آليات الوصول لهذا الإصلاح عنده الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة وإزالة غبار الزمان والمكان الكثيف الذي أُثير حول أوضاعها في المجتمع، رغم أنَّ أعظم التكريم لها كان في كنف الإسلام.

حظي هذا المشروع بمزيدٍ من الأتباع والمريدين في كافة ربوع العالم الإسلامي، كما حظي أيضًا بالعديد من المناوئين؛ الذين يقفون عقبة وحجر عثرة أمام أي محاولة للإصلاح والتجديد في كل عصر ومصر.

وفق كل هذه المعطيات تجيء الدراسة التي عنوانها "تربية المرأة من منظور الشيخ محمد الغزالي" للدكتورة "لطيفة حسين الكندرى" والدكتور "بدر محمد ملك"، وكلاهما أستاذ مساعد في كلية التربية الأساسية في دولة الكويت، لتعرض بمزيد من العمق للأغوار البعيدة لملمح هام في مشروع الغزالي الذي نحن بصدده، والممثل في تربية المرأة، محاولة إلقاء الأضواء والظلال على الجوانب المختلفة لها في مؤلفاته كافة، وجاءت الدراسة في 61 ورقة، ومنشورة في مجلة العلوم التربوية، الصادرة عن معهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، في أكتوبر 2003م.

الدراسات السابقة
بدأ الباحثان دراستهما المتميزة بتوطئة، ثم بعد ذلك عرضا لنبذة عن حياة الشيخ الغزالي، ثم عرضا للدراسات السابقة التي تناولت مشروعه الذي نحن بصدده، ونرى من الأهمية بمكانٍ الوقوف قليلاً عندها؛ حيث أشاروا إلى أنَّ ثمة فريقًا معارضًا لأطروحاته حيال المرأة، وفريقًا ثانيًا مؤيد لها ومطور، وفي هذا تقول الدراسة: يرى المنتقدون وعلى رأسهم ربيع بن هادي عمير المدخلي أن الشيخ محمد الغزالي قد حشر نفسه مع خصوم السنة النبوية المطهرة بل صار حامل لواء الحرب عليها، وأصبحت كتبه تمثل مدرسة ينهل منها كل حاقد على الإسلام ومرد ذلك إلى قصور إدراكه لمعاني الأحاديث فيخيل له هذا القصور أنها تعارض القرآن أو تصادم العقل، وقد يكون هذا العقل جهميًّا أو معتزليًّا أو غربيًّا، ويعترف الغزالي- كما يقول المدخلي- بقوامة الرجل على المرأة على إغماض ومضض، ثم يقصر هذه القوامة على البيت فقط؛ وهو رأي في حدود علمي لم يسبقه إليه أحد، فالإسلام يفرض على المرأة أن لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، وفي مجال السياسة يرى الغزالي أنَّ للمرأة أن تتولى المناصب العليا في الدولة فيقول: وللمرأة ذات الكفاءة العلمية والإدارية والسياسية أن تلي أي منصب ماعدا الخلافة العظمى.

وقرر المدخلي في نهاية بحثه- الذي قد يعد أعنف نقد لفكر الغزالي- أن رؤى الغزالي لا تعكس الرؤية الإسلامية، وقال: "فإني أرى أنَّ فكر الغزالي خطير جدًا على الإسلام فهو امتداد خطير لشتى الدعوات الرهيبة؛ فهو امتداد رهيب للاشتراكية والديمقراطية، وامتداد خطير لدعوة قاسم أمين إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في كل مجال".

هذه النتيجة النهائية لا تختلف في حدتها مع نهاية دراسة أبي بكر جابر الجزائري وسلمان العودة وغيرهما من المعارضين بشدة، لقد أنكر هؤلاء أن تكشف المرأة وجهها، وأن تتولى المناصب الإدارية الرفيعة في المجتمع، وأن تشتغل في السياسة، ويعتقد هؤلاء أن هذه مسائل محسومة شرعًا وليس من الحكمة مخالفة رأي السابقين في مثل هذه القضايا الحساسة.

الفريق المؤيد
ذكرت الدراسة بأنه لا يتفق كثير من الباحثين مع نتائج الدراسات السابقة؛ إذ يعتقد بعض المتخصصين في تحليل ببلوغرافيا الخطاب العربي حول المرأة في القرن العشرين أنَّ تيار الغزالي رغم التحديات الكثيرة إلا أنه يمثل تيارالإصلاح المعتدل في الخطاب الإسلامي (صالح وأبوالمجد ومصطفى، 2002 م، ص 115، 121، 481).

كتب عويس (2000م) فصلاً عن الغزالي وقضايا المرأة، وتوصل إلى أن الغزالي قاد تيارًا معتدلاً لإنصاف المرأة وتحقيق فعاليتها (ص 61 - 71)، وقام القرضاوي (1997م) بتتبع فكر الغزالي إزاء قضايا المرأة فوجدها رائدة، ثم قدَّم فكرةً عامةً مليئة بالشواهد المنقولة من كتب الغزالي (ص 208 -209 – 217).

من الدراسات الهامة في موضوع دراستنا دراسة للباحثة سهيلة الحسيني (1998م) أكدت فيها أن الغزالي قام بالدفاع عن المرأة منذ بداية الخمسينيات إلى آخر حياته (ص 15).

كما قامت هبة رؤوف عزت (1997م) بدراسة "الحق المر- الشيخ الغزالي وقضايا المرأة" فوجدت أنَّ الغزالي كان في الستينيات يؤكد على أولوية عمل المرأة داخل بيتها، ولكنه في الثمانينيات وبعد طول خبرة "يسعى إلى إيجاد توازن بين مسئولية المرأة داخل أسرتها ومسئوليتها تجاه قضايا الأمة" (ص 95)، يرى الغزالي كما تقول الباحثة: "أن مستقبل الإسلام رهن بإعادة النظر في قضايا عديدة، منها قضية المرأة، وأنَّ التضييق كان مدخلاً لأعداء الدين لكي ينفذوا إلى المجتمع الإسلامي" (ص 94).

أهمية الدراسة
تعود أهمية الدراسة- وِفْق الباحثَيْن- إلى أنَّ الدراسات النسوية تشهد اهتمامًا بالغًا في معظم بلدان العالم وعلى المستويين الرسمي والشعبي لأنها تعمل على حماية الحقوق الإنسانية وتعمل بصورة متواصلة لتحسين واقع المرأة، ويسعى العاملون في الفكر التربوي الإسلامي المعاصر إلى بناء حقل لدراسة قضايا المرأة المسلمة، ومن دواعي تأسيس هذا الحقل العلمي مواجهة إشكاليات التراث، وتحديات الحداثة من خلال النقد الذاتي، ومواجهة الخطاب الغربي، وتحقيق النهضة.

ولمَّا كان الغزالي قد طالب بضرورة تصحيح النظرة اتجاه المرأة وحقوقها، وانتقد بشدة بعض التقاليد المحسوبة على الإسلام، وهي ليست منه وحاول تقديم الصورة الصحيحة للمرأة في الإسلام، ولذا كان من الأهمية بمكان إجراء هذه الدراسة التي ترصد بشكل بانورامي إسهامات الغزالي في هذا الحقل.

أهداف الدراسة
أشار الباحثان إلى أنهما يوظفان في هذا البحث المنهج التحليلي الاستنباطي، وذكرا أنهما يحاولان الوصول إلى مجموعة من الأهداف، أقرَّا بأن الوصول إليها سيكون من خلال الإجابة على مجموعة من التساؤلات، وفي هذا يقولان: ونظرًا لكثرة كتب الغزالي، وندرة الشروح والتعاليق التي قام بها الباحثون في حقل التربية لتوضيح معالم تنشئة المرأة عند الغزالي بصورة مترابطة مستقلة مفصلة فإنَّ دراستنا الحالية ستتصدى للإجابة عن القضايا التالية:

1- ما المقصود بالتربية والتعليم والتثقيف عند الغزالي؟

2- ما المنطلقات التي ارتكز إليها الشيخ الغزالي في نظرته لتربية المرأة في ظل التحديات المعاصرة؟

3- ما موقف الشيخ الغزالي إزاء تحديات تربية المرأة وتعليمها؟

4- كيف يمكن الإفادة من آراء الغزالي في تصحيح نظرتنا للمرأة تربية، وتعليمًا، وأدوارًا، في مناهجنا التعليمية؟

وأشارا إلى أن المحاور التالي عرضها ستكون محاولة منهجية للإجابة عن الأسئلة السابقة".

التربية عند الغزالي

العلم أهم وسائلالتربية
تُشير الدراسة في هذا المحور إلى أنِّ الغزالي نظر للتربية نظرة عملية نابعة من السياق الثقافي العام؛ إذ أخذ يتتبع مدى تأثير قلة الوعي التربوي على واقع المجتمعات العربية المتردية وأثناء ذلك ذكر أكثر من تعريف للتربية والتعليم والثقافة، وأشار لبعض وسائل التأديب مع بيان واضح للأهمية السامية للتربية في رقي الأمم ونشر القيم.

ويضيف الباحثان بأن الغزالي قد رسم الإطار التربوي لمشروعه، وأكد على ضرورة تفعيل دور المرأة، فهي شقيقة الرجل وطلب العلم- بمعناه الشامل- فريضة عليها الإسلام والطاقات المعطلة، (ص 168).

وتحدث عن تثقيف المرأة وعرف التثقيف فقال: "هو تفتيق الذهن والمواهب وتصحيح فكرة الإنسان عن الكون والحياة وتعهد سلوكه بما يلائم الحق والواجب" (من هنا نعلم، ص
166).


كما قام في كتابه "صيحة التحذير من دعاة التنصير" بالتأكيد على أن التربية نشاط شعبي قبل كل شيء، ولا بد من تغيير التقاليد السيئة والأوهام الشائعة (ص 24-25)، ويرى في كتابه "نظرات في القرآن" أن التربية الناجحة تحتاج إلى البيئة السليمة، ويقول "والتربية المنشودة ليست دروسًا تُلقى, إنما هي جو يُصنع, وإيحاء بغزو الأرواح باليقين الحي والعزيمة الصادقة" (ص 94 ).

المنطلقات الفكرية
حدد الباحثان المنطلقات الفكرية للغزالي في خصوص تربية المرأة، في سبعة منطلقات تمَّ استقصاؤها من ثنايا كتبه، وكانت أولاهم وفق- الباحثين- متمثلة في "النظرة الكلية الشاملة للإصلاح" ويرى أنه يختلف عن معظم المصلحين في أنه يطالب بتربية المرأة تعليمًا راقيًا يؤهلها لإدارة منزلها ومجتمعها فتفيد أسرتها وتثري مجتمعها فالمرأة المؤهلة الملتزمة بآداب الإسلام تستحق أن تتقلد أرفع المناصب وتعمل في الوظائف العامة بحرية تامة.

ويضيف بأنَّ التربية التقليدية تعد المرأة في إطار ينحصر في البيت وفي بعض المهن داخل وزارتي الصحة والتدريس، بينما التربية عند الغزالي تطالب بإصلاح شامل عن طريق توسيع عملية إعداد المرأة لتدعم مسيرة التنمية دون الإخلال بوظيفتها في البيت.

وجاءت "النظرة النقدية" كثاني هذه المنطلقات، وأشار الباحثان إلى قيام الغزالي في كتابه "ركائز الإيمان" ببيان ضرر الأحاديث المكذوبة مثل حديث "لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف"، وحديث "خير للمرأة ألا ترى رجلاً ولا يراها رجلٌ"؛ فهذه الأحاديث الباطلة استقبلها الناس كأساس السلوك في بعض البيئات (ص 157).

وأشار الغزالي في "فقه السيرة" إلى أنَّ الجهل بالسنة النبوية جعل البعض يعزل النساء تمامًا عن الحياة العامة (ص 36).

وأشارت الدراسة إلى كشف الغزالي في كتابه "تراثنا الفكري" عن تخوفه من سيطرة بعض الحركات الإسلامية في حال الوصول للحكم؛ لأنهم لا يؤمنون بمبدأ التوسع في تعليم المرأة (ص 47، 63، 67)، وتناول الغزالي بعض المتدينين باللوم والإنكار؛ لأنهم لم يعرضوا سماحة الإسلام في قضايا المرأة، بل هم من أسباب نفور الحركات النسائية من تعاليم الإسلام، وفي نفس اللحظة انتقد الحركات النسائية؛ لأنها هاجمت الدين لا المتدينين (حصاد الغرور، ص 207).

ونجد في كتاب مقالات الشيخ محمد الغزالي إشكالية تعليم النساء في القرن العشرين, فلم تفتح المدارس أبوابها إلا بعد محاولات مضنية، ولا تزال فكرة عزل المرأة عن الدين والدنيا قائمة في أدمغة نفر من المتدينين (ج1, ص 29).

وانتقد الغزالي أيضًا الواقع العربي كممارسات اجتماعية وموروثات دينية، ووسع نطاق نقده ليشمل تحليل مواطن من التراث النصراني مع بيان أثرها السلبي على الفكر الإسلامي، فناقش في كتابه "صيحة التحذير من دعاة التنصير" قضية المرأة عند المسلمين والنصارى، كما صوَّب الغزالي سهام نقده لشبهات المستشرقين أيضًا.

الوسطية
كانت ثالثة المنطلقات الفكرية للغزالي في تربية المرأة، وأشارت الدراسة إلى تجلي وسطية الغزالي في أنه شجع عطاء المرأة في خدمة المجتمع والعمل خارج المنزل؛ وذلك عبر المشاركة في الأعمال التي تناسبها مع التأكيد على أن وظيفة ربة بيت وظيفة عظيمة، ولا تَعارض أبدًا بين المسارين، ولا توجد حاجة لأن تُخيَّر المرأة بين البيت أو العمل خارجه طالما أنها تستطيع الوفاء بحق الوظيفتين بصورة متوازنة، يحمل الإنسان في طياته طاقات عظيمة تتيح له ممارسة عمله في محيط المجتمع ودائرة الأسرة في تناغم.

"أسس لبرامج التدريب" أوردها الباحثان باعتبارها رابعة المنطلقات، وفي هذا تقول الدراسة "حض الغزالي المربين على تأهيل وتدريب المتعلمين (قذائف الحق، ص 300) بعد رسم الأهداف المطلوبة، وذلك لغرس وممارسة كل المفاهيم التي من شأنها تهذيب النفس سواء داخل الأسرة أو في جنبات المجتمع، إعداد البرامج التدريبية المناسبة لترسيخ المفاهيم الاجتماعية العادلة تجعل عملية تمكين المرأة في دائرة التأثير والتقويم والتطوير".

وتشير الدراسة إلى أنه يرى أن لا بد من رعاية الأسس النفسية والاجتماعية من أجل تقديم برامج إصلاحية نافعة وحدد مجموعة من الأسس في هذا الإطار ذكر منها: توثيق الصلة بين المرأة وينابيع الثقافة الدينية والمدنية، وإعادة الحياة للعلاقة بين النساء وبيوت الله في الصلوات، فضلاً عن تدريس الوظائف التربوية للبيت المسلم حتى نستطيع تخريج أجيال تعرف ربها ودينها ومعاشها ومعادها، كما أوصى بالحكم بإعدام ما تواصى المسلمون به في تقاليد الزواج من مغالاة في المهور وإسراف في الحفلات، ووصل ما بين البيت المسلم وقضايا المجتمع الكبرى (قذائف الحق، ص 298).

كما عرضت الدراسة لبعض المنطلقات الأخرى مثل "ضبط الواقع لا الخضوع لضغطه" و"الأصالة والمعاصرة" والموضوعية وتنوع المصادر".

تحديات التربية
استهل الباحثان هذا الفصل بالقول بأنه ليس من السهل دائمًا تحديد موقف الغزالي إزاء عدد من القضايا الحساسة التي تمس حركة المرأة ونموذج تعليمها؛ لأن الشيخ قد تراجع عن بعض مواقفه السابقة، وأخذ في كتاباته الأخيرة يأخذ منحى المرونة القائمة على الموازنة بين ركائز الأصالة وبين مكاسب المعاصرة؛ حيث حدد الغزالي موقفه من عدد من القضايا منها: موقع المرأة في البيت وفي المجتمع ونوع التعليم المناسب لها؛ فتحدث عن المرأة والاختلاط كما تحدث عن ثقافة المرأة ودور الحركات النسائية.. ثم شرح الباحثان هذه القضايا من وجهة نظر الغزالي بشيء من التفصيل، ننتقي قضية الاختلاط نظرًا لجدليتها ونعرضها في هذا المقام وفق ما أوردها الباحثان كما يلي:

"يؤمن عدد غير قليل من الباحثين بعدم اختلاط الرجال بالنساء في الأماكن العامة والخاصة إلا لضرورة ووفق شروط شرعية صارمة منها أن لا تكشف المرأة عن وجهها، فالمرأة عند بعض السابقين "ناقصة العقل قليلة الدين ليست أهلاً لحضور المحافل"، وذهب بعضهم إلى أن أصول الشريعة الإسلامية تضمنت أن "المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة" (الدلال، 2001 م، ص 49) وهي آراء قديمة ومازالت منتشرة إلى هذه الساعة في الساحة العربية إلا أنَّ الغزالي يرفض الإذعان لها؛ لأنها حيطة متكلفة ولا تستند إلى قطعيات الدين وبراهين العقل، ولقد شجَّع الغزالي النساء على حرية التحرك الفعال خارج البيت ولم يمانع من تولي النساء المؤهلات أغلب المناصب في الدولة إذا لم تتعارض متطلبات تلك المهن مع طبيعتهن ووظيفتهن في الأسرة كما سمح الغزالي للمرأة بدخول أجهزة الإعلام والمشاركة في الغناء مادام الغناء شريف الغرض، عفيف الأداء (الحق المر، ج 3، ص 232).

شرح الغزالي في كتابه "هذا ديننا" طبيعة الحياة بين الرجل والمرأة، وحذَّر من إقحام المرأة في كل مجال (ص 142)، ويرى المؤلف في هذا الكتاب أنَّ الإسلام يرفض ازدواج التعليم، فلكل من الجنسين مدارسه وجامعاته" (ص 183).

ولقد تراجع الغزالي عن هذا الرأي فيما يتصل بالاختلاط المحتشم في المرحلة الجامعية، كما سوف نرى لاحقًا، وطالب الغزالي بضرورة السماح للمرأة بارتياد المساجد والمدارس، وبين أن سفور الوجه ليس محرمًا، وأكد أن تدريب المجتمع على تطبيق الفضائل والآداب العامة "يحتاج إلى تربية على نطاق أتم وأشمل" (من هنا نعلم، ص 160 – 166).

يرى الغزالي أنَّ المرأة يمكنها أن تعمل في تدريس الأطفال إلى سن التاسعة أو الحادية عشرة (حقوق الإنسان، ص 96)، وهنا نجد الغزالي قد يختلف عن بعض أقرانه من العلماء الذين يطالبون بفصل الطلاب عن الطالبات، ومنع كل ما يحوم حول الاختلاط مهما كان أمره (ابن عثيمين، 2003 م)، قد لا يعتمد التوجه على نص قطعي مباشر، ولكنه يعتبر الأضرار الناتجة تقود إلى منع كافة صور الاختلاط.

وافق الغزالي على اختلاط البنين والبنات في جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية في الجزائر، وكان ذلك في دائرة الأدب والحياء، ولكن الغزالي حذَّر من التعليم المختلط في المدارس الثانوية؛ لأنه جمع يوقد الشر ويؤجج المشاعر عند المراهقين فطبيعة هذه المرحلة لا تسمح بذلك، وستكون الدراسة فاشلة، كما طالب بتوحيد زي الطالبات في جميع مراحل التعليم (الحق المر، ج3، ص 38)، وهكذا لم يمنع الغزالي الاختلاط بين الجنسين على إطلاقه بل فصَّل في الأمر".

تطوير تعليم المرأة
كيف نستفيد من تراث الغزالي عمليًا في تطوير مناهج التعليم وفي مضمار التوعية الجماهيرية؟ سؤال يحاول الباحثان الإجابة عليه في هذا المحور، وقد خلصت إجابته بقولهما "يمثل منهج الغزالي في التوجيه الجماهيري ثروة هائلة تشمل مقالات جريئة، وكتبًا هادفة، وخطبًا مؤثرة، ومواقف نادرة "فهي ذخيرة لكل مسلم"، كما يقول القرضاوي (ص58)، يستطيع المربون انتقاء مقطوعات تربوية وتعليمية من ذلك الفكر الأصيل النابض وتسخيره لنهضة حضارية تقوم على توظيف طاقات المرأة المعطلة، وجعل قضيتها ركيزة إيمانية لبناء فلسفة واضحة وتحديد معالم إستراتيجية محددة لتثقيف المرأة، وتصويب المفاهيم الشعبية الخاطئة، ومراجعة الموروثات الفكرية الشائعة كوظيفة أولى للتربية، والرد على شبهات الغلاة، والتعريف بالتربية الإسلامية عالميًا".

تجديد فكر المصلحين أقرَّ الباحثان تحت هذا العنوان بأنَّ أهم ما يميز فكر الغزالي أنه يعتز بالمصلحين ويقر بفضلهم، ويقدر مواقفهم، ويتخير من آرائهم ولكن لا يتحيز لفكرهم.

التربية الصحيحة هي القوة الفعلية لنهضة الأمم دومًا، ورغم أنَّ الغزالي شديد الإعجاب بالأفغاني وفكره في الإصلاح السياسي إلا أنه لا يعتبر تغيير الحكومات هو الحل الجذري؛ لأن رفع مستوى الشعوب (الحق المر، ج2، ص 62) والجهاد التربوي، كما فعل محمد عبده هو أقرب مناهج الإصلاح للصواب؛ لهذا توجه الغزالي نحو دراسة أحوال المجتمع المسلم فجاءت قضية المرأة، وتوسيع دائرة تعليمها، وفتح المجال لمساهماتها في مقدمة منهاجه العملي في الإصلاح الاجتماعي، وهو مسار طويل بدأه ابن باديس والإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا وجاء الغزالي الذي تتلمذ في مدرسة الإمام حسن البنا فوسَّعه وعمق نطاقه دون التقليل من شأن الإصلاح السياسي، ويتفق الغزالي مع محمد عبده في تقديم العمل التربوي الجماهيري على العمل السياسي الضيق "فالفساد يهبط من أعلى إلى أدنى، والإصلاح يصعد من أدنى إلى أعلى" (محاضرات الشيخ، ص 139).

يؤيد الغزالي ابن باديس المصلح الجزائري الكبير الذي آمن بحق المرأة في التعلم، وطالب بمشاركتها في عملية بناء الأمة (تراثنا الفكري، ص 48، القرضاوي، 1997، ص 62)، ولا شك أن ابن باديس اعتبر تعليم المرأة وفق الضوابط الدينية من أهم دعائم التربية ولا بد من تعليمها مجانًا (حميداتو، 1418 ه)، كما ظل الغزالي شديد الإعجاب بأستاذه وشيخه الإمام حسن البنا وظل وفيًا لأفكاره الإصلاحية الشمولية ومن بينها قضية المرأة.

النتائج
توصل الباحثان في مؤخرة دراستهما إلى مجموعة من النتائج حول فكر الغزالي، وفي هذا يقولان: من خلال استقراء فكر الغزالي نجد أنَّ علم الدين يكمل علم الدنيا ويرشد إليه، والعكس صحيح فالدين يقوم على مبدأ إعمال العقل، وإعمار الحياة، الرجل مع المرأة يتحملان هذه الرسالة السامية التي لا تتحقق إلا بالتربية القويمة التي تُزكي الخلق، وتنمي المواهب والاستعدادات، وتوسع المدارك، وتحسن السلوك.

وجاءت التربية الإسلامية لإسعاد النفس ولتسيير أمور الناس باليسر والسماحة لخدمة غايات دنيوية ودينية نبيلة، ولكن الفكر التقليدي ضيَّق واسعًا وكبَّل ثقافتنا المعاصرة بقيود اجتماعية ثقيلة ليست من محكمات الدين، كما أنَّ التسليم المطلق لفكر الغرب عند بعض المثقفين أوقع العرب اليوم في مهاوي لا تقل خطورةً عن التشدد والتدين الفاسد، وهذا الأمر جعل الغزالي يبني فكره الإصلاحي الحر على نقد كل الأعراف الراكدة والوافدة لا سيما في حقل تربية النساء.

تُركِّز فلسفةُ الغزالي التربوية على ضرورة الإصلاح الشامل وضرورة تقديم الفكر الإسلامي المنفتح "عن طريق السلوك الحميد, وعن طريق التعاون مع كل من يمكن التعاون معهم" (العدوي 1997, ص 15)؛ لأن الحكمة لا وطنَ لها فأينما وجدها المسلم فهو أحق الناس بها.

كما حاول الغزالي في تفسيره للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والتراث الإنساني الضخم أن يرسم معالم التربية الإسلامية السليمة، ويستخلص جوهر المنهج المتفتح الذي أرساه الإسلام فجاءت أطروحات الغزالي ومقالاته المتفرقة، وكتبه الكثيرة، وأشرطته السمعية المتنوعة لحل المشكلات الثقافية والاجتماعية المعاصرة، ويرى الغزالي أنَّ بعض العادات الجائرة في مسألة تنشئة المرأة عقبة كؤود في طريق تكوين شخصية مستقلة تمارس حقوقها في الاختيار وصنع القرار، فلذلك خصص جهاده الفكري لمعالجة الموضوعات ذات الصلة بهدف النهوض بالمرأة.

ومن الملاحظ أنَّ الغزالي في مشروعه الإسلامي الرائد في تحرير المرأة لم ينتقد سلبية المرأة المسلمة عندما تخلت عن ممارسة حقوقها الشرعية، وكان يلوم التفكير الجامد المتأثر بالبيئة عند بعض الفقهاء، وكان يلوم التدين الفاسد، وكان يلوم الهجمات التغريبية، ونعتقد أن ما سبق من أهم أسباب اختزال دور المرأة في دائرة نمطية محدودة إلا أن تنازل المرأة عن المطالبة بممارسة حقوقها بصورة شاملة من الأسباب الهامة لتدني مستوى عطائها الحضاري.

الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى ورحلة الإصلاح تبدأ- فيما نرى- بفتح باب النقد الذاتي الموضوعي، كما شرع بذلك الغزالي ونتمم مسيرة مشروعه الحضاري بدراسة أمينة لأسباب انتكاس مكانة المرأة مع العمل على تفعيل دورها بعد التفريط المشين الذي أصاب مفهوم: النساء شقائق الرجال في تعمير الأرض بالشورى والحكمة، والنشاط والحركة
----------------------------------------------------------
5-
الداعية الناجح في فكر الغزالي *

الغزالي .. لسان الحقالمر
كثير من الناس إذا ذُكر اسم الداعية ينصرف ذهنه إلى الخطيب، وإذا ذُكر اسم الخطيب ينصرف إلى الداعية.
والحقيقة أن الداعية يختلف عن الخطيب، وعمل الداعية غير عمل الخطيب؛ إذ الخطيب يقتصر عمله -في الغالب- على أداء خطبة الجمعة، وتفعيل الناس بعدها، ومحاولة رد الشبهات عنها، وتوضيح بعض المبهمات، وإجابة بعض التساؤلات، بينما عمل الداعية أشمل وأوسع وأعمق.
ذلك أن الداعية طبيب يَطبُّ المجتمع من أدوائه، ويبرئه من علله، ويعالج مشكلات الناس، ويلبي حاجات المجتمع؛ فهو عقل قادر على الربط بين مشكلات المجتمع وثقافة الدعوة، يشخص فيه الداء؛ ليصف له الدواء.
إن الخطابة تمثل إحدى وسائل الدعوة التي تشمل وسائل أخرى عديدة، منها: القدوة الحسنة، والتعليم والتذكير، والكتابة بأنواعها، والترغيب والترهيب، والعمل المتواصل من أجل قضاء مصالح الخَلْق، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية المختلفة، والقيام بكل ما يوصف بالعمل الصالح في مجتمع من المجتمعات.
ومن الخير -أيضا- أن نفرق بين الصفات أو الخصائص والمقومات؛ فالمقومات هي ما يكوِّن للداعية ذاته وينشئ بنيانه، أما الصفات والخصائص فهي شيء خارج عن تكوين الداعية، أو ملتصق بجسده؛ فالمبنى مثلا يتكون من حجرات وأدوار ومواد كونت هذا البناء، هذه هي المقومات، أما الصفات والخصائص فهي كأن يكون المبنى مرتفعا وحجراته واسعة، ولونه كذا... إلخ؛ فالمقومات -بتعبير المناطقة- جوهر، بينما الخصائص والصفات عَرَض.
ويطيب الحديث عن خصائص الداعية ومقوماته إذا كان من خلال داعية كبير مثل الشيخ محمد الغزالي، الذي عاش حياته داعيا إلى الله مجاهدا في سبيله، ومات وهو يدافع عن الدعوة.
لا غنى عن الوحي
يرى الشيخ الغزالي -ابتداء- أن الناس لا غنى لهم عن هداية الله كما لا غنى لهم عن رزقه؛ فهم فقراء فيما يطعم أبدانهم من جوع، وفيما يزكِّي أرواحهم من كدر.
ومهما أوتي بعضهم من ذكاء أو صفاء؛ فإنه لن يستطيع تدبير شأنه وإصلاح أمره بعيدًا عن وحي الله وتعاليم أنبيائه.
إن الأمم إذا لم تنتعش برسالات السماء؛ فهي جماهير من موتى القلوب، أو هي ألوف من الرمم الهامدة، وإن حرّكتها الغرائز السافلة، والأمم مهما ارتقت من الناحية النظرية أو الصناعية، فإن بعدها عن الله يزين لها من الجرائم ما تنحط به إلى الدرك الأسفل، وما تتعرض به لأوخم العواقب.
إن الجفاف الروحي والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين، والصدود الغريب عن تراث النبيين، وغلبة الأَثَرَة والجشع على الأقوياء، وسيادة المنطق المادي في كل شيء.. إن هذا نذير شؤم، وأي تقدم يحرزه العِلْم في تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل، ما لم يصحبه عَوْد سريع إلى الله، وإعزاز لأمره، وإعلاء لشرعه(1).
ويؤكد الشيخ دوما على أن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة؛ فالأمم العظيمة ليست إلا صناعةً حسنة لنفر من الرجال الموهوبين، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض الموات، وأثر الشعاع في المكان المظلم.
فرق بين العالم والداعية
إذا كان الأمر بهذه الأهمية فليس كل إنسان -بداهة- يصلح أن يكون داعية؛ فقد يكون المرء عالِمًا كبيرًا، ولا يكون داعيةً، فالداعية له مؤهلات أو خصائص قد لا تتوافر لغيره من العلماء الباحثين (الأكاديميين)، والدعاة أنفسهم متفاوتون في حظهم مِنْ هذه الخصائص.
وربما تبدو هذه الخصائص لأول وهلة نعوتا عامة يجب وجودها في جماهير المسلمين، ولا يختص بها نفر من الناس، بيد أن هذه النعوت وإن كانت شائعة في عامة المؤمنين فإن أنصبة الدعاة من معناها يجب أن يكون أَرْبَى وأزكى.
إن حقائق الدرس بعد أن يشرحها الأستاذ قد تظهر متساوية لدى الجميع، وقد يظن التلاميذ أنهم ومعلمهم أصبحوا سواء في وعيها، وهذا بعيد؛ فإن الأستاذ لديه من رسوخ المعلومات ووضوحها، ومن القدرة على تقليبها وعرضها ما يعز على غيره، وقد يوجد في الناس من امتلأ قلبه بالإيمان، لكن هذا الإيمان لا يعدو أصحابه، والإناء لكي ينضح على ما حوله يجب أن يفيض، وأن ينزل فيه ما يزيد على سعته وما ينسكب من جوانبه؛ فنفوس الدعاة يجب أن يكون لديها مقادير من اليقين والحماس والفضل يتجاوزها إلى ما عداها، ويجعل الاستفادة منها ميسرة للآخرين(2).
وقد استقرأنا استقراء سريعا كتب الشيخ وتراثه، فوجدنا أبرز خصائص الداعية الناجح ومقوماته تتمثل فيما يلي:
أولا: حسن الصلة بالله تعالى

غلاف كتاب الحقالمر
وهي الصلة التي إليها يفيء الداعية ويرجع، وعليها يعتمد ويعوِّل، ومنها يستمد ويقتبس، ولها يدعو ويبتهل، وعندها تجد نفسه راحتها وعزاءها.
والشيخ الغزالي يسميها "الدعامة الأولى في أخلاق الدعاة"، ولا يجوز عنده أن ينفك هذا الخلق عن داعية من الدعاة؛ إذ كيف تدعو الناسَ إلى أحد وصِلَتك به واهية ومعرفتك به قليلة؟ ويشهد التاريخ أنه ما من نبي أو داعية أو مصلح إلا وكان له من حسن الصلة بالله النصيب الأوفر والقدح المعلَّى، وكانت صلته بالله قوية لا تخبو، حاضرة لا تغيب.
وإذا كان حسن الصلة بالله مطلبا ضروريًّا لكل مسلم، فكيف يكون حكمها في شأن الداعية؟
إن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله، ولدفع الناس إلى سبيله وصفِّهم في طريقه
لا بد أن يكون شعورهم بالله أعمق، وارتباطهم به أوثق، وشغلهم به أدوم، ورقابتهم له أقوى وأوضح.

وهذه الصلة تشمل في موكبها أرقى ما في الحياة، وأهم أسباب النجاة؛ ولهذا حقٌّ على الدعاة ألا يهنوا في الحياة، وألا يهونوا، وألا يعدلوا بنسبتهم إلى الله شيئا، وأن ينظروا إلى الحياة على أنهم أكبر منها، وأن تغلب رؤيتهم لله كل ما يملأ العين في زحام الأحياء وتكاثرهم(3).
ثانيا: إصلاح النفس
وهو أمر واجب على كل مسلم، ونصيب الدعاة منه أقوى وألصق، ولعل إصلاح النفس ومعالجتها أولى ثمرات حسن الصلة بالله تعالى؛ فمن ذكر الله وأحسن به الصلة بصَّره بعيوب نفسه، وجعله منها على بصيرة، أما الذين نسوا خالقهم فهم يسيرون على غير هدى، ويخبطون خبط عشواء: "وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [الحشر: 19].
إن من أخطر النقائص أن يدعو الداعية إلى خُلُق وقلبه منه فارغ، أو ينهى عن خلق ويراه الناس عليه، إنه -والحالة كذلك- لا يسيء إلى نفسه فحسب إنما يسيء إلى غيره من الدعاة، لا.. بل يسيء إلى الإسلام ذاته.
فضلا عن ذكر الشيخ لنوع من الدعاة يحسبون كل ما يقولونه لغيرهم ليس موجَّهًا إليهم بالدرجة الأولى.. إنما هو أمر يخص المخاطبين فقط، إنهم نَقَلَة فحسب، "أشرطة مسجلة" أو "أسطوانات معبأة" تدور بعض الوقت ليستمع الناس إليها، وهي تهرف بما لا تعرف، ثم توضع في أماكنها لتدار مرة أخرى إذا احتيج إليها.
ومع أن هذا النوع أهون من سابقه فإن الشيخ يقول عنهم: "هم آفة الإيمان، وسقام الحياة، وهم الثقل الذي يهوي بالمثل العليا ويمرغها في الأوحال"(4).
ثالثا: ذكاء العقل ونقاء القلب ودقة الفهم
وهذه فطرة يُفطر عليها الداعية ويُخْلق بها، تجعله يقدِّر الأمور بمقدارها، ويضع كل شيء في مكانه، ويزن كل شيء بالقسطاس المستقيم، وباختصار تعبر عنها كلمة "الحكمة": "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الألْبَابِ" [البقرة: 269].
ويوضح الشيخ مراده بذكاء العقل قائلا: "ولا أريد بالذكاء عبقرية فائقة، يكفي أن يرى الأشياء كما هي دون زيادة أو نقص؛ فقد رأيت بعض الناس مصابا بحَوَل فكري لا تنضبط معه الحقائق، قد يرى العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعا، ومن ثَمَّ يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة"(5).
كما يبين مراده بنقاء القلب فيقول: "لا أريد بنقاء القلب صفاء الملائكة، وإنما أنشد قلبا محبا للناس، عطوفا عليهم لا يفرح في زلتهم، ولا يشمت في عقوبتهم؛ بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب"(6).
وفي فكر الشيخ الغزالي -بل في أي فكر مستقيم- ينتج عن دقة الفهم عند الداعية التشخيص الصحيح للعلة التي أمامه، وتهيئة شفاء مناسب لها من كلام الله ورسوله، وبذلك يجيء نصحه طبا للمريض، ورحمة تُذهب عناءه، ونورًا يهديه السبيل.
والقدرة على هذا الأسلوب لا يُلقَّاها -عند الشيخ- إلا من استجمع ثروةً طائلة من نصوص الكتاب والسنة، تكون رصيدا عنده لأي داءٍ وافد أو مرض عارض، وإحاطةً تامة بطبيعة البيئة وأحوالها الخفية والجلية، وظروفها القريبة والبعيدة؛ ليكون ذا خبرة واعية بالميدان الذي سيعمل فيه، حتى يدرك كيف يصلح دنيا الناس بدين الله (7).
ذلك أن هناك دُعاة يَعِيشون في الماضي البعيد، وكأنَّ الإسلام دين تاريخي، وليس حاضرًا ومستقبلا، والغريب أنك قد تَراه يَتَحامَل على المُعْتَزِلة والجَهْمِية مَثلاً، وهو مُحِقٌّ في ذلك، ولكنه يَنْسَى أن الخُصومات التي تُواجِه الإسلام قد تَغَيَّرتْ وحَمَلَتْ حقائق وعناوين أخرى(8).
إن الداعية الذي لا يجمع بين الذكاء والنقاء يثير مشكلات معقدة أمام انتشار الإسلام؛ فلا دين إذا لم يتكون القلب النقي والعقل المؤمن، فمن فقد الضمير الصاحي والفكر الذكي فلا خير فيه(9).
رابعا: الإخلاص
ولا يتعجب القارئ من تأخير الإخلاص بعد حسن الصلة بالله وإصلاح النفس والذكاء والنقاء؛ فلا يغني الإخلاص شيئا إذا كانت صلة الداعية بالله واهنة، بل هما متلازمان، وكذلك الأمر إذا كان مخلصا ولا يتعهد نفسه بالعلاج والمجاهدة، أو يخالف قوله فعله، وهل يغني الإخلاص عن ذكاء العقل ونقاء القلب شيئا مذكورا؟
إن الحركة الإسلامية المعاصرة لأشد ما عانت من قوم لا يشكِّك أحد في إخلاصهم وتجردهم لله تعالى، لكنهم فاتهم كثير من حسن الفهم وعمق التجربة، فأساءوا إلى الإسلام من حيث أرادوا الإحسان، ولقيت الدعوة على أيديهم ما لم تلقه من أعدائها.
والإخلاص هو روح الدين ولباب العبادة وشرط قبول العمل؛ فلا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصا وابتُغي به وجهه، وقد قال ابن عطاء الله قديما: "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها".
وإذا كان الإخلاص فريضة على كل عابد؛ فهو في حق العامل والداعي أفرض وأوجب، وغني عن الذكر ما ورد في القرآن من آيات وفي السنة من أحاديث تحض على الإخلاص في العمل والعبادة، وتحذر من الشرك بالله وابتغاء غير وجهه تعالى بالعمل.
إن الداعية المرائي -في فكر الشيخ- يقترف جريمة مزدوجة، إنه في جبين الدين سُبَّة متنقلة وآفة جائحة، وتقهقُرُ الأديان في حلبة الحياة يرجع إلى مسالك هؤلاء الأدعياء، وقد رويت آثار كثيرة تفضح سيرتهم وتكشف عقباهم، والذي يحصي ما أصاب قضايا الإيمان من انتكاسات على أيدي أدعياء التدين لا يستكثر ما أعد لهم في الآخرة من ويل.. والعمل الخالص الطيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- هو الذي يقوم به صاحبه بدوافع اليقين المحض وابتغاء وجه الله، دون اكتراث برضا أو سخط، ودون تحرٍّ لإجابة رغبة أو كبح رغبة(10).
خامسا: الثقافة الموسوعية

غلاف كتاب الطريق منهنا
فقر الثقافة للدعاة يمثل -في فكر الشيخ- خطرا أشد من فقر الدم، وأسوأ عقبى من الفقر المالي، والشعب الذي يعاني الغباء والتخلف لا يصلح للمعالي، ولا يستطيع حمل رسالة كبيرة(11).
فغزارة الثقافة وسعة الأفق وروعة الحصيلة العلمية خِلالٌ لا بد منها لأي داعية موفق، وكيف لا والداعية يواجه طبقات شتى واهتمامات متعددة تختلف باختلاف الناس؟ إنه يخاطب الطبيب والمهندس والأستاذ والمعلِّم والعامل والصانع والحائك والتاجر، والمتعلم والجاهل، والمؤدب وسيئ الأدب، والعاقل والأحمق، إنه يحتاج إلى ثقافة تضم هؤلاء جميعا وتؤثر فيهم.
ولهذا يطلق الشيخ الغزالي العنان في الثقافة أمام الداعية، يقول: "إن الداعِيَة المسلم في عَصْرِنا هذا يجب أن يكون ذا ثَرْوَةٍ طائلة من الثقافة الإسلامية والإنسانية؛ بمعنى أن يكون عارفًا للكتاب والسُّنَّة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مُلِمًّا بالتاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة، والثقافات الإنسانية المُعاصرة التي تَتَّصِل بشتَّى المذاهب والفَلْسَفات ... ويحتاج الداعية المسلم في هذا العصر إلى بصر بأساليب أعداء الإسلام على اختلاف مَنازِعِهم، سواءً كانوا مُلْحِدين يُنْكِرون الألوهية أو كِتابِيِّينَ يُنْكِرون الإسلام"(12).
كما يحتاج الداعية -في نظره- إلى علوم العربية والأدب شعرا ونثرا؛ ف"الداعية الذي يشعر بغربة في ميدان الأدب يجب أن يترك ميدان الدعوة لفوره؛ فإن الذي يحاول خدمة الرسالة الإسلامية دون أن يكون محيطا بأدب العربية في شتى أعصارها إنما يحاول عبثا، وأنَّى لرجل محروم من حاسة البلاغة أن يخدم دينا كتابه معجزة بيانية، ورسوله إمام للحكمة وفصل الخطاب!"(13).
ويركز الشيخ الغزالي في الثقافة على فهم القرآن أولا قبل السنة بالذات؛ لأن السنة مبيِّنة له، وشارحة لغامضه، وموضحة لمبهمه، وقد قال الله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل: 44). فالنفس الإنسانية لا تدرك أطرافا من الكمال الأعلى يغرس في أعماقها أروع العقائد وأرسخ الإيمان إلا إذا اتصلت بهذا القرآن واستمعت إليه وفتحت أنظارها لهَدْيه(14).
سادسا: صفات جامعة
وهناك صفات أخرى عديدة، لعل أهمها الشجاعة والجرأة ما دام الداعية على حق في مواجهة باطل، وهي صفة يسقط عندها كثير من الدعاة إلا مَنْ عصم الله وسدَّد، ذلك أن فتن الحياة كثيرة؛ فهذه رغبة في مال أو منصب تُثْنِي، وتلك رهبة عن طريق رزق أو ولد تَصُدُّ، وهذا سلطان يخيف، وذاك جبار يُقْعِد. إن الفتن من حول الإنسان كفيلة أن تُقعد الداعية وتُثنيه عن قولة الحق والصدع بها ما لم يكن معه من الإيمان وحب الحق والطهر ما يجعله يوضح معالم الهدى، ويعلي كلمة الله.
والشجاعة في الجهر بالحق عند الشيخ تنبعث من اجتماع خُلُقَين عظيمين: أولهما: امتلاك الإنسان نفسه، وانطلاقه من قيود الرغبة والرَّهْبة، وارتضاؤه لونًا من الحياة بعيدا عن ذل الطمع، وشهوة التنعم؛ فكم من داعٍ يبصر الحق ويقدر على التذكير به، ولكنه يحتبس في حَلْقِه فلا يسمع به أحد.. لماذا؟ لأنه لو نطق لَحُرِمَ من هذا النفع، أو لغضب عليه هذا الرئيس، أو لَفَاتَه هذا الحظ، فهو -إيثارا لمتاع الدنيا- يلزم الصمت ويظلم اليقين(15).
ومن هذه الصفات الجامعة: التواضع والرحمة والتهلل والبشاشة والإنصاف والمروءة والوفاء وكل ما يزين المسلم فضلا عن الداعية(16).
وأختم هذا المقال بكلمة معجبة للشيخ تعبر أصدق تعبير، وتدل أتم دلالة وأصدقها على ما يجب توفيره في الداعية؛ بحيث تسير هذه الكلمة علما يُهْتَدَى به، ووميضًا يبرق للعاملين، يقول -وما أحسن ما قال-: "ولو ذهبنا نستقصي الخِلال التي تلزم لمن يتعرضون لهذا المنصب لطال حبل الحديث؛ فلنكتفِ بذكر هذه الحقيقة: إن الداعية يؤدي وظيفة سبقه النبيون إليها، وإنه أحق الناس باقتباس شمائلهم، والاقتداء بهداهم، وأخذ الأسوة من محياهم ومماتهم، وأنجحُ الناس في أداء هذه الرسالة مَنْ ترى وراثات النبوة في خلقه وسلوكه، وعبادته وجهاده وتضحياته، وكبريائه على الدنيا، ومقاومته لفتنتها، ومعاملته لذوي السلطان غير راغب ولا راهب"(17).
طالع في هذا الملف:باحث دكتوراة بكلية دار العلوم بالقاهرة.
(1) مع الله.. دراسات في الدعوة والدعاة: 15، 17،19. دار الكتب الإسلامية. القاهرة. ط. سادسة 1405ه.
(2) مع الله: 166، وفي موكب الدعوة: 83. طبع نهضة مصر. القاهرة. ط.أولى. 1997م.
(3) مع الله: 167-168، وعلل وأدوية: 166-167. دار الكتب الإسلامية. القاهرة. ط ثانية. 1405ه، والغزو الثقافي يمتد في فراغنا: 210. طبع مؤسسة الشرق للعلاقات العامة والنشر والترجمة. الأردن. ط. ثانية. 1985م.
(4) مع الله: 171.
(5) الحق المر: 135. طبع مركز الإعلام العربي. القاهرة. ط. ثانية. 1417ه، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة: 1/17. طبع دار الاعتصام. القاهرة. بدون تاريخ.
(6) السابق: نفس الصفحة، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي: 1/16.
(7) مع الله: 173-174، 179.
(8) خطب الشيخ محمد الغزالي: 1/16.
(9) الحق المر: 136،141، وعلل وأدوية: 208-210.
(10) مع الله: 180-181، 184.
(11) راجع مثلا كنوز من السنة: 12. ضمن مهرجان القراءة للجميع. 1999م.
(12) خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة: 1/16، وانظر: مع الله: 195، وما بعدها، وراجع بتوسع ثقافة الداعية للشيخ يوسف القرضاوي.
(13) مع الله: 201.
(14) راجع تركيز الشيخ على القرآن والاهتمام بفهمه في: هموم داعية: 31-33، 147-149، ومشكلات في طريق الحياة الإسلامية: 82-83. ضمن سلسلة كتاب الأمة، كنوز من السنة: 12-14، والغزو الثقافي: 211، 214، ومع الله: 21، 377، وما بعدها، ولعل أكبر ما يشير إلى ذلك عند الشيخ مؤلفاته التي خلفها عن القرآن وتفسيره.
(15) مع الله: 192.
(16) راجع مثلا: الحق المر: 121، وفي موكب الدعوة: 73، وتأملات في الدين والحياة: 187-190. طبع دار الدعوة. الإسكندرية.ط. أولى. 1410ه.
(17) مع الله: 194-195.
*نقلا عن مجلة المجتمع، العدد 1562
---------------------------------------------------------------------


6-القرآن الكريم في فكر الشيخ الغزالي رحمه الله

د. مصطفى بن الناصر وينتن

عاش الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى حياة ملؤها الجد والحزم والمثابرة في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل وكان رجل فكر متميز بما أوتي من غزير علم وسديد نظر للوجود، وبما كان يوفق إليه في دراسة الأوضاع من إدراك العلاقات بين ماضي الأمم وحاضرها، وبين الأمم في صراعها على البقاء، وفي إدراك سنن الله تعالى في خلقه، والبحث عما يفيد الأمة الإسلامية في نهوضها من سباتها.
وكانت القضية التي عاش في سبيل تحقيقها تبصير الأمة بواقعها واستنهاض همم أبنائها لتغيير ما بهم من الركوض، نهوضا ذكيا حضاريا فعَّالا، ينجح في اكتساب الخطوات ولا يتقهقر إلى الوراء بسبب الجهل بسنن الله تعالى التي تحكم الكون وتجعله يسير على نظام بديع دال على عظمته في خلقه.

واتخذ الشيخ رحمه الله الوسيلة الشافية والكافية التي كانت بيد الرسول صلى الله عليه وسلم وبها جاهد الكفار وبها أصلح شأن المؤمنين وهداهم للتي هي أقوم، وهي القرآن الكريم كلام رب العالمين إلى خلقه الذين برَأهم، وعلم ما يصلح لهم فتفضل عليهم بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إيمانا من شيخنا أنه لن يُصلح هذه الأمة في كل مراحل تاريخها إلاَّ بما صلح به أولها، وكان هذا سببا قويا في نجاح أغلب مساعيه ولعل أهمها ما فتح الله تعالى من أفئدة كثير من الخلق إلى تقبل نظراته وتحليلاته والسير على منهجه الذي دعاهم إليه، وكان هذا أيضا السبب الذي منعه أن ينتمي إلى جهة أو إلى مدرسة غير مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم (1).
وما كان لهذا المشوار الدعوي الذي قطعه الشيخ على مدار نصف قرن أو يزيد أن يخلو من معاناة ومنغصات وعقبات، سواء من الأباعد أو ذوي القربى، ذلك شأن المصلحين عموما؛ فهو يدعو إلى تغيير في قضايا من المألوف الذي درج عليه الناس منذ قرون فرانت عليه أفهام وداخلته اعتقادات رفعت من شأن العادات إلى درجة المعتقد الذي لا يمكن التخلي عنه بل لا يمكن المناقشة فيه تبعا لقداسة العقيدة في النفوس، فكان عليه أن يصحح هذه المفاهيم ويضع الأيدي على الأدواء بكل وضوح ويقنع المريض أنه حقا مريض، وليس كل طبيب يؤتى هذه الحكمة؛ وكان للشيخ نصيب وافر منها بلطف الله، يتجلى هذا في دراستنا لفكره المتعدد الجوانب الذي نجتزء منه في حديثنا هذا ما تعلق منه بالقرآن الكريم وكيف تعامل معه الشيخ ودعا إلى العمل به.
ونحن بهذا نلج بابا واسعا من فكرنا الإسلامي المعاصر، وجانبا عظيما يعز الوفاء بكل أطرافه، فالمتحدَّث عنه شيخ لم يكن كغيره من العلماء، والموضوع الاستفادة من كتاب الله تعالى، نسأله أن يلهمنا رشدنا، ويأخذ بأيدينا في الوقوف على أحسن ما دعانا إليه الشيخ الغزالي رحمه الله .
ونتدارس مسيرة الشيخ مع القرآن الكريم في عرض تاريخي عبر حياته، ثم كيف اعتبره الشيخ نقطة الارتكاز في العمل الفكري والإصلاحي، وأخيرا كيف قرأ على ضوء هديه الحياة الإسلامية المعاصرة وسبيل الاستفادة منه للتغيير.

مسيرة الغزالي مع القرآن
من المهم أن نعرف المسيرة والأشواط التي قطعها الشيخ رحمه الله في حياته الحافلة بالأعمال مع القرآن الكريم، كيف تعلَّمه وكيف توجه إلى خدمته.

ولد الشيخ سنة 1918م وعاش في بيئة مصرية مسلمة، وليس غريبا أن يتطلع الوالدان إلى الشرف الذي يحلم به كل المسلمين في العالم، أن يرزقهم الله تعالى ولدا يكون عاملا في سبيل الله وينضوي تحت راية أهل العلم بالدين وخاصة بالكتاب الكريم، وتلك أولى نعم الله على الشيخ فقد رزق والدا أفرغ الوسع والجهد وتحمل الصعاب والمشاق ماديا ومعنويا إذ كان يتعاون مع الكتاب على تحفيظ ابنه القرآن الكريم، حتى أقر الله عينه في ولده محمد الغزالي(2).
تعلم أولا بكتَّاب قرية "نكلا العنب" مبتدئا بحفظ كتاب الله تعالى وأتم ذلك وفي عمره عشر سنين، كانت بداية تبشر بخير وبنبوغ، وذاكرة قوية إضافة إلى ما صحبه من دلائل من الصغر، فقد استطاع أن يذكر ولا ينسى حملة الانكليز على قريته سنة 1920م وعمره ثلاث سنوات حينئذ(3).
وبهذا الحفظ ابتدأت الرحلة القرآنية التي صحبت حياته بل طبعتها واستحوذت على لبه وظهرت على أعماله، وهو يقول عن ذلك:«لقد صحبت القرآن من طفولتي وحفظته في سن العاشرة وما زلت أقرأه وأنا في العقد الثامن من العمر»(4)، وقد كان من أسباب محافظته على حفظ القرآن أنه كان يتلوه بالترتيب في صلواته(5)، وكما يشهد له رفيق الدرب وأخوه الشيخ يوسف القرضاوي فهو: «رجل قرآني ... ولم أره احتاج إلى المصحف الشريف للقراءة أو للمراجعة إنما مصحفه صدره»(6).
ومن الطريف أن الشيخ لم تكن له رغبة في هذا التوجه القرآني ولكن الله تعالى كتب له أن يكون من جنده ويسر له سبل ذلك وفتح قلبه لخدمة كتابه الكريم، فهو يقول عن ميوله الأولى: «كنت سباقا في علوم اللغة والأدب فقط، أما في الفقه والتفسير وغيرهما فقد كان نفوري شديدا من كتب "نور الإيضاح" و"متن القدوري" و"مجمع الأنهر على ملتقى الأبحر" التي كانت تقدم لنا الفقه الحنفي، كما كنت ضائقا بتفسير النسفي وأبي السعود وغيرهما...» (7) لكن كان القضاء سابقا على الميول والرغبة.
ومن جهة أخرى يذكر الشيخ جانبا من اهتمامه بالقرآن منذ الصغر، وأنه كان يأخذ أفهاما ساذجة عن معاني الألفاظ بسبب طريقة التلقين المقتصرة على الحفظ، فكان يمر على الآيات دون وعي بها وبمعانيها حتى تقدمت به السن فأرغم نفسه وحملها على العودة إلى القرآن ليدقق النظر والفهم ويترك عادة الحفظ المجرد عن التدبر ومحاولة الفهم(8).
تواصلت هذه الرحلة بعد الكتَّاب بتوجه الشيخ إلى الدراسة بالثانوية الأزهرية بالإسكندرية ثم جامعة الأزهر، وكانت له توجهات هي وليدة الأوضاع التي عاشها مواكبا فيها الحياة المصرية والأمة الإسلامية جمعاء، فجعل من علمه بكتاب الله تعالى سبيلا لتصحيح الأوضاع واستنهاض الهمم.

التوجه إلى الدراسة القرآنية والإنتاج فيها :
اتخذ عمله القرآني مظهرين أحدهما الخطب والدروس التي كان يلقيها على الناس عامتهم وخاصتهم، وثانيهما الكتب التي كانت تنشر إما جامعة لهذه الخطب أو متخصصة في جوانب متعددة من العلم يدرس فيها علاقة المسلمين بكتابهم ويقترح ما يراه صوابا من الرؤى والحلول للأوضاع.
ففي المظهر الأول كان الشيخ في اتصال مباشر مع الناس على اختلاف مشاربهم ومداركهم، يلقاهم في المساجد خاصة أو على شاشة التلفاز أو من خلال الأحاديث الإذاعية.
من هذه الأعمال دروسه التي كان يلقيها بجامع عمرو بن العاص وقد شهدت إقبالا عظيما من المسلمين كل يوم جمعة وكانت في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم من بدايته إلى أن وصل إلى سورة النساء، حيث صادف مناقشة البرلمان لقانون الأحوال الشخصية المصري فأُوقف عن الخطابة خوف أن تؤثر على مناقشات القانون أو أن تكون ضده، وكان عمله بهذا المسجد العامر اقتراحا من الشيخ عبد الحليم محمود رغم أن الشيخ الغزالي أبدى بعض الامتنناع أول الأمر نظرا لوضعية المسجد، ثم حمد الله بعد توليه المهمة وقال عنها وعن أثرها في الناس: «وبعد أن صليت الجمعة الأولى أدركت أن الله تعالى قد ألهم الرجل الصالح الشيخ عبد الحليم محمود ليعمر هذا المسجد المبارك ويحييه ليكون شاهدا على عراقة انتماء هذا البلد وشعبه إلى الإسلام وصدقه في حمل رسالته؛ وقررت أن أجعل من خطبتي فيه سلسلة متصلة من التفسير الموضوعي لآيات الكتاب الكريم، وأن أبدأ من أول القرآن وأستمر حتى نهايته إن شاء الله ومد في الأجل، ولم تمض جمعة أو ثلاث حتى صار الجامع الكبير يضيق بالمصلين على اتساعه، وكان كثير من المصلين يأتون من خارج القاهرة في سيارت يستأجرونها »(9)؛ ولما كان يدرس بجامعة أم القرى قدم بالموازاة أحاديث في إذاعة القرآن الكريم(10)؛ وقد اختار لنفسه لما جاء إلى جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة أن يتولى تدريس تفسير القرآن الكريم(11)، ولم ينفك أيضا يحدث الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة، وفي المساجد أيام الجمع، مساجد قسنطينة وغيرها من المدن الجزائرية التي حل بها، وفي الغالب كانت دروسه في التفسير الموضوعي لسورة من السور(12)، ولا يزال الجزائريون في كل القطر يحتفظون بذكرى الشيخ لما كان لدروسه من الوقع الجميل على قلوبهم.
لقد كان التفسير أداة في يده بها يبلغ الحق إلى الناس وعن طريقها يقرب إلى قلوبهم الهدي القرآني ويرغبهم في الانضواء تحت راية القرآن الكريم.
وفي المظهر الثاني فقد ترك الشيخ تراثا فكريا عظيما دل على رحلة طويلة من التعامل مع القرآن الكريم والبحث ضمن آياته وفي ثنايا سوره عن السبيل الواقعي للنهوض بالأمة ورد العدوان عنها من أطراف متعددة.
ومن هذا التراث الكتب التالية التي كانت في موضوع دراسة القرآن مباشرة وهي:
نظرات في القرآن: تحدث فيه عن القرآن الكريم وبعض علومه كثبوته ونزوله وجمعه؛ الناسخ والمنسوخ، ومسائل من التفسير الموضوعي على غير منهجه في آخر كتبه الذي خصصه لهذا الطريقة في التفسير.
معركة المصحف في العالم الإسلامي: وتناول فيه وضع الإسلام بين أهله والعالمين، والدعوة إليه وما تعترضه من عقبات، وبين صلاح القرآن للفرد والحكومات، وكيف يمكن النهوض به.
المحاور الخمسة للقرآن الكريم: وهو في التفسير الموضوعي على منهج جمع الآيات في الموضوع الواحد مع ملاحظة أهم المواضيع التي عني بها القرآن الكريم، فبنى الكتاب على أساس خمسة محاور هي أهم قضايا القرآن وهي "الله واحد"، و"الكون الدال على خالقه"،و"القصص القرآني"، و"العلوم الإنسانية"، و"ميدان التربية والتشريع"، ونحت هذه المحاور مسائل جزئية.
كيف نتعامل مع القرآن: وهو مدارسة أجراها معه الأستاذ عمر عبيد حسنة، تعد تثبيتا لنتائج تجارب عمر من التعامل مع القرآن الكريم، اقترحها المعهد العالمي للفكر الإسلامي استبقاء للتجربة للاستفادة حتى لا يضيع جهود العاملين بوفاتهم، وقد وافق الشيخ على ذلك، واكتسب الكتاب أهميته من حيث ظرفه الزمني إذ أعد في فترة رجوعه الأخير إلى مصر، وهي فترة متمزة في فكره بالنقد الذاتي واستخلاص النتائج والدروس(13). والكتاب يمثل من حيث موضوعه خلاصة النظرة الغزالية للعالم الإسلامي وما يكتنفه من أوضاع في المجالات المختلفة تستدعي العودة إلى القرآن وتجديد النظر إليه كمصدر للتغيير.
نحو تفسير موضوعي للقرآن: وهو المنهج الذي اقترحه جديدا في البحث عن الوحدة الموضوعية لكل سورة وتقديمها على أنها كل متكامل من الدروس والتوجيهات.
فقد نظر إلى القرآن وأدرك ما يعانيه من صراع بين العالمين ثم حاول دراسته واستكناه ما فيه من أسس وما فيه من أهم المواضيع الرئيسة، ثم قدم المنهج القويم الذي يراه صالحا للاستفادة من القرآن الكريم وفي الأخير قدم تطبيقا عمليا للتفسير، تفسير يأخذ بالاعتبار الواقع الذي تعيشه الدعوة الإسلامية وتحتاج فيه إلى حلول قرآنية؛ وكان هذا على مدار عمر مفكر جند نفسه للعمل في سبيل إحلال القرآن دستورا بديلا عن الأهواء التي عبدها البشر وعلاجا بديلا عن الطرق الملتوية التي اتبعها المسلمون في عهدهم الأخير.


مكانة القرآن الكريم في فكرالغزالي
إن مسيرة الشيخ مع القرآن الكريم في طول حياته تبين لنا اهتمامه الكبير بالقرآن وجعله محور العمل في كل شيء، فإذا استقى علما فمن القرآن وإذا أراد الحكم في أي موضوع فالقرآن هو المرجع، فكان رحمه الله من العلماء المجتهدين اجتهادا مبنيا على المرونة والمقاصد وكليات الدين(14)؛ وكان مرد هذا وسببه ما كان معه من الفقه بمقاصد القرآن الكلية، يحاول تدبر ما فيه من الأهداف والتعرف على كيفية تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم معه.
وأكبر مظهر لمكانة القرآن الكريم عنده حضوره في كل أعماله، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن أعماله كانت قرآنية؛ لأنه ندب نفسه لحمايته والدفاع عنه ورد ما ران على عقول الناس من خلفية بعيدة عن حقيقته سواء من المؤمنين به أو الكافرين الجاحدين له.
وفي هذا التوجه إنزال للقرآن على الواقع، الذي يرى وجوب الاهتمام به، فهو ابن دين لا يرى الخير إلاَّ فيما تحته عمل، وما كان جهاده طول حياته إلاَّ محاربة فكر أدار وجهه وتنكر لحق رغم أنه يعرفه، لكنه اعتبره من مخلفات العهود الغابرة، ويقول :«فإن العلم المعزول عن الواقع لا سبيل له في قلبي ولا في بالي»(15).
فكانت غالب أحاديثه حول آية أو حديث هما المحور الأساسي للقول، ولم يكن يقصد إلى التفسير بالمعنى التقليدي لكنه كان حاضرا دوما في عمله، وفي أثناء ذلك يقرأ الواقع على صفحاته ويحاول تفعيل الفهم لاستثماره في الواقع، وإبعاد الفهم السطحي أو المقتصر على اجترار أقوال السابقين.
ويجتهد في إيصال المعنى إلى محدثيه بأيسر سبيل ويجعلهم يعيشون التجربة القرآنية على الحقيقة كما يعيشها هو وينفعل ويتأثر بها، فكان كما وصفه الأستاذ طه جابر العلواني «ينفعل بما يقول أكثر مما ينفعل به سامعوه»(16) لما كان يعانيه ولصدق مراميه.
وأثناء التفسير يقدم الموضوع بإخلاص يصل إلى ما يريده من السورة و«كان ينزلها على أوضاع المسلمين قديما وحديثا، يعرض مفاصيلها ووحداتها عرضا موجزا لكنه مستوعِب، فتصبح بذلك السورة صورة شمسية كما يقول معروضة أمام عينيه، يفصل القول في موضوعها فيرسم بذَلك وحدة متكاملة متناسقة ما يظنه بعض الناس أشتاتا أو أجزاء مفككة»(17).
وكان هذا الاهتمام وليد تقدير للقرآن قدره الجدير به، وهو تقدير عالم خبر أنواعا من آثار السابقين والمتأخرين فما وجد وما ينبغي أن يجد أحسن من القرآن هداية، كتاب «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)»[ الإسراء].
ولهذا الكتاب الكريم اعتباره ومكانه ضمن سائر الموجودات وهو في فكر الشيخ الغزالي يعدل نصف الوجود كله فالمخلوقات جميعا دلائل على الله تعالى وجودا ووحدانية والقرآن كذلك مثلها في الدلالة ذلك كتاب مرئي منظور وهذا كتاب مسطور مقروء.
ولنصغ إليه يستشهد على هذه المكانة التي أولاها الله تعالى للقرآن فيقول الشيخ:«... ذكرت يوما أنه عندما أراد ربنا أن يتكلم عن بركته وامتداد نعمه، ذكر مرة القرآن ومرة الكون: «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الملك 1].
«تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا»[الفرقان:1].
وعندما أراد أن يذكر أنه أهل الثناء الحسن والحمد والشكران، قال:« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»[الأنعام:1].
وقال:« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ»[الكهف:1].
هذا التوازن بين الكون والوّحي يبقى لآخر الزمن كلاهما يدل على الآخر»(18).
وهو المحور الذي ارتكزت عليه الدعوة الإسلامية فالإسلام: «علم واسع الدوائر وقرآنه الكريم كون مسطور يضارع الكون المنظور في تفتيق العقول وتجلية الفطرة»(19)؛ وبكلا الكتابين قامت حجة الله تعالى على العباد.
ولما كانت هذه حقيقة مكانة القرآن الكريم في الوجود فإنه لا يمكن أن يتعارض المصدران أو يتناقضا بل يتفقان، ويسيران على منهج واحد إلى غاية واحدة، وماداما من مصدر واحد ف«...يستحيل أن تختلف حقيقة كونية وحقيقة قرآنية، كما لا يختلف قول العاقل وعمله، والواقع أن القرآن في الدلالة على الله :«كون » ناطق، كما أن هذا الكون الضخم :«قرآن» صامت وكلاهما ينبثق من ذات واحدة ويهدف إلى غاية واحدة» واستدل الشيخ لهذا بالإقسام على الكون وما فيه في القرآن(20) فلا يمكن أن يقسَم بما لا يصدقه المقسِم به ولا يدل عليه.
وهذه النظرة إلى الوجود وإلى القرآن الكريم هي التي بنى عليها المعهد العالمي للفكر الإسلامي منهجه في التعامل مع القضايا الفكرية، وبها سار في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر؛ وكان للشيخ إسهام كبير في وضع طروحات هذه المؤسسة، وأعمالها الفكرية.
وهو يقف موقفا معتدلا في هذا حتى لا يظن المرء أن القرآن بهذه المنزلة هو كتاب فنون، جامع لكل شيء بالمعنى التفصيلي، وهي القضية التي تتردد كثيرا في الأخذ بالإعجاز العلمي بين رفضه والإيغال فيه، فالشيخ يبعد القرآن مما قد يعتقد فيه أو يحمله البعض ما لم يحتمله ويقول: «إن القرآن الكريم ليس كتاب مباحث فنية في علوم الكون والحياة، وغاية ما ألمع إليه أنه وهو يبني اليقين على التأمل في ملوكت السموات والأرض وصف هذا العالم بكلمات موجزة حالفها الصدق على اختلاف العصور وارتقاء العقول»(21).
أما باعتبار المكانة الوظيفية فقد جاء القرآن من أجل الإنسان، ينير له الطريق وهو كتاب نزل للحياة يصوب الحق فيها ويخطئ الباطل(22)، لذلك لا يمكن أن يبتغى الهدي في سواه، أو يعدل عما فيه لأنه كله حق.
ومن هذا فهو كما استنتج الشيخ القرضاوي أول مرتكزات الفكر الدعوي عند الشيخ، تليه السنة ثم التاريخ ثم الثقافة العامة دينية وإنسانية ثم الواقع وهي في ذاتها ليست إلاَّ معينة على التفسير(23).
فهو يحاول أن يضع القرآن الكريم موضعه الجدير به حسب أهميته والرسالة التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريقه ويقول:«وليس في تاريخ الثقافة الإنسانية كتاب ينشئ العقل المؤمن إنشاء ويعرض آيات الله في الأنفس والآفاق لتكون ينابيع فكر يتعرف على الله ويستريح إلى عظمته كما وقع في هذا القرآن»(24).
ويظهر الشيخ جانبا من عظمة القرآن الكريم حين يتحدث عن مواجهته لخصومه إذ بلغ من القوة في الإقناع والتأثير أن جعل أعداءه وهم يخاصمونه يشعرون أنهم مبطلون فكان هذا بعض أسرار إعجازه، وابتغى البعض آيات مادية وقالوا «وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى» [الرعد:31] ولكنه أعظم من ذلك «... قرآن تسير به الرجال، وتُصلح به الأرض، ويُكلم به الأحياء.» (25)
وقد كان الشيخ رحمه الله مخلصا لما انتهى إليه من نتائج وما اعتقده من مكانة عمل على تبصير الناس بها بسبل قرآنية وكان ذلك أحد أسباب نجاح مساعيه وإتيانها أكلها وما تزال، فإنا لنرى في فكر الشيخ بسبب عمله القرآني نصاعة الإسلام والمنهج الذي يرتضيه القلب وتبتهج له النفس؛ لما يبعث فيها من الاطمئنان في صلتها بربها وسعادتها في إرضائه بعمران أرضه في الحياة الدنيا.
والشيخ في هذا التصور الجليل لم يكن إلاَّ مستجيبا لنداء القرآن الكريم وكان له شرف التبيين للناس، وإيقافهم على عللهم والوصول بهم إلى أن يطمئنوا إلى ما وصف لهم من أدوية من خلال ما يشخصه من واقع العالمين تجاه ربهم وقرآنه.

تشخيص موقف الأمة من القرآن وتصحيحه
لقد حفلت أعمال الشيخ بالسعي الحثيث على تصوير الحال التي عليه عامة الأمة أهل الفكر فيها وغيرهم في موقفهم من القرآن، ونحن نقف على بعض من هذه التشخيصات والتصحيحات التي قدمها الشيخ في المجال التربوي وفي المجال الفكري والمجال العملي والاجتماعي مما له صلة بالقرآن الكريم مباشرة.
وقد سبر الشيخ أوضاع الأمة ووقف على أسباب تخلفها، بل كان هذا الواقع أشد ما يؤلمه في حياته وعاش على أمل تغييره، ولم يكن يرى أسبابه من خارج الأمة فحسب بل كان تشخيصه منطلقا من واقع الأمة، ومما كسبت أيدينا من تعاملنا غير السليم مع القرآن تعاملا يتطلب الكثير من العمل والجرأة في الاعتراف بهذا الواقع، والإيمان بوجوب تغييره، وهذا هو السبب الذي جعل بعضا من المسلمين لا يتفقون معه وغيرَهم يكيد له؛ لأن الذي يدعو إليه يتعارض بل يصادم مصالحهم، ويتعارض مع مألوف المخالفين له من المسلمين، وليس من الميسور تغيير المنهاج وترك ما وجد عليه السابقون.
وترتكز آراء الشيخ في إصلاح الوضع على العودة المخلصة الجادة إلى القرآن الكريم، عودة في طرق التدريس والتعليم وعودة في منهج الفهم، وفي التعامل بمعناه الواسع،حتى يعود القرآن مركز الدائرة في ثقافة المسلم المعاصر، ومحور تفكيره ومنهج حياته.
ومن قبيل العودة إلى القرآن التسليم بقانون السببية كسنة إلهية لا تحابي أحدا، لأن الفساد إنما نشأ مما كسبته الأيدي، ولن يزول إلاَّ بزوال سببه، والقرآن هو المُخرج للأمة مما بها(26)، فلا بد من إصلاح خلل تعاملنا مع القرآن حتى يعود محركا لنا في أعمالنا.
وتميز منهج الشيخ في ندائه بالعودة إلى القرآن بالدعوة إلى النظرة الشاملة إليه، ونبذ النظر الجزئي السطحي المفضي إلى النتائج الجزئية والقريبة والآنية التي سرعان ما ينتهي صلاحها، أو يظهر عدم صحتها وعدم صوابها، فكان لابد من الاتجاه نحو القرآن الكريم بالجهد المطلوب الطويل النفس، والعميق النظر؛ ولا يعقل أن يدعو القرآن إلى استغلال الوجود المسخر للإنسان قدر الإمكان البشري ويبقى المسلمون في بدايات الطريق في أحسن أحوالهم وعلى هامش الحياة البشرية، وأسوأ من ذلك أن يكون الوضع ناشئا عن فهم سقيم للكتاب أو جزئي، وقد آتى الله عباده من آياته ليرفعهم بها لا ليخلدوا إلى الأرض بتركها واتباع الأهواء؛ وكانت دعوة الإصلاح الغزالية متعددة المجالات لهذه النظرة الشاملة أمام واقع متعدد الجوانب، كثير الواجهات الجهادية.
ولعل من أهم هذه الواجهات الجانب التربوي، حيث يقدم الشيخ تصورا عن الطريقة التي بها يتم نقل النص القرآني إلى الأجيال كل موسم دراسي، فهو يراها المرحلة الأولى التي ينبغي الاهتمام بها لتنشئة أجيال قرآنية يمكن لها أن تقف أمام التحديات التي يواجهها الحق في طريقه إلى العالمين، ولكن لا يجد في المؤسسات التي تتولى هذه المهمة النبيلة ما يشفي الغليل ويفي بالمقصود، لقد كان هذا من مسؤولية نظام الكتَّاب قديما وقد اختفى في غالب العالم الإسلامي وترك المجال إلى نظام المدارس القرآنية التي تتولى مهمة تحفيظ القرآن، ولكنها في حكم العدم من حيث عدم جدواها ونتائجها(27) في نظر الشيخ، وهذه المدارس في وضعيتها مثل التعليم الديني عموما؛ ذلك أن الخلل الذي تسرب إليها كان من جانب التصور الذي أخذه الناس عمن يكون مكلَّفا برعاية أمور الدين، وما زال عالقا بالأذهان صورة رجل الدين كما يقدمها بعض المتديِّنين أو كما تشاء جهات أن يكون عليها ذلك الإنسان العازف عن الواقع والدنيا الغافل عن حقائق الحياة، الذي يعيش على هامش الأحداث وكأنها لا تعنيه، ومن ثمة ألفوا أن يتولى أمور الدين ويوجه إليها من لا يطلب منه نباهة ولا فطنة ولا حدة ذكاء، أو كل الناس يمكنهم أن يلِجو هذا الباب، فكان نصيب الدين والقرآن أن يوجه إليه آخر الطلبة وأحيانا من لا يصلح لأي تخصص، فأصبحت المدارس القرآنية على شاكلة الزوايا في بعض مهامِّها الاجتماعية الإحسانية تؤي ذوي العاهات والإعاقات والفقراء والمساكين، فوجه إلى هذا العلم من أبناء الأمة أواخر المتعلمين رتبة في أقسامهم، والمطرودون من فروع العلم الأخرى؛ فكانت النتائج منطقية أن يتحمل الدعوة إلى الله من لا يعُون المناهج، ولا يتقنونها، ومن لا يقوون على تحمل المسؤوليات المنتظرة ممَّن يلقى إليه قول ثقيل، ومَن أُمر أن يتجرد ويجتهد ويجاهد جهادا كبيرا، وكيف يجاهد بالقرآن الجهاد الكبير من لا يقدر على تمثله التمثل الحقيقي أو لا يقوى على ذلك، ومن لا يعرف كيف يتعامل معه التعامل المطلوب؟
لقد كان هذا أول مواطن الخلل في التعامل مع القرآن وهو السبب الأول لأنه عليه مناط استمرار الأمة في دينها وكيانها العقدي والاجتماعي، فكانت النهايات على حسب المقدمات عرجاء، وقد اهتم الشيخ كثيرا بهذا الخلل ودعا إلى ضرورة العمل على تداركه وإصلاحه، وتبيان أن العناية بالقرآن لا تكون بمجرد تحفيظه لهذا النمط من الناس(28)؛ فوجب مراجعة مقاييس قبول من يتأهلون لحفظ القرآن وتحفيظه(29)؛ لما له من أثر على الأمة، ففي مدارس القرآن تصنع أجيال القرآن، مما يستدعي التفكير الجدي في مقاييس اختيار من ينتمون إليها، وضبط برامج التدريس فيها بما يكفل الحصول على النتائج المرضية، وكيف يؤمل من هذه المدارس على وضعها الحالي أن تفي بالغرض المرجو إذا كان لا يرتادها إلاَّ أضعف أبناء الأمة؟ وكيف يرجى منها التجديد إذا كان النشئ فيها لا يتعلمون إلاَّ التكرار والترديد؟ وليس لهم من أفق إلاَّ نقل الكتاب من السطور إلى الصدور دون وعيه بالعقول.
ولذا كان إلحاح الشيخ على وجوب دراسة منهج تحفيظ القرآن للصغار بطريقة تثمر رجالا واعين بما يحملون، وظل هذا الهاجس يراوده ولكن لم يشأ أن يتخذ فيه رأيا فرديا فدعا إلى وجوب إعادة النظر(30)، عسى هذه الدعوة تلقى من الباحثين في علوم التربية ومن الحاملين لأمل الإصلاح صدى وآذانا واعية، ومن أولي الأمر والشأن حافزا للتحرك في صالح خدمة الدين والتمكين له علميا ومنهجيا.
والذي يدعو إلى هذه الضرورة أنه من الواجب استبقاء تحفيظ القرآن وتواتره وتلاوته، ولأنه مابقي القرآن إلاَّ بسبب هذه الأعداد الوفيرة من الحفظة في كل جيل(31)؛ وحتى لا يكون عذرا لمن أثرت فيهم دعايات مغرضة بأن هذه المدارس ما هي إلاَّ ثقل على التلميذ وشحن لذهنه بما لايفهم وبما يعرقل نمو عقله، فقد لاحظ الشيخ أن هؤلاء أنفسهم يشحنون أذهان الأطفال بخيالات وخرافات بوسائل متعددة في حياة الطفل ولا يرون في ذلك غضاضة، في التلفاز وغيره، فإذا كان لابد من شغل ذهن التلميذ فلم لا يكون بما يفيده في مستقبل حياته الأرضية والأخروية؟(32)
الحق أن هذه القضية على أهمية عظمى لأن إصلاح الأوضاع وزرع الخير في النفوس إنما يثمر مع من نشأوا عليه، والجهد معهم أيسر، والخطر كل الخطر في سبق الشرور إلى نفوسهم، حينذاك يصبح العمل يستدعي جهودا مضاعفة ومناهج متعددة لعل الوضع يتدارك، فلم لا نجنِّب أنفسنا كل هذا العناء بالعمل من أول الطريق؟
والملاحظ على الأفكار خاصة في العالم المعاصر أنه يتوجه بها إلى الناشئة بأساليب ماكرة ذكية، ولن يخسر الجولة إلاَّ من سكت عن الواجب وانشغل بما هو جزئي عما هو أولى بالاهتمام.
ومن الجوانب التي أظهر فيها الشيخ مكانة القرآن في الأمة الجانب العلمي وتعاطي تفسير الكتاب العزيز خاصة، وهو من أجل العلوم التي واكبت الوجود الحضاري للأمة، لأنه هو الذي يوجه موقف المسلم من الحياة من خلال ما يقدمه من بيان للقرآن الكريم أول مصدر معرفي في الإسلام، وقد حصر الشيخ الثقافة القرآنية في التفسير في مدارس أهمها:
مدرسة الأثريين، المعتمدين على الحديث، والتي يعيب عليها ربطها التفسير بالحديث الضعيف مقتفية أثر ابن كثير والطبري، فكان هذا عائقا من الانطلاق بالقرآن إلى أهدافه الشاملة.
ومدرسة التفسير الفقهي وقد طُوع فيها التفسير لأحكام الفقهاء عوض العكس وقُصر البحث في الأحكام التشريعية تاركا للمجالات الأخرى التي ينبغي الاهتمام بها.
ومدرسة التفسير الكلامي على نموذج الرازي وهو تفسير يؤخذ منه طرف وتترك أطراف.
ثم مدرسة التفسير البياني على أثر الزمخشري، والبيضاوي وأبي السعود.
ويرى أن في التفسير كما هو عليه في العموم بلاء على الفكر الإسلامي لما حمل أحيانا من الإساءة للإسلام بإشاعة الضعيف من الحديث والقصص التي لا تنسجم مع روح الدين.
ولا ينكر فضل المفسرين لكن ينكر التغاضي والأخذ دون تمحيص وإعادة نظر في هذا التفسير، فهو جهد بشري يهتم به لكن في إطار حدود أصحابه ومعطيات العصور التي عاشوا فيها(33) ...
إلاَّ أن الشيخ وفي نقده لهذه المدارس دعا إلى إحياء مدرسة فكرية عملية لم يكتب لها الاستمرار والعطاء مثلما كان لغيرها وهذا تبعا لطبيعة الأفكار التي سادت العالم الإسلامي والأوضاع التي تعاقبت عليه، وهي مدرسة تنطلق من النظرة القرآنية للكون لتدرسه، مدرسة العلماء المسلمين الذين سخَّروا علمهم بالقرآن لفهم الوجود أمثال ابن الهيثم (354 430ه/965 1038م) وجابر ابن حيان (ت:200ه/815م)، والخوارزمي (ت: 232ه/847م)، وكانت مدرستهم مؤهلة لاستمرار الوجود الحضاري للمسلمين ولكن ركن المسلمون إلى غيرها فضاع الكثير من الجهد والإنتاج العلمي المفيد للإنسانية بذلك(34)؛ وكانت هذه المدرسة هي الجديرة بتمثيل الإسلام حق تمثيل بين أهله وبين غيرهم، لأنها تبعث على العمل والاهتمام بالواقع والنظر فيما سخر الله للإنسان، وتعلمه كيف يبحث للوصول إلى الأسباب التي تنتظم معها الظواهر في الحياة، وتنضبط حسب القوانين التي أودعها الله في النظام الكوني، ولكن الواقع أن المسلمين سرعان ما تخلوا عن هذه المناهج وانساقوا وراء التجريديات بل الغيبيات التي كفاهم الوحي عناء البحث فيها والخوض في أعماقها، فلا هم اطمأنوا إلى شيء في بحوثهم بل ضاعوا وأضاعوا، ولا هم استفادوا لما يصلح دنياهم وآخرتهم.
رغم هذا لم يكن الشيخ متطرفا في الحكم، فلم يستبعد المدارس الأخرى ولكن دعا إلى عودتها بصياغة جديدة أكثر صلة بالقرآن والسنة وبالواقع والمنهج العلمي البعيد عن الإيغال في التجريد(35).
وهذه النظرة إلى التفسير تستدعي التجديد فيه دوما، ودراسة القرآن الكريم مطلوبة من كل من أوتي عقلا سليما، فلم يقصر الشيخ حق الفهم على طبقة معينة دون أخرى فيمكن للجميع أن يتدارس القرآن الكريم، بل من الواجب لكن كل حسب مؤهلاته وما أوتي من الفهم لا يتعداه، فيقول: «لا بد من قراءة القرآن قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فهما دقيقا، ويبذل كل امرئ ما يستطيع لوعي معناها وإدراك مقاصدها، فإن عز عليه سأل أهل الذكر... والمدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار ... ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في الأنفس والآفاق، ومقومات الشهود الحضاري ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود»(36).
لقد قدم الشيخ من خلال تعامله الطويل والمستمر في حياته مع القرآن الكريم وجهات نظر جديرة بالاتباع والاسترشاد بها في طريق العمل الفكري الإسلامي، وقبل الحكم عليها ينبغي تصورها وعدم تحميله من القول ما لم يقله.
وتمثل ذلك في انطلاقه في تقديم تفسير على المنهج الذي يرتضيه للأمة، ينسجم مع النظرة الكلية للوجود كما يقدمها القرآن الكريم، ووجد الحل لذلك هذا التراث التفسيري الذي أنتجه على طريقة التفسير الموضوعي مجددا فيه قائلا في مقدمة كتابه "نحو تفسير موضوعي للقرآن": «هذه دراسة جديدة للقرآن الكريم ... وقد أرتاد طريقا لم أسبق إليه أفتح به بابا من أبواب الخير»(37).
وقد وجد من أثر أهمية هذا المنهج، وحاجة الناس إليه إقبالهم على الأخذ منه والاستماع إليه والشغف به، وكان من أسباب اجتماعهم حوله، واطمئنانهم إلى أقواله ما فيها من إدراك للواقع وتنزيل القرآن عليه، ومحاولة إيجاد الحلول والبديل مستنبطا من القرآن مباشرا لا أثر للتكلف عليه، بل هي آيات بينات هاديات أثبت الشيخ بما آتاه الله من العلم والذكاء كيف يجعلها دليلا للمسلم في كل عصر وفي كل ظرف، ويصف تلمسه لهذا الأثر من خلال إقبال الناس على خطبه في مسجد عمرو بن العاص بمصر ويقول: «والسر في أني اهتممت بالموضوع الذي أعرضه على الناس، وإذا تجاوزنا المناسبات التي تفرض نفسها، فإن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم كان هو شغلي الشاغل، وقد تأسيت في أسلوب العرض بالشيخ الجليل الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه " النبأ العظيم".»(38)، ويضيف في خلفية هذا التأثر:«وتأسيت في ذلك بالشيخ محمد عبد الله دراز عندما تناول سورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة، يعرف ذلك من قرأ كتابه "النبأ العظيم" وهو أول تفسير موضوعي لسورة كاملة فيما أعتقد»(39).
ينبغي ألا يفهم من هذا أن الشيخ قد طرح التفسير التحليلي جانبا أو دعا إلى هذا، وهو العالم بما يصلح للأمة، وهو الناصح لها، ويدرك قيمة أعمال المتقدمين وأن البداية من لا شيء في العمل الحضاري تنتهي إلى مثل بدايتها، فنجده يؤكد على ضرورة الاهتمام بالمنهجين لكن بإبداع فيهما وحسن استفادة؛ ولعل الذي دفعه إلى الانتصار أكثر للتفسير الموضوعي الظرف الذي نعيشه وأنه كان يُلقي هذا التفسير للناس جميعا من كل التخصصات والمستويات أيضا، مما يستحيل معه أن ينتهج المنهج التحليلي الموضعي كما يسمِّيه، وهو ينادي في الأخير:«القرآن الكريم يجب أن يدرس تفسيرا موضعيا، وتفسيرا موضوعيا.. ويجب أن ينظر إليه كلا وجزءا على أنه دعامة أمة، هو عقلها المفكر.. هو ضميرها الصاحي.. هو علَمها المرفوع.. أما أن يترك لأمور أخرى فلا يجوز ... »(40).
فإذا استطاع المفكرون المسلمون أن يوفروا مثل هذا النظر والاعتبار للقرآن الكريم والتعامل معه فقد وفروا أسبابا مهمة في العمل الحضاري المنتظر منهم، ولكن يبقى في منهج التبليغ ما ينبغي التنبيه عليه أيضا ذلك أنه جناح آخر من الواجهة التي يعمل فيها الفكر المسلم للإصلاح الداخلي أو الخارجي على السواء.
فقد شخص الشيخ كذلك داء مضرا بالدين هو العجز عن التبليغ الذي مني به المسلمون، وكان سبب العجز هو القصور دون وعيه، فهم يحملون وحيا لا يدركون مدى أهميته ولا يستطيعون تقديمه بديلا عن الأفكار السائدة في العالم رغم عدم جدواها وعدم إرضائها للفطرة وتطلعاتها إلى الكمال المنشود(41)؛ فأصبح العالم محجوبا عن القرآن تبعا لحال أهله المحجوبين عنه ففقدوا ما يقدمونه للغير(42).
ويرجع هذا العجز في جزء كبير منه إلى ضعف الجانب الفكري والعلمي في المسلمين وهو أثر من عدم الاهتمام بمن توكل إليهم مهمة التبليغ، وهو من المنطلق الكامن في آفة التعليم الديني، فقد عجز أهله أن يبلغوا الدين صافيا نقيا فأصبحوا يبلغون عادات وتقاليد أحيانا ليست مما أمر به الدين ولا طلبه من العباد.
من أسباب هذا الحجب أيضا سوء التعامل مع القرآن الكريم الذي طغى عليه طابع التكلف، والتصنع الذي لا يرتضيه الشرع نفسه بل رفضه وأمر بالتزام الفطرة السليمة الناصعة التي ترتاح إلى الحقائق كما جاء في القرآن الكريم «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين»، وقال أيضا: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله»، وبهذا التكلف تحول كثير من المتدينين إلى صداد عن السبيل عن جهل، بتصرفاتهم التي أرادوا أن يحملوا الناس عليها على أنها هي الدين المطلوب منهم(43).
بل أصبحت سيرة أهل القرآن مانعة من نشره، ومصدر تعب وعنت على الدعاة كما يقول الشيخ: «ونحن دعاة المسلمين نلقى العنت حين نقدم القرآن للناس لأن سيرة المسلمين مع دينهم لا تشرف»(44).
وكان من مظاهر نصيب القرآن بين الأمة الإسلامية أن بقي وما زال منذ أمد وسيلة للتبرك والاستمتاع به سماعا بعيدا عن محاولة فقه ما فيه، وقد رفض الشيخ هذا التصرف لنفسه من صغره، حين فرض على نفسه البحث والدراسة القرآنية، وحاول في مشواره الدعوي أن يستنهض الهمم للاهتمام بالقرآن باعتباره وسيلة للتغيير والخروج من دائرة الانحطاط والانغلاق الفكري الذي أصاب الأمة وتركها في مؤخرة الركب، وهو ينعى على المجتمع هذا الاهتمام البالغ بمجرد التلاوة، مما جعل حفظة الكتاب «أشرطة حية تحفظ القرآن حرفا حرفا ولا تعي منه ما يرفع الرأس»(45)؛ مع أن القرآن نفسه يدعوا إلى القراءة في أول نزوله، لكن مفهوم هذه الكلمة قلص بل عطل عند المسلمين حتى أصبح لا معنى له سوى الترديد، والقراءة تعني تلَقِّي رسالة والنظر فيها وفهم المقصود منها،«أما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأية طريقة فصلت بين التلاوة، وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة، كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يفيد أو هو المقصود»؛ ويؤيد موقفه أن إذاعات عالمية لم تجد خطرا أن تبدأ برامجها بتلاوة للقرآن لأنها مطمئنة أن الأمة الإسلامية حاليا لا تسمع ولا تعي، مع أن النص القرآني كان هو المحرك لخير القرون فنقلَهم من أمة لا يكاد يسمع لها صوت إلى رجال يغيرون ما بأنفسهم وما بغيرهم، لكن الواقع أن الأوائل كانوا في قراءتهم يرتفعون إلى مستوى القرآن والمتأخرون ينزلونه إلى مستواهم(46).
وأحيانا ينشأ هذا عن سوء فهم لسنة التدرج فيرى الكثير أنه لم يحن الوقت أو سيأتي زمن يصلون فيه إلى تمثل الإسلام كما ينبغي أن يكون عليه، ويقفون في حد الأماني والآمال دون الانطلاق في الأعمال.
ومن هذه المظاهر وقوع المسلمين في خطر الابتعاد عن كتابهم من حيث لا يشعرون، وبأشكال متعددة أصبحوا ممن هجر هذا الكتاب وإن الكان الهجر درجات فإن واقع المسلمين في صور متعددة هجر للقرآن، فيه ما يرجع الشيخ سببه إلى عامل خارجي وفيه ما هو من ذات الأمة وهو الأكثر وبعضه مما تقدم.
فهذا الواقع أثر من جهود المستعمرين الذين اجتهدوا في إبعاد الأمة عن كتابها بسبل مختلفة شتى لعل أهمها التي جعلت المجتمع يساند المستعمر ويعينه في تغريب القرآن عن أهله وتنشئة أجيال مفصومة العرى عن الكتاب لا تجد تجاهه شعورا بوجوب العمل بما فيه، وإذا حدث أن وجد من يعتني ويخالف هذا التخطيط فلا يجد إلاَّ صدودا واحتقارا وإذلالا من الناس(47).
عاش المجتمع المسلم بأثر من هذا هاجرا لكتابه لا يدرسه ولا يقرأ واقعه على ضوئه، فيبحث عن مواطن الخلل وعن العلل والأدوية فيه؛ ولا ييشعر بوجوب اتخاذه منارة في الحياة الدنيا(48).
يقول الشيخ عن هذه الحال أنها كادت تجعل الكتاب ينفلت منا لأننا:«نقرأه موسيقى من كبار القارئين، ونسمعه بتبلد، لأننا نريد أن نتلاقى على مجالس تأوهات، وإعجاب بالأصوات، وانتهى الأمر... أما أن ينطلق القرآن كتابا محركا للحضارات، فقد غاب عنا هذا كله، لأننا اشتغلنا بغيره وهذا ما نرفضه»(49).
وبهذا يصور الشيخ وضع المسلمين مع القرآن وهم يتولونه بالذي يتوضأ ولكن لا يزول الوسخ عن جسده لأنه لم يفقه أن يعتني بما يفعل وينظف جسده ويجعل من الوضوء تعلما للنظافة، ولكنه يقوم بعمل آلي كل مرة بتمرير الماء على أعضائه في ذهول عما يفعل، فأصبحت أفكارنا وحواسنا وأعضاؤنا مقيدة عن التحرك بمقتضى القرآن(50).
وكان الشيخ في تصويره لواقع المسلمين وحالهم مع القرآن الكريم يشعر بمرارة هذا الواقع ويدعو إلى تغييره ولقي عنتا كبيرا كما وصفه في سبيل هذا التشخيص والاهتمام به وبيانه لعله يجد في الأمة من ينفع فيه النداء ويعمل على تحقيق هذه الغايات، وكان هو نفسه في طول حياته رحمه الله يعمل على تصحيح المواقف المنحرفة عن الهدي القرآني، ويقترح سبل الاستفادة من القرآن الكريم حتى يثمر من الأجيال الصالحة مثلما كان أول عهده.

الخاتمة


وبعد فهذه جولة سريعة في جانب من فكر الشيخ الغزالي رحمه الله لا يمكن أبدا أن يُدَّعى إحاطتها بالموضوع إلاَّ في جزء يسير، مما يستدعي مواصلة الجهد لإظهار هذا الفكر النير إلى ساحة العمل الواقعي، وفاء لصاحبه الذي لم يرج من سعيه سوى رضى ربه، بالمساهمة في تصويب خطوات الأمة وتبيين سبيل الارتقاء بها إلى ما يدعوها إليه دينها، وما وفَّينا هذا الحق إذا كان حظنا من جهوده مجرد الاطلاع والعلم بها.
وما كان الشيخ الغزالي إلاَّ حلقة في سلسلة أعمال المصلحين المسلمين عبر التاريخ البعيد والقريب، ولكنها حلقة متميزة بالاستفادة من مناهج متعددة ومتطورة في الدعوة وفي التعامل مع مصدر الدعوة القرآن الكريم، والتعامل مع الواقع تعاملا صريحا يبحث عن موطن الخلل، ولا يهابه إن كان من الداخل بل يبدأ به قبل الخلل الخارجي لوعيه بخطورته، وتعاملا متحررا من قيود الماضي تحررا لم يفقده الاعتزاز بما كان وضَّاء من تاريخ المسلمين الفكري، ولم يغمط حق السابقين وإن كان الصواب لم يحالفهم في بعض المواطن؛ هدفه من كل ذلك البحث عن أسباب النهوض والشهود الحضاري للأمة بأي شكل من الأشكال التي ينسجم مع روح الشريعة ومصدريها.
وإذا كانت آفة الحركات الإصلاحية الانطواء على نفسها بعد مؤسسيها فإننا نرجو ألا يكون نصيب عمل الشيخ من هذا القبيل، ونمد هذه الجهود بدعوة ودعوات إلى أبنائنا وإخواننا أن يتمثلوها في واقعهم، وأن يصدقوا العزم على ذلك، ويعملوا بأحسن ما دعاهم إليه الشيخ، فقد مني المجتمع كثيرا بالنظرات الضيقة، التي لم تنفع الناظر ولا المنظور له بل أضرت بهما وبغيرهما؛ وبالهمم المتثاقلة الراكنة إلى السهل والامتناع عن ارتياد الجد والعزم، القانعة بالقليل في مجال ووقت ينبغي العمل بأقصى الطاقة والجهد لعلنا نستدرك بعض ما فات، فقد كان الشيخ من تلاميذ المدرسة الإصلاحية الذين لا يفصلون بين الدعوة والسياسة والمجتمع؛ وكان دائم الأمل والرجاء في رحمة ربه بالأمة، ورغم ما يحمله من هم الحياة الإسلامية فلم يعدم أملا أن الأمة بدأت نهضة يرجى أن تعوض ما فات وتستعيد الخسائر(51).
لكن لا يكون هذا منا مجرد آمال ننتظر وقوعها دون الاحتكام إلى السنن الإلهية التي دعا الإمام إلى ضرورة الأخذ بها والعمل على مقتضاها.
نسأله تعالى السداد والهداية لما فيه صلاح أمرنا وأمر عباده، وأن يجعل منَّا أئمَّة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.



9



7-
8
"الشيخالغزالي وآليات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر..إشكاليات القراءةوالتأويل"..دراسة لتقادم الخطيب





الفكر الإسلامي هو المحاولات العقليةمن علماء المسلمين لشرح الإسلام في مصادره الأصلية للقرآن والسنةالصحيحة(1):

1_
إما تفقهاً واستنباطاً لأحكام دينية في صلة الإنسان بخالقهفي العبادة، أو في صلة الإنسان بالإنسان في المعاملات، أو لمعالجة أحداث حدثت، لمتعرف بذاتها في تاريخ الأمة الإسلامية(2) على عهد الرسول_ صلي الله عليه وسلم_ وعهدصحابته_ رضوان الله عليهم_ أو تبريراً لتصرفات خاصة صدرت وتمت، أو تصدرت تحت تأثيرعوامل أخري.
2_
وإما توفيقاً بين مبادئ الدين وتعاليمه من جانب، وفكر أجنبيدخل الأمة الإسلامية من جانب آخر، بعد أن قبلت هذا الفكر كمصدر آخر للتوجيه.
والعمل العقلي الفلسفي للمسلمين يبرهن:
_
إما على هضم الإسلام لهذه الفكرة،وإدخالها في محيط تعاليمه، وإما على وهنها (أي وهن هذه الفكرة) وعدم استطاعتهاالوقوف أما أخبار العقل الصحيح.

_
وهذا يدل من جانب آخر على أن الإسلاميستطيع أن يواجه أية ثقافة فكرية إنسانية دون أن يُخشي عليه، طالما وجد منالمنتسبين إليه من يستطيع فهمه في أصوله وغاياته؛ وكذلك الشأن بالنسبة للعاملالثالث، وهو: مواجهة أحداث الحياة، وتطور المجتمع الإسلامي، فإن تفاعل الإسلام معهذا العامل تفاعلاً خصباً منتجاً، يبرهن على مرونة الإسلام في مبادئه بفضلالاجتهاد، وعلى سعة استيعابه للمستجد من مشاكل الحياة.

فالفقه الإسلامي تدلكثرة مذاهبه ومدارسه على سعة مُحاولة لتكييف الأحداث من وجهة نظر الإسلام، والخلافالذي بينها في اعتبار بعض أصول الفقه والمراجع التي ترد إليها لحكم الحوادث لم يكنإلا خلافاً ناشئاً عن رغبة المختلفين في ضرورة الحرص على بقاء الأمة الإسلامية آخذةبالإسلام في منهج حياتها اليوم.

وبدون التعريج على المقاييس الفقهية التياعتمدها الفقهاء في استيفاء الأحكام القرآنية أو غيرها، يبقي الحديث عن هذا العقلالجمعي الذي حاول أن يوفق بين مبادئ الإسلام من ناحية، وبين تجديدها ورصد حركة تطورالزمن من ناحية أخري، مستمدا خطابه ومؤصلاً_ في ذات الوقت_ لقاعدة فقهية تري انتهاءالنصوص ولا انتهاء للوقائع(1)،ويطرح العديد منها محاولات جديدة للفهم، وقراءةمغايرة للنص الذي تستمد منه الأمة أسسها ومنهجها.
إلا أن كل حضارة لها فتراتازدهار وانحسار، وعلى حد تعبير مالك بن نبي _ الدورة الحضارية_ وتخلق فترة الانحسارضرباً من التخبط والاضمحلال، وانكماشاً، أو تمركزا حول الحقبة القديمة " فترةالازدهار" محاولة الاستنارة والاستضاءة بها في وقت التيه والتخبط، منزلة بذلك أحكامالوقائع القديمة على الوقائع الحديثة دون الوعي باختلاف الزمن، وتغاير معطياتهوحاجاته؛ ومن هنا يكشف النص ( قراءته) عمق الأزمة وأبعادها، فيبدأ الخلاف حولتفسيره والاستفادة منه، وكيفية معالجته للواقع، وهنا يفسر النص تبعا لخلفياتمعرفية، أو أيدلوجيات أخضعت النص لمبادئها، ولم تخضع مبادئها له.
ويبقيالخطاب الآخر وهو خطاب الحضارة المهيمنة، والتي استطاعت أن توطد أركانه من خلال فهمعقلية الآخر، عن طريق حملات استكشافية (استشراقية) استطاعت أن تكتشف مواضع الخلل فيبنية العقل العربي والإسلامي، فأجادت التعامل مع هذه البنية المخربة في ظرفهاالراهن، وصدرت إليه خطاباً احتل مكانة المرجعية لدي البعض من أبناء الأمة كونه خطابالحضارة المهيمنة؛ ولقد صدق ابن خلدون حينما سطر مقولته الرائعة: " المغلوب مولعبتقليد الغالب"(2).
وقد اتخذ هذا الخطاب صورا عدة فمابين صورة بحثية، وأخريأكاديمية، وثالثة معرفية بمستوياتها المختلفة أسس لنفسه مركزية، واحتل مكانة فيبنية العقل المخرب، الذي استقبل هذا الخطاب دون إعمال العقل فيما يلقي إليه، فكانجديراً بأن يقتل النباهة لديه، وأن تكون لديه قابلية للاستعمار(1).
ومن ثموبعد مرور فترة من الزمن استطاع هذا الخطاب أن ينشئ تيارات تؤمن بمرجعيته، وتستمدأصولها منه، فكان نشوء الخطاب العلماني العربي الذي حاول أن يتخذ من الغرب قبلةومرجعية، وامتد هذا الأمر ليشمل الدين، وأن يحل محله بتياراته الدهرية والإلحادية،والتي وصلت ذروتها في الفترة المعاصرة، وهي فترة إفراغ الدين، أو علمنته على حدتعبير الراحل العظيم د/ عبد الوهاب المسيري.
إلا أن الدين الإسلامي هو دينالله الباق، والرسالة الخالدة، فقيض الله له من يذب عنه، ويدافع، ولقد بدأت محاولاتالدفاع عن الدين بداية بطرق مختلفة، وتميزت بين رافض للخطاب الغربي ذاته، وبينمناهض للوجود الواقعي نفسه، وقد بدأت حركة التجديد منذ ابن تيمية، وتلميذه ابن قيمالجوزية، ثم تجددت على يد محمد بن عبد الوهاب؛ كمقدر لحركة ابن تيمية، وحريص علىصيانتها؛ ومحمد بن على السنوسي الكبير؛ كداعية إلى الرجوع إلى القرآن والسنة،وتخليص الفكر الإسلامي من مظاهر ضعفه وركوده؛ وعثمان بن محمد بن نودي" الداعي إلىسبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة" في غرب أفريقيا.
ثم كانت حركة جمال الدينالأفغاني والتي كانت تتسم بالطابع الحركي، وتطرح الجانب السياسي كواحد من الحلولالريئسة لحل الأزمة، ويمكن تلخيص شروط الأفغاني التي رآها في نقاط أربعة:
شرط أول عقدي على تصفية العقول من لوث وكدر الخرافات، وشرط ثان يوجه نفوس الأمم إلىبلوغ أعلى مراتب الكمال، وثالث عقلاني يقضي بالتحرر من التقليد، وبالتعلق بالدليلوالاحتكام إلى العقل، ورابع أخلاقي تربوي يخلص النفس من سلطات الشهوة، ويهذبهابالمعارف الحقة والفضائل السامية(2).
ثم تطورت هذه الرؤيا وشكلت مدرسة إصلاحيةبزعامة محمد عبده، أنجب تلاميذ الأفغاني، وهي المدرسة التي ينتمي إليها الشيخالغزالي، والذي تتلمذ على يد الإمام الشهيد حسن البنا، والذي تتلمذ على يد محمدرشيد رضا تلميذ محمد عبده.

وإذا كان الشيخ الغزالي أحد إفرازات هذه المدرسة،فلقد حدد الشيخ منهاج هذه المدرسة التي ينتمي إليها مشروعه الفكري التجديدي، فيمعرض حديثه عن مدارس الفكر الإسلامي، ومدرسة الرأي والأثر، والموازنة بينهما_ كماهو الحال عند ابن تيمية_ مع ميل للأثر، ومدرسة الاختيار الشخصي والتنسيق بين وجهاتالنظر المختلفة، فحدد منهاج مدرسته التي وازنت بين الرأي والأثر، على نحو متميز عنموازنة ابن تيمية، وذلك بترويجها للعقل، وتقديم دليله، واعتبارها العقل أصلاًللنقل.

وهي تقدم الكتاب على السنة، وتجعل إيماءات الكتاب أولي بالأخذ منأحاديث الآحاد، وهي ترفض مبدأ النسخ وتنكره إنكاراً حاسماً أن يكون في القرآن نصانتهي أمده، ومن ثم فهي تنكر التقليد المذهبي، وتحترم علم الأئمة، وتعمل على أنيسود الإسلام العالم بعقائده وقيمه الأساسية، ولا تلقي بالاً إلى مقالات الفرقوالمذاهب القديمة أو الحديثة(1).

إن إفراد عدد من الصفحات للحديث عن المشروعالفكري للشيخ الغزالي، والذي امتد قرابة نصف قرن، لهو عسير المطلب، فالرجل وبحق كانأمة، وكم هو عزيز المطلب أن يحاط بالأمة، ومنابع تدفقها، ورصد حركتها.
لقددافع الشيخ في عدة جبهات، فبين دفاعه عن الإسلام ضد منتقديه والمفترين عليه، وبيناستبداد سياسي وقمعي يحاول أن ينحِّي الإسلام وخطابه خارج الساحة، من أجل أهدافبرجماتية قريبة الأجل، وخارجة عن إطار ديمومة التاريخ، وبين حركات إسلامية حاولت أنتستنهض وتنهض بالأمة فغالت وفرطت وأفرطت، فضلت وأضلت، وبين فكر إسلامي عاني أشد ماعاني من المنتسبين إليه، والقائمين عليه والمتحدثين به، وبين فقه يحتاج إلى تجديد،ومحاولة إعادة القراءة في ضوء الوقت الراهن، وبين حرب حضارية مزعومة_ على حد تعبيرالمفكر المغربي المهدي المنجرة_ في كل تلك الميادين وقف الشيخ مدافعاً ومسدداوناصحاً ومجدداً؛ إلا أن أهم محاولاته الجديرة بالدراسة (في وجهة نظري) هي محاولةقراءة النص واستنباط آلياته، والإضافة إليه، وتلقيه تلقي الواعي الناقد؛ إذ يكتسبالنص مركزية كبيرة في قلب الثقافة الإسلامية، وقد ارتكبت باسم النص حماقات وأفعالما أنزل الله بها من سلطان؛ فقد اتخذت بعض الحركات الإسلامية من بعض الكتب مرجعالها وهاديا، ومن أهم هذه الكتب والمراجع المتعلقة بالفكر الإسلامي السياسي فيالمذهب السني كتاب " الأحكام السلطانية والولايات الدينية" للإمام أبي الحسنالماوردي، المتوفى عام 450 هجرياً، أي: أن هذا الكتاب كُتب منذ حوالي ألف عام،وبالرغم من وجود بعض الكتب الأخرى في نفس الشأن فإن كتاب الماوردي هو الأشهر لدى كلجماعات الحركة الإسلامية الحديثة، فهو المرجع الأكثر انتشارًا وبخاصة بين أهلالسنة. والإمام الماوردي ألَّف مصنفات كثيرة في الفقه وتفسير القرآن وأصول الفقهوالأدب، وقد نقلت عنه دون تطوير أو اجتهاد معظم الجماعات الإسلامية الحديثةالمعتدلة منها والمتطرفة، ولهذا فهناك أهمية لمناقشة بعض النماذج التي كتبها الإمامالماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، وكيف أثر في الفقه الإسلامي السياسي منذالقدم حتى الآن، وكيف طور الشيخ ومن جاء بعده من تلاميذه آلية القراءة، واستباطالأحكام.

الغزالي والأصول العشرين:

وضع الإمام الشهيد حسن البناأصولاً عشرين، هي المبتدئ التي خاطب بها الجماعات الدينية في مصر على عهده؛ من أجلالتأليف والتقريب بينها، فكانت مصوغة صياغة وسطية حكيمة، وقد قام الشيخ الغزاليبشرح تلك الأصول العشرين في كتابه:" دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين"، وقد أضافالشيخ الجليل إلى هذه الأصول عشرة أصول أخري، تختص بوضع المرأة، وطبيعة الأسرة،وحقوق الإنسانن وطبيعة الحكام، وأساس الحكم، وطبيعة الملكية، ووظيفة الدعوةالإسلامية، والعلاقة بغير المسلمين، والمواثيق الدولية، والتعاون بين الدول ودورالمسلمين فيه؛ ولقد مثلت تلك الإضافات مجمل المشروع الفكري للشيخ الغزالي، والذياتسم بسمة التجديد والأصالة.
يقول الشيخ رحمه الله: "ولعل إخراجي لهذا الكتابيرجع إلى ضرورة الحفاظ على الإسلام من هوس أولئك الأغرار، إلى جانب أن الجمهور فقيرإلى حقائق إسلامية كثيرة حرم منها دهراً، فالمسلمون ينهضون بالعلم لا غير؛ ولذلكفقد أعطيت نفسي الحق في إضافة عشرة مقررات أخري أحسب أننا بحاجة إلي إشاعتها،وشرحها وارد في كتبي الأخري، وفي مؤلفات الرجال الذين يكدحون في الحقل الإسلاميالرحب، ولا أدري أأصبت في هذه الإضافة أم أخطأت، وحسبي أن الحققصدي...!!

وهذه الإضافات التي أري المجتمع الإسلامي محتاجاً إليها:
1_
النساء شقائق الرجال، وطلب العلم فريضة على الجنسين كليهما، وكذلك الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر، وللنساء_ في حدود الآداب الإسلامية_ حق المشاركة في بناء المجتمعوحمايته.
2_
الأسرة أساس الكيان الخلقي والاجتماعي للأمة، والمحضن الطبيعيللأجيال الناشئة، وعلى الآباء والأمهات واجبات مشتركة لتهيئة الجو الصالح بينهما،والرجل هو رب الأسرة، ومسئوليته محدودة بما شرع الله لأفرادها جميعاً.
3_
للإنسان حقوق مادية وأدبية تناسب تكريم الله له، ومنزلته الرفيعة على ظهر الأرض،وقد شرح الإسلام هذه الحقوق ودعا إلي احترامها.
4_
الحكام_ ملوكاً كانوا أمرؤساء_ أجراء لدي شعوبهم، يرعون مصالحهم الدينية والدنيوية، ووجودهم مستمد من هذهالرعاية المفروضة، ومن رضا السواد الأعظم بها، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الأمةكرهاً، أويسوس أمورها استبداداً.
5_
الشوري أساس الحكم، ولكل شعب أن يختار أسلوبتحقيقها، وأشرف الأساليب ماتمحض لله، وابتعد عن الرياء والمكائد والغش وحبالدنيا.
6_
الملكيةالخاصة مصونة بشروطها وحقوقها التي قررها الإسلام، والأمة جسدواحد لا يهمل منها عضو، ولا تزدري فيها طائفة، والأخوة العامة هي القانون الذيينتظم الجماعة كلها فرداً فرداً، وتخضع له شئونها المادية والأدبية.
7_
أسرةالدولة مسئولة عن الدعوة الإسلامية، وذو المفتريات عنها، ودفع الأذي عن أتباعها حيثكانوا، وعليها أن تبذل الجهود لإحياء نظام الخلافة في الشكل بمكانتهاالدينية.
8_
اختلاف الدين ليس مصدر خصومة واستعداد، وإنما تنشب الحروب إذا وقععدوان، أو حدثت فتنة، أو ظلمت فئات من الناس.
9_
علاقة المسلمين بالأسرة الدوليةتحميها المواثيق الإخائي الإنساني المجرد، والمسلمون دعاة لدينهم بالحجة والاتباعفحسب، ولا يضمرون شراً لعباد الله.
10_
يسهم المسلمون مع الأمم الأخري_ علىاختلاف دينها ومذاهبها_ في كل ما يرقي مادياً ومعنويا بالجنس البشري؛ وذلك من منطلقالفطرة الإسلامية والقيم التي توارثوها عن كبير الأنبياء محمد_ صلي الله عليهوسلم.
تلك هي المبادئ العشرة التي أقترح إضافتها، والتي أتقدم بها مع التعاليمالعشرين لمجدد القرن العشرين الإمام الشهيد حسن البنا_ رضي الله عنه.
ولمن شاءأن يقبل أو يرفض(1).

إن الناظر إلى هذه المبادئ التي أضافها الشيخ يري أنهاتتسم بالشمولية، والتعدد، كما أنها تركز على جانب عالمية الإسلام، وتجدد دعوته،وأنه صالح لكل زمان ومكان بمبادئه السامية العالية.
وفي ذات الوقت تدفع الكثيرمن الشبهات التي أثيرت حول الإسلام بأنه لم يراعِ المساواة في مبادئه، وأنه انتشربحد السيف....إلخ.

وهذه الإضافات تحتاج إلى عملية دراسة، وتأصيل في إطارالتراث الإسلامي بمناهجه المختلفة، وأهم المعالجات التي اشتملت عليها لكثير منالأحكام الفقهية، والدعوية، وإبراز الجانب الخلقي والمعرفي لمرتكزات الدعوةالإسلامية وعالميتها.

كما أن هذه المبادئ توضح وبحق مرتكزات الفكر الدعويعند الشيخ الغزالي، وهي:
1_
القرآن الكريم.
2_
السنة .
3_
التاريخ الإنساني العام والإسلامي الخاص.
4_
الثقافة الدينية والثقافةالإنسانية.
5_
الواقع.

إن أبعاد المشروع الفكري التجديدي للشيخالغزالي ترتكز على أسس مهمة، ويمثل الواقع أحد أهم تلك الأسس، فإدراك الشيخ للواقع،ومحاولة قراءة النص عليه تختلف اختلافاً بيِّناً عن كثير من الحركات الاجتاعيةالإسلامية، والتي قرأت النص بعيدا عن الواقع، كما أنها جعلت منه السلطة المطلقة،وتقوم بمحاولة تنزيل النص على الواقع المجرد، فإن وافق الواقع النص أخذ به، وإن لميوافق رفض الواقع واتهم.
وهي في ذلك لم تدرك أن الزمان والمكان متغيران،وبتغيرهما يتغير الحكم، وهذا ما أوقع تلك الحركات في مأزقها الراهن من تمثلاتهالكثير من المقولات السابقة ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع، رافضة بذلك سنة التغييرفي كون الله!!

فلو أنها وعت الواقع وجعلته منطلقاً لتجديد خطابهاوأيدلوجيتها، ووعت المرحلة الآنية التي يشكلها لاستطاعت أن تغير من ذاتها ومنخطابها، وأن تكتشف الكثير من أخطاء الماضي؛ لأن أرض الواقع هي الحكم الذي يكشفالخلل، ولاستطاعت أن تستشرف رحابة المستقبل، ولأدركت أن كل التنظيمات المؤدلجة ماهي إلا عالة على الأمة، وأنها أضرت بها أكثر مما أفادت.

من هنا تكتسب محاولةالشيخ مشروعية كبيرة في ذاتها، فقد كانت وبحق علامة فارقة في مسيرة التطوروالتجديد، ولذلك كان نقده لحركة الصحوة الإسلامية نقد مستبصر ومدرك للواقع ومايحويه، واضعا يده على مناطق الخلل، أو بما أسماه _رحمه الله_ ( العللوالأدوية)(1).
الغزالي وقضايا المرأة:

لقد استطاعت الثقافة الشفهية أنتؤسس لمقولات ارتكزت في العقل المسلم حول المرأة، وقد مورست ضد المرأة أبشع أنواعالتمييز والحرمان الحقوقي_ إن جاز التعبير.
فبين دعاوٍ جاهلية وافتئات علىالله ورسوله، تري أن المرأة كلها شر مطلق، وأنها، و...إلخ، ومن ثم فرضت على المرأةواقعاً مريراً، فهي تري في وجهها وصوتها عورة، وأنه لا يجوز لها أن تخرج من البيت،أو كما يقولون في المثل الشعبي: "من الدار إلى النار"، وحرمانها من أبسط حقوقها؛كالميراث والتعليم، واختيار شريك حكايتها الذي تقضي معه بقية عمرها، ويترتب على هذاحرمانها من المشاركة المجتمعية على اختلافها.

وقد نست تلك الأبواق المحمومةأن المرأة هي نواة الأسرة ومرتكزها الحقيقي؛ إذ إن المرأة المسلمة هي الأم والأختوالبنت والعمة...، والمرأة الواعية هي الدرع الواقي للأسرة والمجتمع من التحدياتالتي يضيفها العصر، فبدلاً من إطلاق طاقاتها الإبداعية ومنحها حقوقها الشرعية يتمحرمانها والتضييق عليها، وحصارها بالأوهام، والخزعبلات، وقد صدق الشاعر فيقوله:

الأم مدرسة إذا أعدتها أعدت شعبا طيب الأعراق.

فهذا الواقعالمزري للمرأة المسلمة هو الذي حرك دوافع الشيخ الغزالي ضد هذه الأوهام والخرافات،وعمل علي مقاومتها وإصلاح ما أفسده الزمان، وتحريرها من عسف الرجال وتحكمهم بغيرحق، وإذا كان "قاسم أمين" هو محرر المرأة على الطريقة الغربية العلمانية، فإن الشيخهو محرر المرأة من ظلم الجهلاء، وتعسف المتعسفين، ولقد انتصر لها وحررها من منطلقإسلامي واقعي مدرك لأبعاد الأمور، وعواقبها.

وهو يريد أن يحرر المرأة مننوعين(1):
1_
من التقاليد الموروثة من عهود الانحطاط في الحضارة الإسلامية، حيثاختفت التعاليم الصحيحة التي جاءت بها النبوة الهادية؛ لتحل محلها تقاليد صنعتهاأوهام البشر.
2_
من التقاليد الوافدة مع الغزو الفكري والاستعمار الثقافي، وهيتقاليد مناقضة لتلك التقاليد البالية، تريد أن تسجنها، وهذه تريد أن تقربها،وكلتاهما ضد الفطرة والوحي.
ويكذب الشيخ الغزالي بقوة الشائعة التي تقول: إنصوت المرأة عورة؛ إذ كتب يقول: " كان شاب قريب مني كاد يتميز من الغيظ، ونحن نستمعإلى بحث تلقيه إحدي السيدات، قلت له: ما بك؟
هل الكلام خطأ؟ فرد على عجل: أتقرهذا: أليس صوت المرأة عورة؟ فأجبت في برود: هذا كذب لا أصل له في الدين".
ثمأورد العديد من الروايات حول ذلك، ثم قال: " إنني أكره من أعماق فؤادي علاقة المرأةبالرجل في الحضارة المادية التي أقامها الغرب_ الصليبي والشيوعي_ بيد أن هذهالحضارة سوف تبقي بأجراسها وأدرانها ما بقي المتحدثون عن الإسلام يقدمونه بهذاالجهل والعمي.
إن صوت المرأة ليس عورة، العورة هي في هذا التفكير الذي لا سنادله، والذي يصرخ به شباب جهول باسم الإسلام المظلوم(1).

ويري في تحرير وجهالمرأة ما يعضد رأيه بالأدلة الفقهية، فيقول:" إن هذا النوع من المتحدثين عنالإسلام يقف من مسيرة الإسلام عن سبيل الله، وقد عرفت أنهم يقلدون مذهب ابن حنبل_ رضي الله عنه_ وهو لا يقول إن وجه المرأة عورة، ذكر ذلك المغني لابن قدامة، وكذلكرأي المذاهب المتبوعة أبو حنيفة ومالك...., أجمعوا أن المرأة تكشف وجهها في الصلاةوالإحرام، ثم يقول: وذلك كتحريم تغطية الرأس على الرجال عند الإحرام، والرأس ليسبعورة بالنسبة لهم، إلا ما وجب كشفه، وكذلك الوجه والكفان بالنسبة إلى المرأة، ونحننعلم أن هناك متطيرين يرون أظافرها عورة، وهؤلاء لا وزن لهم ولا لرأيهم ولالروايتهم"، وقد أورد الشيخ ما جاء في ذلك من روايات في كتب الفقه المعتمدة.
ويرفض الشيخ حبس المرأة بين جدران بيتها الأربعة، فلا تري رجلا ولا يراها رجل، ويريأن هذه شائعة مكذوبة في مجال العلم الشرعي، يقول رحمه الله:
"
الفتوي الشائعةبين بعض المسلمين والمتناقلة بين خصوم الإسلام: أن الإسلام يقيم أسواراً عالية بينالجنسين حتي لا يري أحدهما الآخر، فالرؤية المجردة محرمة.
وقد رجعت إلى القرآنوالسنة المتواترة والصحيحة، فوجدت أن هذه الشائعة مكذوبة، وإنما المرفوض هو الرؤيةالجريئة والوضعية التي تبحث عن الإثم، ومن ثم أمر الدين بغض البصر، أمر بذلك الرجالوالنساء على السواء، لذا إذا وقع البصر على شيء يثير وجب على المسلم ألا يعاودالنظر، وأن يحصن ضميره من الريبة وشر الوساوس.
فالمسجد والشارع وأرجاءالمجتمع يوجد فيها الجنسان تحكمهما هذه الآداب....، وقد تواتر ذلك في حياة السلفالأول، فرئيت المرأة في المسجد، بل تبعت الجيوش المقاتلة، يحيط بها سياج من آدابالإسلام المقررة، وأعرف أن هناك آثاراً نبذها أصحاب الدقة العلمية في تمحيصالروايات،ولم يذكرها عالم يروي الصحاح، ولا احترمها فقيه ينقل حقائق الإسلام مثل ماروي عن فاطمة: أن المرأة لا تري رجلاً لا يراها رجل، ومثل حديث منع الرسول بعضنسائه أن يرين عبد الله بن أم كلثوم، وتلك كلها أخبار لا تساوي الحبر الذي كتبت به،وهي ظاهرة التناقض مع مقررات الكتاب والسنة والمقطوع بثبوتها ودلالتها.

ولكنهذه المرويات المنكرة من الناحية العلمية هي التي وضعت الفكر الإسلامي في العصورالأخيرة، وفرضت الأمية والتخلف لا على المرأة وحدها، بل على نظام الأسرة، وكيانالمجتمع وطبيعة التشريع.
ووجد من خطباء المساجد من يقول: المرأة لا تخرج منبيتها إلا إلى الزوج، أو إلى القبر.....، إن هناك عقولا معتلة تتعشق الآثارالمعتلة، وتبني عليها ما تهوي من أحكام، والإسلام النقي برئ من هذه الانحرافات،إننا في عصر شاركت فيه المرأة الرجل غزو الفضاء، فلا يجوز أن نترك القاصرين يثيرونعلى ديننا النهم، وينقلون إلى الناس ما في نفوسهم من علل(1).

تولي المرأةالوظائف العامة:

يتضح ذلك من خلال موقف الشيخ في فهمه لحديث:" لن يفلح قومولوا أمرهم امرأة"
قال:" ونحب أن نلقي نظرة عامة على الحديث الوارد، ولسنا منعشاق جعل النساء رئيسات للدول أو رئيسات للحكومات، إننا نعشق شيئاً واحداً، أن يرأسالدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة(2)، وقد تأملت الحديث المروي في الموضوع، معأنه صحيح سندا ومتنا، ولكن ما معناه؟
عندما كانت فارس تتهاوي تحت مطارق الفتحالإسلامي كانت ملكية مستبدة مشئومة. الدين وثني! والأسرة المالكة لا تعرف الشوري، وتحترم رأيا مخالفا، والعلاقات بين أفرادها بالغة السوء، قد يقتل الرجل أباه، أوإخوته في سبيل مأربه، والشعب خانع منقاد، وكان في الإمكان وقد انهزمت الجيوشالفارسية أمام الرومان الذين أحروزوا نصراً مبينا بعد هزيمة كبري، وأخذت مساحةالدولة تتقلص: أن يتولي الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، لكن الوثنية السياسيةجعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدري شيئا،ً فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلهاإلى ذهاب.
في التعليق على هذا كله قال النبي الحكيم كلمته الصادقة فكانتوصفاً للأوضاع كلها.
ولو أن الأمر في فارس شوري، وكانت المرأة الحكمة تشبه "جولدا مائير" اليهودية التي حكمت إسرائيل، واستبقت دفة الشئون العسكرية في أيديقادتها لكان هناك تعليق آخر على الأوضاع القائمة.
ثم يسوق الأحاديث ويناقشها،ثم يذكر قائلاً: ومرة أؤكد أنني لست من هواة تولية النساء المناصب الضخمة، فإنالكلمة من النساء قلائل، وتكاد المصادفات هي التي تكشفهن، وكل ما أبغي هو تفسيرحديث ورد في الكتب، ومنع التناقضات بين الكتاب" القرآن" وبعض الآثار الواردة، أوتفهم على غير وجهها، ثم منع التناقض بين الحديث والواقع، ويمكن الرجوع في ذلك إلىكتاب السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث(1).

الفقه الإسلامي بين الجمودوالتطور:

إن العقل الإسلامي مبني على التدبر والتفكر، وفحص الأدلة وموازنتهاوالمقارنة بينها وبين بعضها البعض؛ ليخرج بنتيجة تستنير بها حياة المسلم وتسعد، وفيذلك دلالة واضحة على مكانة العقل في الإسلام، ولقد بني القرآن خطابه على ذلك؛ إذذكر في أكثر من موضع الحض على التفكير وإعمال العقل، فقال:" أفلا يتذكرون، أفلايعقلون، أفلا يتدبرون...إلخ".
وحينما تدبر العقل الإسلامي الخطاب القرآنياستطاع أن يستنبط منه أحكاما وضوابط خاصة بحياة الفرد المسلم، فقعَّد الفقهاء أصولالفقه، وبوبوا لأبوابه، وبنوا على قواعده أحكاما؛ وقد كان هناك من الإشكاليات التيأوقعت الأصوليين في بعض المآزق؛ كربطهم أصول الفقه بالمنطق الأرسطي، ومحاولة تممثيلأبوابه طبقا للمنهج الأرسطي، وهنا برز الاختلاف، فمسايرة المنهج الأرسطي كانتمسايرة مقلد، أي: معطل لعمل العقل، فوقع ما وقع.
كما أن ذلك المنتجالمعرفي(أصول الفقه) هو منتج اختص بفترة زمنية معينة، كان لها ظروفها ووقائعهاوحوادثها، ومجرياتها التي قادت إلى ذلك، وباختلاف الزمان والمكان يختلفالحكم.

لذا وجب على العقل المسلم المفكر أن يعيد النظر فيما كان من منتجمعرفي سابق له ظروفه الخاصة التي أحاطت به، ويقوم بعملية تجديد لما لديه من قواعدوأصول وأحكام، مع التأكيد على مبدأ المرجعية، وهو القرآن الكريم.

وبذلكيستطيع العقل أن يتجاوز النصوصية(الوقوف على النصوص التراثية)، ولن يتأتي له ذلكإلا إذا أخرج طاقاته الإبداعية وقدرته الفكرية.
وقد عمل الشيخ الغزالي علىذلك، فقد نهج منهج السلف الصالح مع الإضافة إليه من خلال نزعة تجديدية اتسمتبالحكمة والجمع بين أصول الواقع والوقائع، ومتغيراته، وبين أصول الإسلام الثابتةوفروعه التي تقبل الاجتهاد والتأصيل، وتبرز دور العقل، وعند الوقوف على حدودالنصوص، وتقديسها.
ويتضح ذلك في تناوله لبعض القضايا، فيعلق على من استقيحكما ظاهريا من آيات القرآن الكريم، كما في قوله تعالي:" وقاتلوا في سبيل اللهالذين يقالونكم ولا تعتدوا" (البقرة: )، يقولون: مرحلية الآية، فإذا أمكنتناالأيد، لم نبق على أحد من الكافرين!
قلت: ما هذه سلفية، هذا فكر قطاع طرق لاأصحاب دعوة شريفة حصيفة، وأؤلئك لا يُؤمنون على تدريس الإسلام لجماعة من التلامذة" بله" أن يُقَدَّموا في المحافل الدولية.
إن العالم الإسلامي الآن متخلفحضاريَّا ومضطرب أخلاقيا واجتماعيا وسياسياً وبينه وبين الأمم القائدة الصاعدة أمدبعيد.
فهو في ذلك يري أن السلفية عنوان كبير لحقيقة كبيرة، أساسها العقل الحرالمكتشف الدءوب، وهو في ذلك يعالج الفقه الإسلامي من اجترار المقولات القديمة التيكرست لعهود التخلف والاضمحلال، فيقول_ رحمه الله_:" إننا محتاجون إلى فقهاءيستطيعون النظر في سياسة المال والحكم، ويرفضون أن يسبقهم الإلحاد إلى اجتذابالشعوب الفقيرة في هذه الميادين الخطيرة، ومحتاجون إلى فقهاء يقومون على شئونالتربيةوالإعلام برحابة الإسلام وبشاشته لا بالتزمت والتكلف.
إن الفقهالإسلامي كما قدمه سلفنا حضارة معجزة، أما الفقه الإسلامي كما يقدمه البعض الآن فهويميت و لا يحيي"(1).
ويري أن المهمة الحقيقية لتجديد الفقه الإسلامي لن تكونإلا من خلال إعمال طاقات العقل، وتحريره من براثن الماضي، ففي كتابه "السنة بين أهلالفقه والحديث" ردَّ الشيخ بعض الأحاديث الثابتة في الصحاح إذا ناقضت منطق العقل،أو منطق العلم، أو منطق الدين نفسه حيثما يراه، وهو يري أن المسلمين لم يؤذوا منالأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الحاديث التي أسيئ فهمها واضطربت أوضاعها، حتيجاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام وتمني لو تخلص المسلمونمنها(2).

الغزالي والصحوة الإسلامية:

لقد كانت إحدي إبداعات التفكيروسرعة الإدراك لدي الشيخ الغزالي تحرره من الانزواء خلف فكر جماعة، أو تيار إسلاميمعين( الإخوان المسلمين)، فمنذ ذلك الحين استطاع الشيخ أن يري الحياة والمجتمع، بلوالكون من خلال عقل المسلم الحر، وليس من خلال العقل المؤدلج، المحبوس في إطارمنظومة فكرية معينة، فقدت قدرتها عبر مرور الزمن على أن تتبني منهجا إصلاحيا يعنيفي المقام الأول بوحدة الصف الإسلامي، وإعادة بنائه مرة أخري، ومن ثم تحول الولاءللدين شعارا يتم تبنيه من أجل المخادلة والمخادعة، بل وتسخيره من أجل الوصول إلىأهداف برجماتية في المقام الأول.
والحقيقة التي لا مناص منها أن العقل يغيبعندما يحصر نفسه في إطار جماعة فكرية معينة، تجعل ولاءها الأول والأخير لأفكارهاومبادئها وليس للإسلام.
إن التقوقع داخل شرنقة فكر معين، يمارس نوعا من الحصاروالتضليل المعرفي ضد العقل، بل ويصل إلى حد اغتيال العقل_ على حد تعبير كانط.
إنجل الحركات المؤدلجة ما هي إلا عالة على الأمة، ولم تستطع أن تقدم ما تصبوا إليهنفوس الناس و آمالهم؛ لذلك مثلت الجمود في جانب والتطرف في جانب آخر.
من هناوبعد عملية التحرر الفكري التي مارسها الشيخ الغزالي استطاع أن يقدم نصائحه للصحوةالإسلامية، وهي نصيحة مجرب ومطلع وخبير ببواطن الأمور وعللها، وقد دار عدد من كتبهحول ذلك؛ مثل: هموم داعية، ومشكلات في طريق الحياة الإسلامية، الدعوة الإسلاميةتستقبل قرنها الخامس عشر...إلخ.
وقد رسم الشيخ ذلك قائلاً:" ولكي نحسن الوقوفأمام عدونا يجب أن تتوافر لجهتنا العناصر الآتية:

أولا: يعود الولاء للإسلامويستعلن الانتماء إليه، وفي حرب تعلن علينا باسم الدين لا مجال لإطفائها بالتنكرلديننا!
لماذا يتقرر إبعاده عن المعركة؟ ولحساب من؟ إن رفض الإسلام في هذهالساعة هو الانتحار وطريق الدمار، بل هو قرة عين الاستعمار.

ثانيا: الولاءالشكلي للإسلام مخادعة محقورة، ومن المستحيل أن ترتبط روحياً ومنهجيا بالماركسية أوالصليبية، وفي الوقت نفسه تدعي الإسلام.

ثالثا: يقصي من ميدان التدينالعلماء الذين يحرقون البخور بين أيدي الساسة المنحرفين، ويزينون لهم مجونهمونكوصهم.
والعلماء الذين يشغلون الناس بقضايا نظرية عفي عليها الزمن أو خلافاتفرعية لا يجوز أن تصدع الشمل أو تمزق الأهل.
إن المسلمين في المشارق والمغاربمهيئون ليقظة عامة تحمي كيانهم وتستبقي إسلامهم، وهم كارهون أشد الكره لأن تكونالأحوال المعاصرة صورة طبق الأصل لما كان عليه المسلمون قبل الهجوم الصليبي فيالعصورالوسطي.
إننا بحاجة إلى نقطة عامة تتناول أوضاعناكلها، حتي نحسن الدفاععن وجودنا ورسالتنا في عالم لا تسمع فيه إلا عواء الأقوياء.

معالم الدولةالإسلامية عند الغزالي:

مثل الخطاب العلماني نوعا من العقبات في طريق الحياةالإسلامية والمشروع الإسلامي بصفة خاصة، من خلال تصديره لبعض القضايا التي ظن بجهلمنه أنها من مبادئ الإسلام، ومن ثم راح يلوك لسانه بها لوكاً، وقد وضع مبدأ الدولةالمدنية في موضع النقيض للدولة الإسلامية، ولم يدر أن الإسلام لا يمنع أن تكون هناكدولة مدنية تستمد مرجعيتها من القرآن بوصفه النص المركزي والمرجعي للأمة الإسلامية،لا أن تستمد مرجعيتها من الأسس المادية والإلحادية، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلكبأنه ليس من مانع في مسألة فصل الدين عن الدولة، لكن ليس بالمسألة الحلوليةالغربية، وهي إحلال شيء مكان شيء، فالإحلال في ذاته يدل على قطع الصلة بين الأمرين،فقد تم علمنة الدين في المغرب، وذلك بإحلال الدولة محله، ثم تم إحلال السوق محلالدولة، مع الاختلاف في المرجعيات لدي كل حالة حلولية.
وقد صدر الخطابالعلماني عددا من القضايا؛ كقضايا المواطنة، والمرأة، وإقامة الجدود، وحريةالاعتقاد، وغيرها من الأمور التي يقوم بتصديرها قديما وحديثا.
وقد مثل الشيخالغزالي نموذجاً رائعا للوقوف على أبعاد الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، منخلال آرائه الفقهية، والتي مثلت قفزة حقيقية على طريق الصحوة الإسلاميةالراشدة.
ومن آرائه الفقهية التي أكد فيها على حق التساوي بين المرأة والرجلفي المجتمع، حتي إذا ارتكب الواحد منهم خطأ. حق دية المرأة مثل دية الرجل، وحجته: أن الدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة، والزعم بأن دم المرأة أرخص، وأن حقهاأهون، زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب العزيز، فإن الرجل يقتل في المرأة، كما تقتلالمرأة في الرجل، فدمهما سواء باتفاق، فما الذي يجعل دية المرأة دون ديةالرجل.
والذين انتقدوا الشيخ انتقدوه من ناحيتين:
1_
أنه خالف الحديث الذيذكر أن دية المرأة نصف دية الرجل.
2_
أنه خالف إجماع الفقهاء.
وهذ النقدضعيف لأمرين:

الأول: أن الحديث في تنصيف دية المرأة لم يصح عن النبي_ صليالله عليه وسلم_ فقد جاء عن معاذ بن جبل، وقال البيهقي: إسناده لا مثله، وجاء عنعلى بن أبي طالب، وفيه انقطاع، وليس في الصحيحين، ولا في أحدهما شيء من ذلكالبتة.

2_
أن الإجماع لم ينعقد في هذه القضية، فقد خالف فيها الأصم وابن أبيعبلة، كما ذكر الشوكاني(1).
ويمكن أن يضاف إلى ما سبق أن القرآن في تعامله معالحدود لم يفصل بين الرجل والمرأة، ففي حد الزنا، لم يقصر الجلد مائة على الرجل دونالمرأة، بل سوي بينهما في إقامة الحد، وهو الجلد مائة لكل منهما.

قتل المسلمبالكافر الزمي:

ومن الآراء الفقهية التي تبناها الشيخ: اختياره مذهب الأحناففي مشروعية قتل المسلم قصاصاً إذا اعتدي على ذمي وقتله عمداً، وإنما اعترضوا علىالشيخ لأنه أعرض عن الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره:" لا يقتل مسلمبكافر".
والشيخ يقول:" إننا لا نحرض على تضعيف حديث يمكن تصحيحه، وإنما نحرصعلى أن يعمل الحديث داخل سياج من دلالات القرآن، وحديث الآحاد يفقد صحته بالشذوذوالعلة القادحة، وإن صح سنده.
وحديث:" لايقتل مسلم بكافر" معلول بمخالفته للنصالقرآني:" أن النفس بالنفس"، ثم يقول:
وعند التأمل نري الفقه الحنفي أدني إلىالعدالة، وإلى مواثيق حقوق الإنسان، وإلى احترام النفس البشرية، دون نظر إلى البياضأو السواد، أو الحرية والعبودية، أو الكفر والإيمان، فالنفس بالنفس، وقاعدة التعاملمع مخالفينا في الدين ومشاركينا في المجتمع: أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فكيفيهدر دم قتيلهم؟
أما بالنسبة لحد الردة، فقد أقر الشيخ في العديد من كتبه علىان حد القتل لمن قاتل وليس لمن خالف، بل إنه أقر في كتاب" حقوق الإنسان بين تعاليمالإسلام وإعلان الأمم المتحدة" بحق الحرية الدينية، والتفكير والاعتقاد والتعبير،ولا يجوز قتل إنسان على اعتقاده(3)؛ إلا أن الشيخ خالف ذلك عند التطبيق العمليلرأيه هذا في شهادته التي أدلي بها في قضية مقتل د/ فرج فودة، ولست أدري ما السببالذي دفعه إلى ذلك_ الله أعلم.

هامش:

1_
د/ محمد البهي: الفكرالإسلامي في تطوره، ص6( مكتبة وهبة، مصر، 1401ه، 1981م) الطيعةالثانية.

2_
يميل الدكتور البهي إلى استخدام كلمة " الجماعة الإسلامية"،ونحن لا نميل إلى هذا الاستخدام؛ إذ يدل على أن الإسلام دين ينحصر في جماعة دونأخري، كما أن التطور الدلالي لمفهوم الجماعة الإسلامية_ على حد تعبير علماللسانيات_ حصر الدلالة على فئة معينة من التنظيم الأيدلوجي، والذي حملت طابعه حركةمن الحركات الإسلامية في مصر.

كما أن مصطلح الجماعة لايدل على عالميةالإسلام_ على حد تعبير محمد أبو القاسم حاج حمد_ فمصطلح الأمة فيه شمول، وعالمية،وقد استخدم القرآن لفظ الأمة ولم يستخدم لفظ الجماعة.

حول عالمية الإسلامينظر كتاب: محمد أبو القاسم حاج حمد: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" العالميةالثانية للإسلام، ط: دار الهادي، لبنان2004.

1_
هذا القول لا يعني العموم فيمجمله، ولا يمكن سحبه على النص القرآني؛ إذ إن الشيخ الغزالي كان ينتمي إلى مدرسةتؤمن بعدم

وجود نصوص منتهية في القرآن، على نحو مما سنبينه بعد قليل. النصوص متناهيّة نعم لو كانت جزئيّة، ولكن القرآن الكريم مشتمل

علىكليّات والجزئيّ فيها نادر، والجزئيّ إذا وضعته في إطار المنهج واستخرجنا منه منهجحولناه إلى كليّ، وهذه الكليّات هي التي مَا

فرط الله فيها من شيء وأنت ترىفي «سورة النحل»: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍوَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ

(89)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُبِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى[ (النحل:89-90).

2_
لقد اكتسب الخطاب الاستشراقي مركزيته كخطاب مرجعي من خلال تشكيكه في النص الأساسي،أو المرجعي للأمة، وهو القرآن، وقد تميز هذا الخطاب بالعمق، والاستقصاء من ناحية،وبالارتكاز على مناهج بحثية جديدة، وقد كان الاستشراق الألماني خير مثال على ذلك؛إذ تميز هذا الخطاب بالشمولية، والجدية البحثية التي لم تكن معهودة لدي الخطاباتالاستشراقية الأخري؛ كالفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، وغيرهم، ويمكن الرجوع حولمبدأ التشكيك في النص المرجعي "القرآن"، والقول بانتهاء نصوصه، وتقادمها في كتابتيودور نولدكة: Geschichte des Quran. Liepezig 1909-1938، ويمكن تتبع مسار الحركةالاستشراقية حول القرآن من خلال كتاب:

Muhammad Muştafā al-a‛żamī: the history of the qur’nic ****. P:10-14.press

by Islamic academy, first published 2003. United kingdom .

وقد قدم البعض دراسةتفكيكية لبنية الخطاب الاستشراقي كاشفا أبعاده الكولونيالية Colonialism، وكان منأفضل الذين قدموا هذا الأمر إدوارد سعيد في كابيه: الاستشراق، وتعقيبات علىالاستشراق.



1_
د/ علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ط" الدارالعالمية للطباعة والنشر، 1404ه، 1984م.

2_
جمال الدين الأفغاني: الأعمالالكاملة، تحقيق: د/ محمد عمارة، ط: دار الكتاب العربي للطباعة والشر 1968.



1_
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ط: دار الوفاء،القاهرة (1413ه، 1993م).

1_
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين،ص249_252.

1_
لقد كان للواقع أثر كبير على الكثير من التيارات التي ظهرت،سواء كانت تيارات مادية، أو غير ذلك، فهاهي الماركسية تعتمد الواقع كأحد الأسس التيتنتظم عليها، فقد اعتمدت على الجدلية المادية، والجدلية التاريخية، وهما يشكلانالبناء الفوقي والتحتي لمرتكزاتها الفكرية، وجعلت البناء التحتي" الواقع" أهممناحيها إلا أنها أخفقت في الاستفادة منه، وتحولت إلى عبث لحظي، واختزلت قضاياها فيالوجود والصراع حول نفيه أو إثباته، هذا على مستوي التيارات المادية؛ أما أثره علىالجانب الإسلامي فقد شكل الاهتمام بالواقع، عددا من القضايا الفقهية التي ظهرت فيالفقه الإسلامي؛ كفقه الأولويات، وفقه الأقليات، وهي من الأمور المهمة التي انبثقتعن الواقع، وقد اهتم المصلحون بفقه الأوليات كمرحلة جديدة واستجابة للواقع، وتمثلذلك في فكر: محمد بن عبد الوهاب، والزعيم محمد أحمد المهدي بالسودان، وجمال الدينالأفغاني، ومحمد عبده، والإمام الشهيد حسن البنا، والمودودي، وسيد قطب، ومحمدالمبارك، والشيخ الغزالي، وقد كان لمدرسة محمد عبده الأثر البين في ذلك؛ إذ من أهمأولوياتها: تحرير العقل المسلم من أسر التقليد، وربطه بالمنابع الإسلامية الصافية،وكذلك كان مفهوم الحاكمية عند أبي الأعلى المودودي، ورفضه لحاكمية المخلوقين، أياكانت منزلتهم أو وظيفتهم، مفكرين أو قادة سياسين، وحياة الفرد والأسرة والمجتمع،وتتخذ منهجا خاصا في الانقلاب والتغير، وقد انتقل مفهوم الحاكمية لدي المودودي إلىسيد قطب، إلا أن الشهيد لم يدرك فروق الواقع بين البيئة التي نشأ فيها المودودي،وبين بيئته الخاصة.

أما بالنسبة لفقه الأقليات كأحد الأمور المتعلقة، أوالمنبثقة عن الواقع فيمكن الرجوع إلى بعض الدراسات المهمة في ذلك، ينظرعلى

سبيل المثال:

- A guide to shariah law and islamist ideology in western Europe 2007-2009 press in London by the centre for Islamic pluralism 2990

1_
د/ يوسف القرضاوي: الغزالي كما عرفته، رحلة نصف قرن، ص217، ط: دارالشروق2000.

1_
محمد الغزالي: الحق المر، 129، ط: نهضة مصر2006.

1_
السابق نفسه.

2_
مبدأ الكفاءة هذا قالت به بعض الفرق الإسلامية، وهو لا ينفعمع هذا العصر؛ إذ الأوضاع قد اختلفت، وصار الحكم ليس للفرد وإنما هو للأحزاب،وبالتالي فإن تحقق مبدأ الكفاءة في هذا الإطار سيكون صعب المنال، وقصره على الفردصعب أيضا، وإنما يصير المبدأ مبدأً مؤسسياً كلياً، ينطبق مفهومه على الجماعة( الحزب) ، وهذا بالطبع في النظم الديمقراطية، وليس في النظم الدكتاتوريةالأبوية.

1_
محمد الغزالي: السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث.ص79

1_
دستور الوحدة الثقافية للمسلمين، ص86.

2_
السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث،ص73.

1_
القرضاوي: الغزالي كما عرفته، ص173.

2_
السنة بين أهل الفقهوأهل الحديث، ص 24.

3_
محمد الغزالي: حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلاموإعلان الأمم المتحدة، ص217_218، ط: نهضة مصر 2002.

كيف ندعوا إلى الإسلام في زمن العولمة وعصر الهجوم على الإسلام (في فكر الشيخ محمد الغزالي) (العدد : 453)
غني عن البيان ذكر فضل الدعوة إلى الله تعالى وتوضيح منزلتها ومكانتها في الإسلام، وعوائدها على الفرد والمجتمع، فهي السبب الذي يتعلق به المؤمن، والعاصم الوحيد حين يحل عذاب الله، والركن الركين الذي يأوي إليه ليحميه ويُجيره: (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً· إلَّا بَلاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ··) الجن: 22 32· وحسبنا قول الله تعالى: (ومَنْ أحْسَنُ قَولاً ممَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمين)· فصلت: 33·
وبالطبع ليست كل دعوة يترتب عليها هذا الأجر العظيم والجزاء الوفير، إنما يقتصر ذلك على اقتفاء أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنهج الذي سار عليه· وما أكثر الدعوات التي قامت تدعو باسم الإسلام إلى الإسلام، وهي أبعد ما تكون عن روحه ومقاصده، فكان أثرها الإساءة إلى الإسلام وتعاليمه وخطابه الدعوي من حيث أرادت الإحسان·
إنه لا خوف أبداً على دعوة الإسلام من أن يكون لها مناهضون من خارجها، فتلك سنَّة من سنن الله الجارية، ومقوِّم من مقومات صلاحية الحياة للبقاء، أما أن يكون أعداء الدعوة هم أبناؤها ورجالاتها فذلك ما يُذهب النفس حسرات، ويُقطّع القلب زفرات·
والعلاج الوحيد الذي يضمن للدعاة اليوم استعادة العافية، وقوة الأثر والتأثير في المجتمعات هو السير على آثار خطى رسول الله في دعوته والقواعد التي انطلق منها يدعو ويبلِّغ ويدعو ويبلِّغ·
ويحسن بنا أن نتتبع هذه الطريقة ونذكر أهم مرتكزاتها؛ لتكون نبراساً للدعاة، ووميضا يبرق للعاملين، وذلك من خلال أحد دعاة الإسلام، صاحب تجارب واسعة في هذا الميدان، وخبير بالحياة وعللها، ومكين في الوحي الأعلى، وصاحب ثقافة موسوعية، عاش حياته للإسلام ومات وهو يدافع عن الإسلام، إنه الشيخ >محمد الغزالي< عليه رحمة الله ورضوانه· وتأبى على القلم شخصية في وزن الشيخ الغزالي إلا أن يستهل موضوعه بإشارة إلى مكانته العلمية وقيمته الدعوية، وحسبنا أن نقتبس هنا مما قاله بعض أهل العلم والفكر والدعوة، ورجال العمل الإسلامي· فهذا العلاَّمة الدكتور >يوسف القرضاوي< حفظه الله يقول في نهاية كتابه عنه: >والحق أن هذه الدراسة أثبتت أننا أمام قائد كبير من قادة الفكر والتوجيه، وإمام فذّ من أئمة الفكر والدعوة والتجديد· بل نحن أمام مدرسة متكاملة متميزة من مدارس الدعوة والفكر والإصلاح<(1)·
وهذا المفكر المعروف الدكتور >محمد عمارة< يقول: >لقد أدركت وأنا الذي سبق ودرست الآثار الفكرية لأكثر من ثلاثين من أعلام الفكر الإسلامي، وكتبت عنهم الكتب والدراسات أدركت أنني حيال الشيخ الغزالي يرحمه الله لست بإزاء مجرد داعية متميز، أو عالم من جيل الأساتذة العظام، أو مؤلف غزير الإنتاج، أو مفكِّر متعدد الاهتمامات، أو واحد من العاملين على تجديد فكر الإسلام لتتجدد به حياة المسلمين ·· أدركت أنني بإزاء جميع ذلك، وأكثر منه وأهم<(2)·
ويقول الدكتور >عبد الصبور شاهين<، وهو يقدم خطب الشيخ: >والحق أن كتابا يوضع على غلافه اسم الأستاذ الغزالي لا يحتاج إلى تقديم، فحسبه في تقديري أن يُتوَّج بهذا العلم الخفاق، وقد قرأَتِ الدنيا له عشرات الكتب في الإسلام ودعوته، وتلقت عنه ما لم تتلقَّ عن أحد من معاصريه، حتى إن عصرنا هذا يمكن أن يطلق عليه في مجال الدعوة: عصر الأستاذ الغزالي<(3)·
وهذا الكاتب السوري الأستاذ >عمر عبيد حسنة< صاحب القلم الرصين، يقول عن الشيخ في تقديمه لأول إصدار من سلسلة >كتاب الأمة<: >فهو يعتبر بحق أحد شيوخ الدعوة الحديثة وفقهائها، يحمل تاريخ نصف قرن أو يزيد من العمل الإسلامي، وهو أحد معالم الحركة الإسلامية الحديثة ورموزها<(4)·
لقد شق قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد على نصف قرن، فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصيِّب والكلم الطيب، وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عند خطبه وكتاباته، وأصغى لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب، وأخرجت المطابع هذا الكلم الرفيع كتبا ورسائل ومقالات دبَّجها يراع داعيتنا الكبير، تزوِّد جيل الدعوة إلى الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلى طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته·
إن الشيخ الغزالي انتهج منهجا في الدعوة جدد به دماءها، اقتفى فيه أثر رسول الله وصحبه الكرام، وسلك طريقةً في الإصلاح والفكر والتغيير أصلح بها كثيرا من المفاهيم، وأحيا الفكر الإسلامي·
وباستقرائنا السريع لكتاباته التي بين أيدينا وجدنا أهم المرتكزات التي تدور حولها طريقته الإصلاحية، وينطلق منها منهجه الدعوي تتركز فيما يلي:
أولا: التدرج والتركيز على الكليات:
وهذا منهج قرآني محمدي، فالقرآن الكريم لم يفرض الشعائر والفرائض مرة واحدة، إنما فرضها فريضةً فريضة مع مراعاة الوقت الذي تفرض فيه، ثم التدرج والتمرحل في الفريضة نفسها، والأمر في المحرمات سواء بسواء·
وإنه واضح غاية الوضوح في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي منهجه الدعوي، فلا يخفى على أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي أصحابه على الأصول والكليات، وظل القرآن يتنزل عليه موجها الجماعة المسلمة الوليدة إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وأصول الأخلاق وأساسيات السلوك ومبادئ المعاملات، وعلى الرغم أن القرآن المكي تنزل ببعض التشريعات بينما استكمل القرآن المدني أغلبها، إلا أن القرآن المكي كان جل تركيزه في تربية المسلمين على أصول الإسلام الكبيرة ومقاصده الأساسية ومبادئه العليا، ولعل آخر ما وجهه الرسول لأمته من نصح في خطبة الوداع يشير إلى ذلك·
والشيخ الغزالي لم يشغل نفسه يوما ما بالفرعيات، إنما كانت حملته على الذين ينشغلون بترقيع الثوب والجسد تسيل منه الدماء·
إن الذي يطالع كتب الشيخ الغزالي يشعر للوهلة الأولى أنها >تحمل عاطفة الأم على وليدها المريض الذي تخشى أن يفترسه المرض ···· وكانت كتبه وكتاباته تواجه التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء<(5)·
لقد جأر في وجه التيار العلماني الذي حاول سلخ الأمة من عقيدتها وشخصيتها المتميزة، كما كانت له صولات وجولات في مقاومة الزحف الأحمر والمد التنصيري، ولعل مؤلفات الشيخ وهو في شرخ الشباب خير شاهد على ذلك·
وفي كتابه فقه السيرة يلخص دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في بدايتها تحت عنوان >إلام ندعو الناس<، يقول: >وسور القرآن الذي نزل بمكة تبين العقائد والأعمال التي كلف بها عباده وأوصى رسوله أن يتعهد قيامها ونماءها، وأول ذلك: 1 الوحدانية المطلقة·····
2 الدار الآخرة ····
3 تزكية النفس ····
4 حفظ الجماعة المسلمة باعتبارها وحدة متماسكة تقوم على الأخوة والتعاون<(6)·
وعند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ماذا يفعل؟ هل يشرع في الكلام عن الفرعيات مع التأكيد عليها ولا سيما قد انتهى في المرحلة المكية من تثبيت وترسيخ الكليات؟ كلا·· كلا· لم يفعل ذلك، إنما كرر وأكد على ما كان في المرحلة المكية، يقول الشيخ: >من هنا شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مستقره بالمدينة بوضع الدعائم التي لابد منها لقيام رسالته، وتبين معالمها في الشئون التالية:
1 صلة الأمة بالله·
2 صلة الأمة بعضها بعضها الآخر·
3 صلة الأمة بالأجانب عنها ممن لا يدينون بدينها<(7)·
وبالتالي اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك خطوات عملية، وشرع في تنفيذها، فبنى المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع دستوراً لمعاملة غير المسلمين(8)·
إن النبي صلى الله عليه وسلم يوطد العلاقات الروحية، ويعمق الأصول الإسلامية، ويرسخ المعاني الكلية، فإذا تم هذا فلا خوف على الأمة من الخوض في الفرعيات والخلافيات؛ لأنه حينئذ سيكون منضبطا بضوابط ما ترسخ من أصول وتوطد من علاقات·
وتحت عنوان >كيف ندعو إلى الإسلام< يحكي الشيخ أنه دخلت عليه فتاة لم يعجبه زيها أول ما رآها، لكنه لمح في عينيها حزنا وحيرة يستدعيان الشفقة والرفق بها، وبعدما بثت شكواها علم الشيخ أنها فتاة عربية لكنها تلقت تعليمها في فرنسا، فلا تكاد تعلم عن الإسلام شيئاً، فأخذ يشرح لها حقائق ويرد شبهات ويجيب على أسئلة، ويصف لها الحضارة الحديثة بأنها تعرض المرأة لحما يغري العيون الجائعة، ثم انصرفت إلى سبيلها·
ودخل بعدها شاب عليه سمات التدين يقول للشيخ في شدة: ما الذي جاء بهذه الخبيثة إلى هنا؟ فقال له الشيخ في رفق: إن الطبيب يستقبل المرضى قبل الأصحاء· فقال له الشاب: طبعا نصحتها بالحجاب؟ فقال له: الأمر أكبر من ذلك، هناك المهاد الذي لابد منه، هناك الإيمان بالله واليوم الآخر، والسمع والطاعة لما جاء به الوحي في الكتاب والسنَّة، والأركان التي لا يوجد الإسلام إلا بها في مجال العبادات والأخلاق· فقاطع الشاب الشيخ قائلا: ذلك كله لا يمنع أمرها بالحجاب، فقال الشيخ في هدوء: ما يسرني أن تجيء في ملابس راهبة وفؤادها خال من الله الواحد، وحياتها لا تعرف الركوع والسجود· فقاطعه الشاب مرة ثانية، فقال الشيخ في حدة: أنا لا أحسن جر الإسلام من ذيله كما تفعلون، إنني أشيد القواعد، وأبدأ البناء بعدئذ، وأبلغ ما أريد بالحكمة(9)· وجاءته الفتاة بعد ذلك بخمار على رأسها·
وتحت عنوان >الدعوة ليس طريقها العنف< ذكر حديثا في كتاب الاستئذان من صحيح البخاري، قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن· قال: اصرف بصرك (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)· النور: 30·
ولكن إيراد الشيخ لهذا الحديث لم يعجب بعض الشباب، وقال له: ليس هذا ما تعلمناه، ما تعلمناه أن المرأة المتبرجة تسحر الناس بجمالها، وقد قال الفقهاء: إن الساحرة تقتل، وهذه تسحر الناس بجمالها، بل إن المستعلنة بالفاحشة يجوز قتلها دون إذن الإمام·
واستنكر الشيخ هذا القياس الفاسد، وبعد حوار معهم قال الشيخ: >ليست كل واحدة مشت مع هذه المواريث تريد الرذيلة أو تبغي الفتنة، ربما كانت خالية البال، وربما كانت سيئة، والعمل الصحيح هو نشر العقيدة أولا ثم بناء الخلق والسلوك على دعائمها، والعقيدة لا تنشر بفتاوى القتل، واستباحة الناس···· إن منطق قطاع الطريق لا يسمى فقها، والحرص على اتهام الآخرين بالإثم ليس غيرة على الدين<(10)·
ويتحسر الشيخ في هذا الصدد ناعيا على الأمة عدم وجود دعاة لها يقدمون دعوتها بيضاء نقية، ويشرحون فطرة الله التي فطر الناس عليها· إن ألوفا من أهل أوروبا وأميركا يبحثون عن دين يملأ أفئدتهم ويروي عطشهم الروحي ونهمهم العقلي فلا يجدون، وإذا وجدوا واحداً يحدثهم عن الإسلام عادوا من عنده يرتدون جلباباً أبيض، وعمامة فوقها عقال·
هذا النوع من الدعاة إذا عرض عليه الأوروبيات والأميركيات كما يقول الشيخ لكي يُسْلِمن، أمرهن أول ما يأمر بغطاء الوجه، وأنكر عليهن بسوء أدب السفور والتكشف، يقول الشيخ محتداً: >ومن قال لامرأة سافرة الوجه: غطي وجهك يا عاهرة! يجب دينا أن يقاد إلى مخفر الشرطة ليجلد ثمانين جلدة، وتهدر كرامته الأدبية، فلا تقبل له شهادة أبداً<(11)· إن هناك مشتغلين بالعلم الديني قاربوا مرحلة الشيخوخة ألَّفوا كتباً في الفروع، وأثاروا بها معارك طاحنة في هذه الميادين، ومع ذلك فإن أحداً منهم لم يخط حرفاً ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية(12)· إن الاشتغال بالجزئيات على حساب الكليات يتولد عنه في فكر الشيخ الغزالي أمران خطيران، كلاهما يهوي بالأمم من حالق ويذهب بريحها، الأول: ضعف الخلق، والثاني: العجز العجيب عن فقه الدنيا والاقتدار على تسخيرها لخدمة الدين(13)·
إن دعوة من الدعوات لن تبلغ أوجها أو تحقق أهدافها ما لم تركِّز على الكليات، ولا سيما في وقت وهن فيه جسد الأمة، وتفرق مع ذلك جمعها، فتكالبت عليها الأمم من كل حدب وصوب، إن هذه دعوة ليست جديرة بالبقاء، إنما ستعيش إن عاشت صغيرة ضئيلة بلا وجود، وستموت صغيرة ضئيلة بلا أثر·
ثانيا: عدم تهويل التوافه وتهوين العظائم
وهذه ترجع إلى منهج الإسلام الوسطي الذي لا يغالي أو يقصر، ولا يفْرط أو يفَرط، إنما هو بين المقصِّر والغالي، وبين الموغل فيه والجافي عنه: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)· والمعروف أن الإسلام عقائد وعبادات، وأخلاق وشرائع، ومن التقاء هذه الأنواع تتكون تقاليد ومعالم لمجتمع كامل وجماعة قائمة، لا يغني فرض عن فرض ولا نافلة عن نافلة، فكل تكليف له سره وله أثره·
والنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لم يهول تافها أو يهون عظيما، إنما وضع الأمور في نصابها الصحيح·
كان يغضب أشد الغضب إذا سمع بفرقة بين المسلمين، وكان يتغير لون وجهه إذا سمع باتجاه في المجتمع يجنح إلى الغلو والتنطع ويهمل مقاصد الإسلام، فكانت التوافه عنده في مكانها، كما كانت العظائم في مكانها ومكانتها·
وما أكثر ما عانت الحركة الإسلامية المعاصرة من أمراض مهلكة تتورم فيها بعض التعاليم وينكمش بعضها الآخر، فتصبح العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعا، ومن ثم يضطرب علاج الأمور وتصاب الدعوة بهزائم شديدة·
وما أكثر ما ضرب بعض أبناء الحركة رقاب بعض من أجل أمور لا تمس أصول الإسلام من جانب، وإنما حملهم على ذلك التعصب الممقوت والهوى المتبع والجهل المركب وإعجاب كل ذي رأي برأيه·
وما أطول ما عانى داعيتنا الكبير من هذه الطرائق في الفهم، وما أكثر ما تحسر لها واحتد عليها·
رأى ذات مرة بعض الطلبة والعمال يتواصون بعدم تحية العَلَم، ويزعمون أن تحيته شرك، كما أفتى بعضهم بأن الموسيقا العسكرية ضد الإسلام، فقال لأحدهم: >إن العلم رمز لمعنى كبير، وهذا ما جعل جعفر بن أبي طالب في معركة مؤتة يقاتل دون سقوطه وتنقطع ذراعاه وهو يحمله ويحتضنه، ولم يزعم مغفَّل أن جعفراً كان يعبد الراية المنصوبة، ولا يتصور عاقل أن يُعبد مترٌ من قماش، ثم إن الموسيقا العسكرية تضبط الخطوات وتهيج المشاعر وتعين على أداء الواجب، فلا مكان لخصومتها· ثم قال لهم: إنكم مولعون بتهوين أشياء وتضخيم أشياء دون ميزان يحقق العدل<·
إن الدين الحق وعي صحيح بجملة العقائد والعبادات والأخلاق والشرائع، وارتسام صورها في نطاق النسب التي تقررت من عند الله لها، فلا تشمل العين الخد، ولا تضرب الأذن الكفين، لكل عبادة مكانها ومكانتها(14)·
إن كثيرا من مسلمي العصر الحاضر كما يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله جمعوا شعب الإيمان في خليط منكر كبروا فيه الصغير وصغروا فيه الكبير وقدموا المتأخر وأخروا المتقدم، وحذفوا شعباً ذات بال وأثبتوا أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، فأصبح منظّر الدين عجبا، لا! بل أصبحت حقيقته نفسها حرية بالرفض(15)·
إن الإسلام يريد أن ينطلق بأركانه السليمة ومعالمه الثابتة، فإذا ناس يقولون ضموا إلى هذه الأركان والمعالم المقررات التالية: لبس >البدلة< الإفرنجية حرام، كشف وجه المرأة حرام، الغناء حرام، الموسيقا حرام، التصوير حرام، إعلاء المباني حرام، ذهاب النساء للمساجد حرام ···· هذه الضمائم الرهيبة تُضم إلى كلمة التوحيد، وقد تسبقها عند عرض الإسلام على الخلق، فكيف يتحرك الإسلام مع هذه الأثقال الفادحة، إنه والحال هذه لن يكسب أرضاً جديدةً، بل قد يفقد أرضه نفسها(16)·
وهذا الفريق من الناس يسميه الشيخ >حزب الحُطَيْئة<، ويجعل علامتهم أن يضخموا التوافه، ويتاجروا بالخلافات، ويتلمسوا للأبرياء العيوب·
إن الداهية الدهياء عند الشيخ أن يقف في محاريب الدين رجال من على شاكلة >الحطيئة<، وأن يتكلم بلسانه صنف من البشر إذا وقع الإنسان لسوء الحظ بينهم فكما يقع الطارق الغريب أمام بيت لا أنيس فيه، ما إن يقرع الباب حتى يقضم رجله كلب عقور(17)·
أولئك قوم يتمنون وقوع الخطأ من الناس حتى إذا زلت أقدامهم وثبوا على المخطئ وظاهر أمرهم الغضب لحدود الله، أما باطنه فالتنفيس عن رغبات الوحش الكامن في دمائهم، يريد أن ينبح المارة ويمزق أديمهم، والويل للمسلمين يوم يشتغل >الحطيئة< بالدعوة إلى الله(18)·
وسبب هذا الخلل عند الشيخ الغزالي هو الجهل بالنسب التي تكوِّن معالم الدين، وتضبط شعب الإيمان(19)· بينما يرى العلاج لهذه الداهية الدهياء على حد تعبيره يتمثل في تزكية النفس الإنسانية، وحسن إدراك العقل البشري للحقائق كلها، وتربية الأجيال المنتمية للإسلام نفسياً وفكرياً، تلك التربية التي برَّز فيها السلف الأول، وأضحوا بها قادة ترنوا لهم الدنيا بإعجاب وحفاوة(20)·
ثالثا: البدء بالأقربين وبمن له بهم صلة قوية
فإن العصبة القبلية هي مظنة النصرة والمنعة، وتلحق بها في ذلك الصلة القوية والصداقة الحميمة، وإذا لم يستجب للمرء عصبته وتمنعه فمن ذا يستجيب ويمنع؟· ويشهد الواقع والفطرة أنه إذا وجد المرء بين يديه خيراً فإن أول ما ينطلق به إليه عصبته وقومه ليفيض عليهم من هذا الخير، فكيف إن كان الأمر وحيا أعلى يترتب عليه نجاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة؟· إن ذلك أدعى وأحرى أن يتوجه به إلى قومه ينقذهم به من النار، ولسان حاله يقول: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) الأحقاف:12·
وهذا ما رأيناه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث عرض دعوته على أقرب الناس إليه، يقول داعيتنا الكبير: >ومن الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً الإسلام على ألصق الناس به من آل بيته وأصدقائه، وهؤلاء لم تخالطهم ريبة قط في عظمة محمد عليه الصلاة والسلام، وجلال نفسه وصدق خبره، فلا جرم أنهم السابقون إلى مؤازرته واتباعه<(21)·
ومن هنا آمنت به زوجته خديجة، ومولاه زيد بن ثابت، وابن عمه علي بن أبي طالب، وكان صبياً يحيا في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم وصديقه الحميم أبو بكر·
وأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يعيد سيرة رسوله الكريم في ذلك، فأدخل في الإسلام بتوفيق الله أهل ثقته ومودته، مثل: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وآمن ورقة بن نوفل، والزبير بن العوام، وأبو ذر الغفاري، وعمر بن عنبسة، وسعيد بن العاص، وهكذا يكون الداعية·
يقول الشيخ الغزالي: >وفشا الإسلام في مكة بين من نوَّر الله قلوبهم، مع أن الإعلام به كان يقع في استخفاء، ودون مظاهرة من التحمس المكشوف أو التحدي السافر<(22)· هذا هو أثر العصبة التي تؤمن، فماذا عن التي لم تؤمن؟ رأينا أبا طالب خفف الله عنه ذلك الرجل الذي مات على كلمة الكفر، واستنكف أن يقول كلمة ظل الرسول يلح عليه لينطق بها، لكنه أبى إلا أن يموت على ملة عبد المطلب·
لقد تحدى قريشا كلها تحدياً معلنا في مواقف كثيرة حتى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : >فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب، فقال أبو لهب: هذه والله السوأة!!! خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا<(23)· لقد ظل أبو طالب خفف الله عنه حصنا يتحصن به النبي الكريم، وموئلا تأوي إليه الدعوة، وظلاً ظليلاً يفيء إليه المسلمون·
إن الأقربين وأصحاب الأواصر القوية هم أكبر كسب يحتويه الداعية ليمنعوه ويتبعوه، فهم إن لم ينصروه ويؤازروه فلن يصدوه عن سبيله في الغالب، وسوف يكسر النفورَ الذي في قلوبهم، ويهدئ من ثورتهم ضده ورفضهم لما جاء به ما توطد بينهم وبينه من قربى، وما ترسخ في النفوس من فطرة تنصر العصبة وتحوطها وتمنعها·
رابعا: الاختلاط بالناس ومراعاة أحوال السائلين:
ومراعاة أحوال السائلين لا تُتصور إلا بوجود سائل ومسؤولين، وهذا مقتضى الاختلاط بالناس ومعايشتهم، ولا يُتصور داعية إلا بوجوده بين الناس ومعايشته لهم، ومعاناته معهم آمالهم وآلامهم·
وربما يظن الداعية أنه إذا اعتزل الناس سوف يُريح ويستريح، ويُعفي نفسه من ضجرهم وأذاهم، أو ربما تصور أن اختلاطه بهم يضع حجابا على بصره وبصيرته فلا يكاد يرى وجه ربه، ولا يشعر بلذة المناجاة والتأمل·
إن بعض الدعاة ما زال يفسر قول الله تعالى: >عليكم أنفسكم< خطأ، ويظن أن اعتزال الناس أسلم في مثل هذا الزمان، وموقف أبي بكر من تفسير الآية معروف كما روى الترمذي وغيره·
ولا شك أنه إذا اعتزل سيستريح من ضجر الناس وأذاهم، لكنه سيُريح الشيطان سواء كان إنساً أو جناً ويتركه يؤدي رسالته دون وجل· لكن الشيخ الغزالي عليه رحمة الله يرى اعتزال الداعية للناس في ظل ما يحياه الإسلام من محنة جريمةً نكراء وكبيرة من الكبائر، إنه يرى اعتزال الداعية للمجتمع >فراراً من الزحف ونكوصاً عن الجهاد<(24)·
إن العبادة الحقيقية لله أن نحرس الفطرة الإنسانية، وأن ندخل في حرب دائمة مع البيئة التي تريد تشويهها أو تغييرها أو تحريفها، فكل مولود يولد على الفطرة، والتقاليد الفاسدة والعقائد الزائفة هي التي تتلقف الأجيال الناشئة وتنحرف بها ذات اليمين وذات الشمال بعيداً عن حقائق الإسلام وصراطه المستقيم، فكيف نترك المجتمعات يستقر فيها الباطل، ويتلاشى منها الحق، ويحل الرجس محل الطهر، والكفر مكان الإيمان، والجور بدل العدالة؟(25)·
إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأُوَل كانوا كما يقول الشيخ بصلابة يقينهم وروعة استمساكهم دعائم رسالته وأصول امتدادها من بعدُ في المشارق والمغارب(26)·
ويتساءل الشيخ: كيف صنع رجل واحد ذلك كله! هذه هي المعجزة، وكان العرب قبل محمد صلى الله عليه وسلم مصابين بحمى الحرب والاقتتال على أتفه الأسباب ما أدى إلى إيقاع الوحشة والفرقة بينهم، حتى شملت هذه الحمى الأقارب أنفسهم، كما قال الشاعر:
وأحيانا على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلا أخانا
لقد حل مكان هذه الوحشة شعور غامر من الأخوة الخالصة، والحب لله والحب في الله، والإيثار على النفس، وتقديم الآخرة على الأولى، ويبدأ هذا الحب في رؤية الشيخ من صلة محمد بالناس، ومن صلة الناس بمحمد(27)·
فإذا كانت هذه هي أهمية الاختلاط بالناس، فإن مراعاة أحوالهم حين عرض الدعوة عليهم، وتقدير الفوارق بين السائلين لوصف العلاج المناسب يعد أكثر أهمية وأبعد خطرا·
ويشبه الشيخ الغزالي الداعية في ذلك بالطبيب الذي يراعي الفوارق البدنية والمرضية بين مريض وآخر، فطبُّ الأرواح كطب الأجسام ·· علم وفن، فقد يصف الطبيب الغذاء الجيد لمريض بالسل، ولا يصف هذا الغذاء لمريض آخر؛ لأنه مصاب بالسكر، ومعنى هذا أن سبب الضعف هو الذي يملي نوع الدواء، ومثل ذلك يقال في علاج الأرواح واختيار الأدوية الناجعة لمرضى القلوب·
فقد يصف الرسول الحكيم دواء لحالة لا يصفها لحالة مشابهة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وضع لهذه الحالة الأخرى دواء آخر يخصها ويناسبها·
إن الداعية إذا جهل الفوارق الفردية والنفسية والروحية ولم يدرك أسباب الداء وأصول توصيف الدواء، قد يسيء إلى الدين وإلى الناس، فيصف للإنسان المصاب بفقر الدم رياضة تقتله، ويصف للإنسان المصاب بضغط الدم علاجاً يزيده سوءا على سوء(28)·
ويستعرض الشيخ الغزالي بعض الوصايا التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم لأشخاص معينين مبينا أحوالهم، يقول: >إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تغضب) فاعلم أنها لم تقل لشخص بليد العاطفة، فلا تقلها له، وإذا قال (اتقوا الله وأجملوا في الطلب) فاعلم أنها لم تقل لقعدة البيوت فلا تقلها لهم، وإذا قال (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) فاحذر أن تقولها لرجل كسول في العبادات···الخ<(29)·
فلا بد من مراعاة حال السائل ودراسة الظروف النفسية والأخلاقية، والإحاطة علماً بظروفه الاجتماعية؛ كي يستطيع الداعية أن يصف له الدواء الناجع بعد أن وقف على تشخيص الداء وملابساته بوعي وفهم·
ولعل في قصة قاتل المئة نفس وحديثها متفق عليه عبرة لمن يعتبر؛ إذ سأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه الملائكة ··· إلخ القصة·
فانظر إلى من وُصف بالرهبنة وإلى عاقبته، فمع وصف الناس له ب>أعلم أهل الأرض< إلا أنه لم يدرك ما نتحدث فيه من الظروف والملابسات النفسية للسائل ووجوب مراعاة ذلك فكانت نهايته القتل، أما الذي وصف بالعلم فدله على الطريق الصحيح، حتى لو لم يعرف الدواء فلا عليه أن يعترف بجهله ويرشده على من يشخص الداء ويصف الدواء·
يقول الشيخ الغزالي عليه رحمة الله : >إن قراءة النصوص وبخاصة السنن دون معرفة الملابسات التي أملت بها ليست باباً إلى العلم الصحيح، ولا وسيلة إلى التربية الجيدة<(30)·
والحق أن مراعاة الأحوال المختلفة للسائلين لا يصلح له أي داعية فضلا عن عموم الناس، إن ذلك يحتاج إلى الاطلاع الواسع والواعي لإجابات النبي صلى الله عليه وسلم المختلفة للسائلين وملابساتها، والإحاطة بالآثار التي تحدثت عن ذلك، ثم استيعاب العلوم التي تتعلق بالإنسان مثل علم النفس والاجتماع وغيرهما، بالإضافة إلى ذكاء العقل ونقاء القلب، وقبل هذا وذاك توفيق الله تعالى وتسديده·
خامسا: تجنب الجدل والنقاشات الحادة
الجدل قرين الضلال، وما ضل قوم بعد هدًى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وما يجوز لأمة تؤكل من يمين وشمال وتنهش فيها الذئاب من كل جانب أن تشغل نفسها بالجدل والخوض في الخلافيات والنقاشات الحادة، وإذا كانت قاعدة المنار الذهبية التي تقول: >نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه< مما يجوز فيه الخلاف بالطبع معمولا بها في حال الترف الفكري وقوة الأمة واستقلاليتها، فإن العمل بها والأمة على ما نرى ونسمع ألزم وأوجب·
ويرى داعيتنا أن مصدر هذا الجدل هو الإبقاء على الكلاميات التي دارت رحاها بين الفرق الأولى للمسلمين من مرجئة ومشبهة ومعطلة ومعتزلة وغيرها، ثم تدريس هذا الجدل للعامة من المتعلمين، والعامة من الرعاع، والغفلة عما سيخلفه من آثار سيئة·
إن في القرآن آيات وعد ووعيد، ولو تركت في مجراها الطبيعي لأدت رسالتها الحقة في توجيه النفوس إلى الخير، ولحفظت على المسلمين قوتهم ودولتهم(31)· هذا نوع من الجدل يبدد طاقات شباب العلم وشيوخه في الهواء، فهم يتحدثون في غير حديث، ويقاتلون في غير معركة، ولا ينفضُّون إلا عن الكراهية والبغضاء والفرقة فيما بينهم·
ونوع آخر من الجدل وهو الخوض في الفرعيات، والوقوف على حرفيتها دون النفوذ إلى فحواها ومقصدها، وهذا النوع له هواته المحترفون الذين تنحصر قضاياهم في مسائل فقهية فرعية معروفة، اختلفت فيها الأمة من بعيد، وهي مختلفة فيها اليوم، ولن يزال الخلاف فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها·
وعند الشيخ الغزالي أن الاهتمام بهذه اللاأهميات إن صح التعبير كان خطة ماكرة لصرف العامة عن النقد السياسي ومتابعة الأخطاء التي أودت بالدولة الإسلامية قديما، ويبدو أن الخطة لا تزال تنفذ إلى الآن(32)·
مع أن اختلاف الآراء وتباين المذاهب شيء لا يمكن تجاهله، ولا الفرار منه، فتلك سنَّة لله في النصوص والعقول، كما أن الخلاف لا يُحَل بالسفاهة والعصيّ، وإنما يحل بالتعاون على المتفق عليه، والتماس العذر للمخالف، وكم من ميدان عمل الآن يخلو من الرجال؛ لأن الرجال كما يقول الشيخ يتهارشون في ميدان الكلام حول بعض الفروع التي لا تجدي على الإسلام شيئا(33)·
فلابد من منع هذا الجدل وخيم العواقب وقبول جميع المذاهب الفقهية المعروفة والاهتمام بتحريك قافلة الإسلام التي توقفت في وقت تقدم فيه حتى عبيد البقر، وتكريس الجهود والأوقات لرد العدوان على ديننا، وإعادة بناء أمتنا على قواعدها الأولى، فإن الجدل والخلاف الفقهي بهذا الشكل يتحول إلى عناد شخصي، ثم إلى عداء ماحق للدين والدنيا(34)·
سادسا: عدم إهمال النساء:
تشكل المرأة مساحة واسعة من خارطة الفكر لدى الشيخ الغزالي، حتى أفرد لها كتابا كاملا سماه: >قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة<، ولا غرو، فأول من آمن على الإطلاق امرأة، وأول شهيدة في الإسلام امرأة، وقد شهدت المرأة بيعة العقبة الكبرى، ودافعت أشرف دفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معاركه المختلفة، وقاتلت قتال الأبطال في البر والبحر·
إن التلطف مع الإناث والرفق بهن عند الشيخ آية اكتمال الرجولة ونماء فضائلها، وهو أدب يبذل للنساء عامة سواء كن قريبات أم غريبات كبيرات أم صغيرات، ومع استقامة الفطرة الإنسانية قلما يتخلف هذا المسلك العالي(35)·
والنساء في فكره يرحمه الله مكلفات مثل الرجال، وما من شيء يقوم به الإسلام وتعتز به أمته وكلف به مسلم إلا كلفت المسلمة بمثله، غير أمور محصورات استثنيت النساء منها، ولا تهدم أصل المساواة في التكاليف الشرعية، لكن تقاليد الشرق التي حصرت وظيفة المرأة في المتاع الحيواني قلما تهتم بهذه التكاليف(36)·
إن مجتمعاً من المجتمعات لن تكتمل حياته إلا بشقيه الذكر والأنثى، ولا يتصور مجتمع صالح عندما تكون المرأة حيوانا يُحسن تقديم الأكل والمتعة وحسب(37)· إن أي مطالع للقرآن الكريم والسنن الصحاح يرى المرأة جزءاً حياً من مجتمع حي، فهي تتعلم وتتعبد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجاهد إذا شاءت في البر والبحر، وتؤخذ منها البيعة على معاقد الإيمان والأخلاق، وتعارض الحكم أو تؤيده(38)·
ويرى الشيخ أن أشرف وظائف المرأة وأرقى أعمالها هي وظيفة >ربة البيت< ما لم تُخرجها ضرورة ملجئة؛ لأنها إنشاء الحياة وصيانتها وتعهدها حتى تؤدي رسالتها كاملة(39)·
كما يدعو إلى تعليمها وتثقيفها حتى تكون على وعي بالقضايا العامة والخاصة، وتُشرف إشرافا منتجاً على تربية أبنائها(40)·
ويحمل حملة لا هوادة فيها على الذين يرون أن صوت المرأة عورة، ويمنعون النساء من المساجد(41)، ويرون وجوب حبسهن في البيوت، فلا يخرجن إلا إلى بيت زوجها أو إلى قبرها(42)·
ونفس الحملة يحملها على الحضارة الغربية التي تريد أن تنزعها من تقاليدها المحترمة، وتجعلها لحماً يغري العيون الجائعة، فدعاة السفور يقودونها إلى جاهلية حديثة، ودعاة الحجاب يردونها إلى جاهلية قديمة(43)·
إن نموذج المرأة الفلسطينية المجاهدة التي قدمت زوجها وولدها وأخاها وأباها في سبيل الله، ثم جادت هي بنفسها، هذا النموذج جدير أن يعيد للمرأة مكانتها التي قررها لها الإسلام منذ جاء، وحري أن يعيد لها تاريخها الإسلامي ومكانتها في الإسلام، ولا يدع مجالاً لتأويل الجاهلين، أو تحريف الغالين، أو انتحال المبطلين·
وبعد، فلا يطل الحديث أكثر من هذا، فإن الحديث عن أي قضية في فكر الشيخ الإمام مُستدرِج وأخَّاذ، وهذه المرتكزات التي تحدثت فيها عن سلامة الطريقة والمنهج في الدعوة لم تُوفَّ حق توفيتها، بل إن الباحث في كتب الشيخ سيجد لها أفكاراً أخرى تحت كل مرتكز، فضلاً عن أنه سيجد من المرتكزات غير ما ذكرنا الكثير والكثير، ولعل الأطاريح الجامعية قد تناولتها بما يليق ومكانة الشيخ وعلمه·
والحق أنني عند البحث عن فكرة من الأفكار في كتبه أجد أمامي نصوصا كثيرة، كلها يتناول الموضوع الواحد بأساليب مختلفة، وصور متنوعة، وكلها معبر ورائع، فيحتار المرء: أيها يأخذ، وأيها يدع، وكم يأخذ منها، وكم يترك، فما الحال والحديث عن الدعوة وطريقتها عنده؟ فالغزالي رجل دعوة وداعية إصلاح بالدرجة الأولى، فلا يصدق عليه لفظ >فقيه<، وإن كانت له مشاركات وآراء يداني بها أئمة الاجتهاد، ولا يصدق عليه لفظ >محدِّث<، وإن كان له منهجه في أخذ الأحاديث وردها، ولا يصدق عليه لفظ >مفسِّر< وإن كان رائد اتجاه في تفسير القرآن، هو التفسير الموضوعي، إن أصدق كلمة تلخص شخصية الشيخ الغزالي يرحمه الله هي أنه >رجل دعوة< وكفى·
الهوامش
(1) الشيخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن: 259· دار الشروق· ط·أولى· 1420ه·
(2) الشيخ محمد الغزالي الموقع الفكري والمعارك الفكرية: 24· طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب· 1992·
(3) خطب الشيخ الغزالي في شؤون الدين والحياة: 1/3 دار الاعتصام·
(4) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية للغزالي: 9، الإصدار الأول من السلسلة· جمادى الآخرة· 1402ه، وهي سلسلة فصلية ما زالت تصدر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر، راجع ما كتبه عن الشيخ د· عبد الحليم عويس، ود· عماد الدين خليل، وغيرهم·
(5) الأستاذ عمر عبيد حسنة في مقدمته لكتاب الشيخ المذكور: 10·
(6) فقه السيرة: 108 110· دار الدعوة ط ثانية· بتعليقات الشيخ الألباني·
(7) فقه السيرة: 207·
(8) راجع ذلك تفصيلا في فقه السيرة: 208 219·
(9) راجع الحق المر: 27 28· مكتبة دار التراث الإسلامي· (10) السابق: 62 63·
(11) مستقبل الإسلام خارج أرضه كيف نفكر فيه: 53 54· مؤسسة الشرق للعلاقات العامة والترجمة· الأردن· ط أولى· 1984·
(12) هموم داعية: 177· دار ثابت· القاهرة· ط أولى· 1404ه·
(13) هموم داعية: 178 179·
(14) الحق المر: 49 50· طبع مركز الإعلام العربي· القاهرة· ط· ثانية· 1417ه، وراجع ص: 135 منه·
(15) مستقبل الإسلام خارج أرضه: 73·

(16) مستقبل الإسلام: 76 77، وراجع ص: 112 113 منه·
(17) تأملات في الدين والحياة: 188· دار الدعوة· الإسكندرية· ط· أولى· 1410ه·
(18) تأملات في الدين والحياة: 188 189·
(19) راجع هموم داعية: 172، والحق المر: 50 طبع مركز الإعلام العربي·
(20) مستقبل الإسلام خارج أرضه: 73· (21) فقه السيرة: 112·
(22) فقه السيرة: 112·
(23) راجع فقه السيرة: 112·
(24) الحق المر: 118· طبع مكتبة التراث·
(25) السابق: الصفحة عينها·
(26) فقه السيرة: 119·
(27) كنوز من السنَّة: 121· الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع مهرجان القراءة للجميع· 1999م·
(28) من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث: 193· دار نهضة مصر· القاهرة· 1998م·
(29) المرجع السابق: الصفحة عينها·
(30) من معالم الحق: 193·
(31) من معالم الحق: 192·
(32) الحق المر: 35· طبع مكتبة التراث، وانظر هموم داعية: 149 150·
(33) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية: 148· (34) هموم داعية: 22 23·
(35) ركائز الإيمان بين العقل والقلب: 229· طبع دار الاعتصام· القاهرة· من دون تاريخ·
(36) من هنا نعلم: 182 183· دار الكتب الإسلامية· الطبعة الخامسة· بدون تاريخ، والطريق من هنا: 149 150· دار البشير القاهرة· ط· أولى· 1407ه·
(37) هموم داعية: 162·
(38) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين: 157· دار الوفاء·
المنصورة· ط· ثالثة· 1413ه، وقضايا المرأة: 35· طبع دار الشروق· القاهرة·
(39) ركائز الإيمان: 250، ومئة سؤال: 443، والطريق من هنا: 150·
(40) من هنا نعلم: 205 212، ركائز الإيمان: 243·
(41) الحق المر: 28، 60· طبع مكتبة التراث، ومن هنا نعلم: 185، مئة سؤال عن الإسلام: 446· دار ثابت· ط خامسة· 1417ه، هموم داعية: 75· (42) الحق المر: 61· طبع مكتبة التراث، ومن هنا نعلم: 183·
(43) من هنا نعلم: 183، وركائز الإيمان: 239، ودستور الوحدة الثقافة بين المسلمين: 162·


9
الحج في فكر الشيخ محمد الغزالي
  • بقلم : وصفي عاشور أبو زيد
  • باحث في العلوم الشرعية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
  • تاريخ :
الحج هو الشعيرة الخامسة من شعائر الإسلام الكبرى، رحلة يطوي فيها المسلم بعده عن البيت العتيق؛ ليتفقد سيرة أبيه إبراهيم، ورسوله الكريم، يحدوه فيها الشوق والوجد، وتغمره خلالها مشاعر الرضا والفرحة، ويستشعر فيها ضعفه وحاجته، ويتجسد أمامه ضعف العبودية، ويرى بعين قلبه عظمة الربوبية، تاركا وطنه وأهله وماله، متوجها بقلبه وجسده وعقله إلى الله، طالبا منه العفو والصفح والقبول دون سواه.
ولقد تحدث الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله عن هذه الشعيرة العظيمة حديثا لا تكاد تجده على هذا النحو عند أحد من علمائنا رضي الله عنهم وقدم فيه أفكارا جديدة، وأشار إلى لفتات إيمانية وروحية، ووضع أيدينا على جوانب اجتماعية وسياسية لا يسعنا إلا أن نقف أمامها نأخذ الموعظة البليغة والعبرة النافعة من هذه النظرة الفريدة التي تمثلت فيما يلي:
الحج نداء قديم جديد
الحج طاعة مطلقة وانقياد تام وتناغم كامل
أفعال الحج ترتبط بأحكأم لا ينكرها العقل
الحج وفاء وتلبية وإخلاص
الحج وحدة وتجرد
الحج ثقة في الله وتوكل عليه
الحج يجمع بين العقل والعاطفة
ذكر الله أساس في مناسك الحج
الحج اهتمام بالجانب السياسي في الأمة
أولا: الحج نداء قديم جديد:
في زحمة الحياة ومعركة الخبز التي تسود الأرجاء وترهق الأعصاب، وفي زحام الحياة والناس يلهثون وراء مآربهم القريبة والبعيدة، كان هناك أشخاص آخرون يخلصون بأنفسهم بعيدا، ويصغون إلى نداء آخر يجيء من وراء القرون، ويتردد صداه على اختلاف الليل والنهار، هو في نظر الشيخ نداء قديم جديد.
قديم لأن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول من أعلنه، وصدع بأمر الله حين قال له: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ”. الحج: 27. وجديد لأن خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ندب إليه وقاد قوافله ووضع مناسكه وبين ما رصد الله له من جوائز وربط به من منافع، وكان آخر عهده بالجماهير الحاشدة وهي تصيح إليه في حجة الوداع يزودهم بآخر وصاياه وأحفلها بالخير والبر[1].
ثانيا: الحج طاعة مطلقة وانقياد تام وتناغم كامل:
والحج في فكر الشيخ الغزالي يرحمه الله طاعة مطلقة لله تعالى، وانقياد لأمره، وتناغم بين الحجيج والملكوت والكائنات جميعا، فوفود الحج وهي تنطلق صوب البيت العتيق مخلفة وراءها مشاغل الدنيا، وهاتفة بأصواتها خاشعة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك إن هذه الوفود تؤكد ما يجب على الناس جميعا لله سبحانه وتعالى من طاعة مطلقة، وانقياد تام، وذكر وشكر، وتوحيد وتمجيد.
ويتساءل الشيخ في هذا الصدد قائلا: هل العالم يتذوق هذه المعاني؟ ويستشعر حلاوتها؟ كلا، فما أكثر التائهين عن الله، والمتمردين على حقوقه، ما أكثر العابدين بغير ما شرع، والحاكمين بغير ما أنزل، إن هؤلاء العاصين نغمة شاذة في كون يسبح بحمد ربه: “أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ”. آل عمران: 83.
دع عنك هؤلاء التائهين، وارمق الوفود المنطلقة صوب مكة تجأر بالتلبية، ويسير بها البر والبحر والجو، إن جؤارها بالتلبية يصدقه كل شيء في البر والبحر والجو، فالمُلبِّي حين يرفع عقيرته مناجيا ربه ومصدقا أخاه، ومقررا أشرف حقيقة في الوجود يتجاوب معه الملكوت الساجد طوعا وكرها، أو يتجاوب معه الملكوت الذي يبارك رحلته ويحترم حجته، فلا عجب أن يتجانس الكون المسبح بحمد الله مع إنسان انخلع عن نفسه، وانطلق في سفر صالح يبتغي مرضاة الله.
وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وها هنا”[2].
إنه هتاف ينفرد به أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وحملة راية التوحيد، أما غيرهم فهم بين معطل ومشرك وجاحد ومنحرف، إن لهم هتافا آخر يمثل عبوديتهم للتراب ولما فوق التراب من دنايا وخزعبلات[3].
ثالثا: أفعال الحج ترتبط بأحكأم لا ينكرها العقل:
وإذا كان الحج طاعة مطلقة وانقيادا تامًّا فليس معنى ذلك أن العقل ليس له مدخل في شعائره ومناسكه يتذوقها ويقف على الحِكَم المستفادة منها، فكثير من الناس يظن أن أفعال الحج ومناسكه مبهمة وغامضة، وأن الله جل شأنه اختبر الناس بما يعقلون فسمعوا وأطاعوا، فاختبرهم بما لا يعقلون حتى يتبين له كيف يسمعون وكيف يطيعون.
ويؤكد الشيخ الغزالي أن هذا كلام بعيد عن الصحة؛ إذ الواقع أن أعمال الحج لها حكم معقولة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، وينبغي أن تدرس هذه الحكم بأناة، وأن تعرف حقائقها حتى يدرك الناس أن الإسلام ليس دين أوهام أو أضغاث أحلام، هذا دينٌ كلُّ شيء فيه له حكمته وله معناه.
فمن مناسك الحج الطواف بالبيت، هل له حكم معقولة؟ ويذكر الشيخ الغزالي أربع نقاط في هذا المنسك توضح معقوليته والحكمة منه:
الأولى: أن هذا البيت هو أول بيت وضع للناس، وزاده الله تشريفا، فمن حق أول بيت أقيم ليكون قلعة التوحيد، ومثابة للموحدين، وملتقى للمؤمنين المخلصين، من حقه أن تكون له مكانة خاصة؛ ولهذا يجيئه الرواد من كل أفق، والحجاج من كل فج، يطيرون إليه كما تطير الحمائم إلى أوكارها، في أفئدتهم حنين، وفي قلوبهم مشاعر ملتاعة.
الثانية: أن المسلمين في المشارق والمغارب في الشمال والجنوب يولون وجوههم شطر هذا المسجد في كل صلاة تقام في القارات كلها، ومن حق الذين اتخذوا المسجد قبلة لهم أن يبعثوا كل عام منهم الوفد المستطيع لكي يرى قبلته، كي يحج إليها ويزورها.
الثالثة: أن هذه الأمة الإسلامية إنما ولدت في التاريخ إثر دعوة صالحة مستجابة للأنبياء الذين وضعوا حجر الأساس في هذا البيت العتيق ونهضوا به وأعلوا دعائمه: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ”. البقرة: 127129. “وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ” هي أمتنا، “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ” هو رسولنا صلى الله عليه وسلم صاحب الإمامة العامة في محراب العبادة لخلق الله كلهم، فمن حقنا، ونبيِّنا وأمتنا وتاريخنا نتيجة دعوة في بناء هذا البيت، أن نزور هذا البيت، وإذا لم يحج المسلمون إلى البيت الذي بدأ عنده تاريخهم فأين يحجون؟ وإذا لم يقصدوا البيت الذي كان نبيهم دعوة مخبوءة في ضمير عند بنائه استجابها الله وباركها، فأين يقصدون؟.
الرابعة: أن الله عز وجل أراد أن يكرم الأمة العربية، فكرمه بأنه حمل الرسالة الخاتمة، وعندما أمر الناس أن يتوجهوا لهذا البيت العتيق قال لنا نحن الذين نقرأ القرآن وننطق باللغة العربية أنا فعلت هذا تشريفا لكم، وإتماما للنعمة عليكم، كما شرفناكم بابتعاث النبي الخاتم منكم عليه الصلاة والسلام[4]. وقد قال الله تعالى: “كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ”. البقرة: 151.
على أن من يزور البيت لا يعبد البيت إنما يعبد رب البيت، والطواف كما أجمع العلماء صلاة لابد لها من طهارة البدن، ولابد فيها من خلوص القلب لله، ومن زعم أن الكعبة كلها أو بعضها يضر أو ينفع فهو خارج عن الإسلام، ومن هنا نفهم ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك[5].
وإذا كان بعض المغفلين يزعم أن تقبيل الحجر الأسود نوع من الوثنية فليكن تقبيل الملوك والرؤساء لأعلام دولهم نوعا أيضا من الوثنية ومن عبادة الأقمشة!! من قال هذا؟ إذا كان الأمر لا يعدو ترجمة لمشاعر الولاء لله فليس في هذا شيء، ونحن في هذا نلتزم ما ورد[6].
ومن حق رب البيت أن يضع طريقا لزيارة بيته، فإذا جعلها طوافا من سبعة أشواط فليس في الأمر ما يستغرب، ففي طول الدنيا وعرضها توضع طرائق شتى للاستقبالات والاستعراضات[7].
ومن مناسك الحج التي يظنها كثير من الناس غير معقولة: السعي بين الصفا والمروة وفي بيان الحكمة منه يقول الشيخ: إن الإنسان مادي حسي، والأسباب الحسية هي التي تملكه أو هي التي تحكمه، يوم يكون في يده مال يقول: مالي في يدي، فهو يعتز به، لكن يوم يكون المال وعدا في الغيوب، وأملا في المستقبل، ورجاء عند الله، فإن قلبه يضطرب، ويقول ليس معي شيء.
والحق أن الرزق غيب، ولا يؤمن برزق الله إلا أصحاب الإيمان الراسخ، والنصر غيب، ولا يؤمن بنصر الله إلا أصحاب الإيمان الراسخ... هذا النوع من الإيمان قلما يوجد، لكنه عدة المصلحين، كلما أظلم الليل عليهم ولم يجدوا بصيصا من نور اطمأنوا إلى أن فجرا سيجيء فهم ينتظرون بريقه بثقة.
يشير الشيخ بهذا إلى موقف هاجر عندما تركها زوجها إبراهيم صلوات الله عليه مع ابنها في وادي مكة المجدب والموحش حيث لا أنيس ولا جليس ولا زاد، وليس هناك إلا القدر المرهوب، وقالت له الزوجة الصالحة: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقالت: إذن لا يضيعنا.
وبدأ الرضيع يتلوى جوعا وعطشا، وبدأت الأم تهرول يمينا وشمالا، ثم جاء الملك وغمز بجناحه الأرض فتفجرت زمزم، وشرب الرضيع، وشربت الأم، وبدأ الخير.
أكانت هذه المرأة تدرك أن ابنها هذا سيكون من ذريته نبي خاتم؟ سيكون من ذريته شعب كبير؟ سيكون من أثره حضارة تظلل الأرض برحمتها وسناها؟!!
من هنا يجيء الاختبار، فإذا كُلِّف الناس أن يفعلوا ما فعلت أم إسماعيل فلكي تتجدد في مسالكهم عواطف الاتكال على الله، الثقة في الله، الإيمان بأن ما عنده أهم مما عندي، ما عندي قد يحرق، قد يسرق، لكن ما عنده لا حرق ولا سرق[8].
وقس على ذلك باقي المناسك، فالحج عبادة رقيقة محبوبة أساسها الوقوف بعرفة، والطواف حول البيت، وبعض شعائر أخرى يمكن استيعابها بيسر دون قلق أو حرج، وعند التأمل في أصل المنسك وما يتركه في القلب من مشاعر، وما يستودعه العقلَ من دلالات نقف على الحكم المتعددة التي تستفاد من كل منسك.
رابعا: الحج وفاء وتلبية وإخلاص:
فالحج وفاء لنداء إبراهيم عليه السلام، وتلبية لأوامر الله تعالى، وتجرد وإخلاص لا شرك فيه، إنهم يجيئون ليترجموا عن وفائهم ويقينهم، ولتبقى دورات التاريخ متصلة المبنى والمعنى، لا يمر عام إلا أقبلت الوفود من كل فج كأنها الحمائم تنطلق من أوكارها، يحثها الشوق إلى مهاد التوحيد وحصنه: “ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”. الحج: 32.
وليس للطائفين نجوى إلا مع الله وحده، شغلهم الشاغل ترديد الباقيات الصالحات، والتقدم بضعف العبيد إلى القوي الكبير أن يجيب سؤالهم ويحقق رجاءهم، ماذا يقولون؟ سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يدعون: “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”. البقرة: 201….
إن الوفود القادمة من القارات الخمس على اختلاف لغاتها وألوانها وأحوالها يجمعها شعور واحد، وتنتظمها عاطفة دينية مشبوبة، وهي تترجم عن ذات نفسها بتلبية تهز الأودية! ويتحول ما أضمرته من إخلاص إلى هتاف بسم الله وحده، لا ذكر هنا إلا لله، ولا جؤار إلا باسمه! ولا تعظيم إلا له! ولا أمل إلا فيه! ولا تعويل إلا عليه.
إن المسافات تقاربت بل انعدمت، بين ذكر لله يمر بالفؤاد كأنه خاطرة عابرة، وبين ذكر لله يدوي كالرعد القاصف من أفواج تتدافع إلى غايتها لا تلوي على شيء، ولا يعنيها إلا إعلان ولائها لله الذي جاءت لتزور بيته[9].
إن الإنسانية واحدة من آدم إلى إبراهيم إلى محمد، شرفُها في معرفتها لله وولائها له وحده، وجَهْدُ الشيطان تعكيرُ هذه المعرفة وتقطيع ذلك الولاء، وقد كان إبراهيم نموذجا للنبوات الأولى في حرب الأوثان ومطاردة الشيطان، وقد بنى في مكة هذا البيت الخالد شعارا للتوحيد، ومنارا للعبادة المجردة، ثم جاء خاتم المرسلين فأرسى القواعد لألوف مؤلفة من المساجد التي تتبعه في الوسيلة والهدف، فلا غرابة إذا ارتبطت به وجاء أهلوها في كل عام يجددون العهد[10].
ولا يقال بحال من الأحوال إن بعض الطقوس والمناسك فيها نوع من الشرك أو الوثنية، كالطواف بالبيت، أو تقبيل الحجر، أو غير ذلك؛ لما تقدم، ولأننا نلتزم في ذلك كله أمر الله وأمر رسوله صلوات الله عليه، بل كل لمحة من لمحات الحج تشي بالتوجه الصادق والتوحيد الخالص والإخلاص الكامل.
خامسا: الحج وحدة وتجرد:
ليست هنالك شعيرة من شعائر الإسلام يتمثل فيها معنى الوحدة كما يتمثل في شعيرة الحج، حيث القبلة الواحدة والزي الواحد والرب الواحد والهتاف الواحد، والتجمع الرهيب المهيب يوم عرفة.
يقول الشيخ: إن مناسك الحج تنمية لعواطف المسلمين نحو ربهم ودينهم، وماضيهم وحاضرهم، ويكفي أنها تجمعهم من أطراف الأرض شعثا غبرا لا تفريق بين ملك وسوقة، ولا بين جنس وجنس، ليقفوا في ساحة عرفة في تظاهرة هائلةٍ، الهُتافُ فيها لله وحده، والرجاء في ذاته، والتكبير لاسمه، والضراعة بين يديه، فقر العبودية ظاهر، وغنى الربوبية باهر، ومن قبل الشروق إلى ما بعد الغروب لا ذكر إلا لله، ولا طلب إلا منه سبحانه[11].
إن هذه الحشود المتكاتفة يمكن أن تُكَون مظاهرة متلاطمة الأمواج، الهتاف فيها ليس لبشر، إنما الهتاف فيها لرب الأرض والسماء، لا يملأ أذنيك إلا طنينٌ ضخم من كل ناحية بين تلبية وتكبير وتقديس وتمجيد، الحناجر تنشق بالهتاف لله وحده طلبا لرضاه، وانتظارا لجداه، ورغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه[12].
وفي موسم الحج تلتقي مكة بالوفود المقبلة من كل فج عميق، تلتقي بأفراد الإنسانية الموحدة المهتدية المحبة لله وللمسجد الأول أبي المساجد في القارات كلها تتصافح الوجوه وتتعارف النفوس على تلبية النداء الصادر بحج البيت، النداء الذي صدر من قديم، وزاده الإسلام قوة ووحدة[13].
ويوم عرفة فريد في معناه ومظهره، لا تسمع فيه إلا تأوهات التائبين، وأنين الخاشعين، وضراعة المفتقرين، إنها الإنسانية المستجيرة بربها، النازلة بساحته مؤملة في خزائن لا تنفد، وعطف لا يغيض[14].
وذلك أن الحاج إنسان متبتل إلى الله، متلهف على رضاه، متطلع إلى مثوبته، متخوف من عقوبته، يتحرك كل شيء في بدنه بمشاعر الشوق والرغبة والحب، ولا أعرف تجمعا أهلا لرحمة الله ومغفرته كهذا التجمع الكريم[15].
سادسا: الحج ثقة في الله وتوكل عليه:
إن التوكل شعور نفيس غريب، وهو أغلى من أن يخامر أي قلب، إنه ما يستطيعه إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله، حساس بالاستناد إليه والاستمداد منه، وعندما ينقطع عون البشر، وتتلاشى الأسباب المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس، فهلا يردها إلا هذا الأمل الباقي في جنب الله، عندئذ ينهض التوكل يرد الوساوس وتسكين الهواجس[16].
وإن أبرز شيء في الحج نأخذ منه هذا الدرس هي قصة هاجر زوج إبراهيم وأم إسماعيل كما نقلنا عنها سابقا قولها لزوجها: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقالت: إذن لا يضيعنا.
يقول الشيخ معقبا على هذا القول: ماذا نفهم من هذا؟ نفهم من هذا أن الإنسان عندما يعتمد على ربه فإنه يعتمد على مصدر القوى ومنبع الخير وسائق الفضل، وأن الإنسان إذا صدق إيمانه ربا توكله، وازدادت بالله ثقته، وضعفت علاقاته بالماديات[17].
وليس معنى انقطاع الإنسان عن كل ما سوى الله أن يتواكل ويستكين، كلا. كلا، إن المرأة لما قالت: لا يضيعنا. ما استكانت ولا ركنت إلى غير الأخذ بالأسباب بل أخذت تهرول وتسعى حتى ساق الله لها الرزق، وأجرى لها الخير.
فتدخلت السماء وتفجرت زمزم وغنى الوادي بعد وحشة، وصار الرضيع المحرج أمة كبيرة العدد عظيمة الغناء، ومن نسله صاحب الرسالة العظمى، ومن شعائر الله هذا التحرك بين الصفا والمروة تقليدا لأم إسماعيل، وهي ترمق الغيب بأمل لا يغيب. فما أحوج أصحاب المثل إلى عاطفة التوكل، إنها وحدها تكثرهم من قلة، وتعزهم من ذلة، وتجعل من تعلقهم بالله حقيقة محترمة[18].
وكذلك زوجها وهو رجل واحد توكل على الله فنصره وجعل قُوى الشر تتهاوى أمامه، وتتدحرج تحت أقدامه، فاستطاع أن يقيم دعوة التوحيد وينشر رسالته الكبرى.
يقول الشيخ في نظرة إلى حال العرب معقبا على هذا المشهد: التوكل على الله شيء خطير، ولو أن العرب أهل إيمان، ولو أنهم فعلا يئسوا من الخلق واعتمدوا على الخالق لنصرهم كما نصر نبيهم صلى الله عليه وسلم ولسقاهم كما سقى امرأة في صحراء لا تجد هي ولا رضيعها شيئا. إن التوكل على الله شيء خطير، وعندما تساق الأمة إلى مكان نبع الماء فيه من صحراء لا ماء فيها ولا زرع ولا ضرع يعرف الناس أن الانقطاع عن الله جريمة، وأن الانقطاع إليه هو الاتصال كله وهو الخير كله[19].
سابعا: الحج يجمع بين العقل والعاطفة:
وهذه ليس صفة خاصة بالحج فقط، إنما يستمدها الحج من المنهج الشامل للإسلام ذاته الذي يجمع بين الجسم والروح في نظام الإنسان، وبين السماء والأرض في نظام الكون، وبين الدنيا والآخرة في نظام الدين، ويسلك بها جميعا طريقا واحدا، ويصبغها صبغة واحدة: “صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً”. البقرة: 138. فكما أن الإسلام منهج عقلاني عاطفي، فهو نظام مثالي واقعي ونظري تطبيقي سواء بسواء.
يقول الشيخ في هذا المعنى عن الحج: المقصود من هذه الرحلة أمور عقلية وعاطفية معا، فإن الإنسان لا يعيش بالفكر النظري وحده، ولكن مشاعره وعواطفه شديدة السيطرة عليه، والإسلام يجتهد في تحويل الإيمان من صورة عقلية تسكن الرأس إلى معانٍ عاطفية تغمر القلب، وتتشبث بالفؤاد، وينفعل الإنسان بها، ويحيا طول عمره وَفقها....
والإسلام عندما شرع مناسك الحج أراد أن يحول فعلا الإيمان من معانٍ نظرية درست في الكتب، وتلقاها الناس حقائقَ مقررةً إلى معانٍ عاطفية تربط الإنسان بنشأة الإسلام ونشأة المكافحين من أجل ظهوره، وتجعل الإنسان يرتبط بالمواطن الأولى للوحي، وبسير الدعاة والرعاة الذين حملوا هذه الأمانات وعاشوا بها وعاشوا من أجلها، حتى قدموها للناس ناضجة مستوية...
والله عز وجل أراد أن يجعل المؤمنين على اختلاف الزمان والمكان يرتبطون بالدين الذي اعتنقوه، وهو دين التوحيد، ويريد أن يكلف القادرين منهم على أن يجيئوا للأماكن التي بدأت فيها معالم دينه تظهر كي يرتبطوا نفسيا بها[20].
وإذا كان القرآن قد بين العلة من فريضة الحج فقال: “لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ”. الحج: 27. وقد جاءت كلمة “منافع” منكرة لتفيد العموم والشمول، سواء كانت منافع مادية أو معنوية فإن الجانب الروحي في الحج ظاهر كل الظهور في شعائر كثيرة من شعائره؛ ولهذا يقول الشيخ: إن إثراء الجانب الروحي هدف ظاهر من أعمال الحج وأقواله حتى تعود وفود الرحمن جياشة العواطف بحب الله وخشيته، متواصية على تنفيذ وصاياه وإعظام حقوقه[21].
والدين كله يقوم على صدق الإخلاص ونضج الأخلاق، وحسن العلاقة بالله وبعباده... وهذه الرحلة بين الأماكن المقدسة تصقل الطبع، وتزكي القلب، وتنمي مشاعر الحب لله ولرسوله وجماعة المسلمين[22].
ثامنا: ذكر الله أساس في مناسك الحج:
وذلك أن أي منسك في المناسك لا يخلو من ذكر، ولم لا، والحج كله تلبية لأمر الله، وترك لكل شيء فرارا إلى الله تعالى؟! حتى جعل الله الذكر من علل الحج فقال: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ”. الحج: 2728.
وإذا تأملنا بعض آيات القرآن التي تتحدث عن الحج أدركنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن ذكر الله هو أساس شعائر الحج، قال تعالى: “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ . ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ . وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ”. البقرة: 198202.
ومن الملاحظ أن التعبير عن مناسك الحج في الآيات السابقة أخذ كلمة “الذكردائما، حتى رمي الجمرات أسماه القرآن ذكرا: “وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى”. البقرة: 203. وهي أيام التشريق، ورمي جمرة العقبة في العيد، فكأن المقصود من الموضوع هو الذكر الجهير لله تعالى، وما رمي الجمرات إلا رمز.
ثم قال جل ذكره: “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ .... وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ”. الحج: 34، 36.
يقول الشيخ الغزالي: ذكر الله هو الأساس في هذه المناسك كلها يتحول المعنى الصامت المستكين في الضمير إلى هتاف عالٍ... كأن كل شيء يتحول إلى كون يسبح بحمد الله ويذكره[23].
وقال: يخيل إليَّ أن المناسك كلها أشكال غير مقصودة لذاتها، إنما قصدت لذكر الله عندها... فذكر الله والهتاف باسمه غاية وعمل، ووسيلة وهدف، وفي هذه المظاهرة التي جعلها الله ركنا في الإسلام، وقرن بها من الفوائد النفسية والخُلقية ما لا يحصى[24].
والحق أن الحج كله هو هذا الهدير الموصول بذكر الله من أمواج بشرية متصلة، لا شغل لها إلا الجؤار بالتلبية والهتاف بالتسبيح[25].
تاسعا: الحج اهتمام بالجانب السياسي في الأمة:
إذا كان ذكر الله تعالى مقصدا مؤكدا في كل مناسك الحج، والوحدة والقوة والتجرد والإخلاص من مقاصده الكبرى، فإن هناك غاية عظمى أيضا لا يجوز إغفالها خاصة في هذا العصر الذي يوجب على المسلمين السعي نحو القوة والتوحد، ألا وهو أنه يجب على المسلمين أن يستغلوا هذا المؤتمر العالمي غير المسبوق ولا الملحوق في معالجة ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم.
إن الحج من الناحية الروحية إذكاء مشاعر، وتجديد عاطفة، ومن الناحية الاجتماعية فرصة ثمينة للتوجيهات الجامعة التي تكفل مصلحة المسلمين العليا.
ولكي ندرك ذلك ندرس كيف حج المسلمون في السنة التاسعة والسنة العاشرة للهجرة.
في السنة التاسعة رجع الحجاج وقد تلقوا تعليمات بقطع علاقاتهم مع العابثين بمعاهداتهم ومعاملتهم بالشدة بعدما فشل اللطف معهم.
وفي السنة العاشرة وضعت تقاليد إنسانية وآداب عامة تضمنتها الخطبة الجليلة التي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع[26].
واقتداء بما فعله الرسول وخلفاؤه لا يمكن إهمال الجانب السياسي من الحج أبدا؛ إذ ما يصنع الحجيج بعدما يعودون إلى بلاد اعتدى عليها المجرمون واستباحوا حرماتها؟ أو عندما يعودون إلى بلاد كثرت فيها الفتن وماج خلالها المستضعفون؟....
نعم، لا يجوز أن تترك هذه الحشود الهائلة يوم الحج الأكبر دون توجيه جامع تلقى به خصومها، صحيح أنهم في محاريب ذكر، وساحات تسبيح وتحميد، وأوقات تبتل إلى الله ونشدان لرضاه، لكن من قال: إن كسر العدو ليس عبادة؟ والسهر على هزيمتهم ليس تهجدا؟ إن صيحة الله أكبر تُفتتح بها الصلاة لينأى بها المؤمنون عن مشاغل الدنيا، ويفتتح بها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتجف دموع البائسين وآلام المستضعفين، ومن هنا نفهم قول الله سبحانه للمحتشدين في عرفات، ولمن وراءهم من جماهير المؤمنين في كل مكان: ” قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ”. التوبة: 1415… فالحج عبادة تقيمها قلوب ساجدة وأيدٍ مجاهدة[27].
ثم يهيب الشيخ بأمته قائلا: يا قومنا، إن الحج ليس لقاء أجساد، ولا شراء هدايا، ولا حمل ألقاب، اجعلوا الموسم الجامع فرصة إعداد، وموطن دراسة علية وعملية، ورسم خطة لإنقاذ أنفسكم من طوفان مقبل[28].
إن الحج ليس رحلة ميتة، إن ناسا يذهبون إلى الحج الآن ثم يعودون مكتفين بأن حملوا لقبا، هل درست قضاياهم؟ لا. هل عادوا من موسم الحج بتحالف على محاربة الفساد الداخلي والغزو الخارجي؟ لا. إن الحج ليس عبادة فردية، لا في ديننا ولا في تاريخنا. فيجب أن نعلم ديننا وكفانا جهلا حتى لا نستيقظ على الويل والثبور وعظائم الأمور[29].
وبهذا الفكر السامق والنظر العميق والتفكر الدقيق فهم شيخنا الغزالي يرحمه الله هذه الشعيرة الكبرى، التي جعلها الله تعالى حماية للإسلام أن يندرس، ووقاية للمسلمين أن ينتهوا ويتفتتوا، ومكانا يفيء إليه المسلمون، ويتلاقى فيه المؤمنون، ويعالج فيه المجاهدون مشكلات أمتهم، فيستهدون علاجها من كتاب الله وسنة رسوله.
————————————————————————————————————————
  • الأستاذ وصفي عاشور علي أبو زيد ماجستير في الشريعة الإسلامية (كلية دار العلوم) بجامعة القاهرة.
[1]علل وأدوية: 152. طبعة دار الكتب الإسلامية. القاهرة. ط أولى. 1984م.
[2] رواه الترمذي عن سهل بن سعد: كتاب الحج عن رسول الله. باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، وقال الحافظ المنذري: “رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، كلهم من رواية إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أبي حازم عن سهل، ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبيدة يعني ابن حميد حدثني عمارة بن غزية عن أبي حازم عن سهل، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما”. الترغيب والترهيب: 2/119. دار الكتب العلمية. بيروت. ط أولى. 1417ه، وصححه الألباني: انظر صحيح الجامع: حديث رقم 5770.
[3] علل وأدوية: 152153، وانظر: خطب الشيخ الغزالي: 1/229230. طبعة دار الاعتصام، وفن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء: 109. طبع دار الاعتصام، والحق المر: 122. مكتبة التراث الإسلامي.
[4] راجع: مائة سؤال عن الإسلام: 8283. دار ثابت. القاهرة. ط الخامسة. 1417ه1996م، وخطب الشيخ الغزالي: 1/230233، و3/118119، وفن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء: 106108.
[5] انظر صحيح البخاري: كتاب الحج. باب ما ذكر في الحجر الأسود.
[6] الخطب: 3/121.
[7] مائة سؤال عن الإسلام: 83.
[8] خطب الشيخ الغزالي: 1/235236، وفن الذكر والدعاء: 109.
[9] علل وأدوية: 154155.
[10] الحق المر: 123. مكتبة التراث الإسلامي.
[11] مائة سؤال: 85.
[12] الخطب: 1/229.
[13] فن الذكر والدعاء: 112.
[14] علل وأدوية: 156.
[15] فن الذكر والدعاء: 109.
[16] فن الذكر والدعاء: 109.
[17] الخطب: 3/ 121.
[18] فن الذكر والدعاء: 110، وراجع مائة سؤال: 8485.
[19] الخطب: 3/122، وانظر 1/235236.
[20] الخطب: 3/117118.
[21] علل وأدوية: 156.
[22] فن الذكر والدعاء: 112.
[23] الخطب: 3/123124.
[24] تأملات في الدين والحياة: 174175. دار الدعوة. الإسكندرية. ط أولى. 1410ه/1990م.
[25] فن الذكر والدعاء: 113.
[26] مائة سؤال: 8586، وانظر الحق المر: 9293. مكتبة التراث، والخطب: 1/238240، و3/124126.
[27] علل وأدوية: 156158.
[28] الحق المر: 93. مكتبة التراث.
[29] الخطب: 3/128.
1
الهجرة النبوية في فكر الشيخ محمد الغزالي (العدد : 449)

لايماري منصف يملك أدوات الفكر والعلم ووسائل الإدراك والتمييز أن الشيخمحمد الغزالي - الذي تمر بنا ذكرى وفاته 9/3/1996م - أحد أعلام الإصلاح في عصرنا،فقد نجح في تكوين مدرسة فكرية تخرج فيها العديد من أعلام العصر، على رأسهم: الدكتوريوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور أحمد العسال، والدكتور عبدالحليمعويس، والدكتور عماد الدين خليل، وغيرهم كثير·
لقد كرس حياته كلها في خدمةالدعوة الإسلامية، والجهاد من أجل إعادة الهوية العربية والإسلامية لكثير من شعوبالعالم، على رأسها مصر والجزائر قضى ما يزيد على شطر حياته الأول في محاربةالاستبداد السياسي، وبيان مكائد الاستعمار، وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم فيالقرآن والسنة، وتوضيح معالم الإسلام، وإرساء قواعد الدعوة إلى الله تعالى، بينماكان شطر حياته الثاني مركزاً في محاربة الفهم المغلوط للإسلام، والإنكار الشديد علىالعقول السقيمة والفكر السطحي الذي يصطلي بشواظ من نار أفعم بها قلب الشيخ وقلمهولسانه·
وقد تمتع الشيخ - رحمه الله - بثقافة موسوعية أنتجت لنا الكثير من الكتبفي شتى نواحي الفكر والمعرفة، فنجد له تراثاً في العقيدة والتفسير والأخلاقوالفلسفة والتصوف والأدب والدعوة والإصلاح وغيرها، ومن أبرز المجالات التي أبدعفيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له فيها صولات وجولات مع الأحداث،وتعليقات على كثير من المواقف والغزوات يشعر القارىء معها بفكر جديد وفهم فريد فلايتملكه إلا الشعور بالإعجاب والإحساس بالانبهار·
ومن القضايا المهمة التي تحدثعنها الشيخ في السيرة في غير موضوع من كتبه قضية الهجرة النبوية التي تمر عليناذكراها في هذه الأيام وقد تمركزت أفكار الشيخ حولها فيما يلي:
أولاً: فكرة لا رحلة:
فالهجرة في فكر الشيخ ليست رحلة ولاعملاً ترفيهياً، ولم تكرم الهجرة لكونها سفراً فحسب فما أكثر المسافرين قديماًوحديثاً بين مكة والمدينة·
إن الشيء الواحد قد يكون عملاً مضنياً أو لعباًمريحاً مسلياً، فالمظهر والشكل لا يتغير، لكن الذي يتغير هي البواعث والجوهروالملابسات·
فصيد السمك رياضة مرحة يلهو بها بعض المترفين الناعمين، بينما هوعند أناس آخرين حرفة يرتزقون منها مع الكدح والمكابدة، والرحلة من قطر إلى قطر قدتكون للتنعم والاسترواح، وقد تكون مشياً في مناكب الأرض لتحصيل علم، أو جمع رزق، أوفراراً من شر محذور إلى خير منظور·
وهكذا كانت الهجرة، خطوات يتحرك بها القلبالمؤمن في الحياة، فتتحرك في ركابها الثقة الغالية والتضحية النبيلة، إنها طريقالأبطال تزدحم بالفدائيين من حملة العقائد، يتركون البلد الذي اضطهد دينهم فيهليلتمسوا في مهجرهم مأمناً لعقيدتهم ومتنفساً لدينهم·
وفي الهجرة نفسها خرج رجلإلى المدينة من أجل عشيقة يهواها، وشتان بين المهاجرين لعقيدتهم ودينهم وبين منيخطو خطوات الشهوة الصغيرة تتحرك بصاحبها فلا تفرق بينها وبين خطوات الدابة التيحملته، ورب قاعد في بلده أشرف نفساً من هذا المهاجر التافه·

ثانياً: إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب:
هكذا يعبرالشيخ <إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب> وكان المنتظر أن يقول <إيمان بالغيبوثقة بالمستقبل>، لكنه عبر مع المستقبل بالإيمان ليرفع الثقة بالمستقبل إلى درجةالعقيدة والإيمان بالغيب·
فلن تكتمل حقيقة الدين في قلب إلا إذا كان الإيمان فيهبالغيب قسيم الإيمان بالحاضر، ولا يصح تدين ما إلا إذا كان الإنسان مشدود الأواصرإلى ما عند الله مثلما يتعلق بما يرى ويسمع في هذا الدنيا فالمجاهد مثلاً يقاتل منأجل النصر للعقيدة أو الشهادة لنفسه، لكن النصر عنده غيب خصوصاً إذا وهنت الوسيلةوقل العون وترادفت العوائق بيد أن هذا النصر ينبع من الإيمان بالله فهو يمضي فيطريقه المر واثقافً من النتيجة الأخيرة، إن غيره يستبعدها أو يرتاب فيها أما هوفعقيدته أن اختلاف الليل والنهار يقربه منها وإن طال المدى لأن الله حق على نفسهعون الموحدين ونصر المؤمنين فلماذا الخوف من وعثاء الطريق وضراوة الخصوم، ولم الشكفي وعد الله القريب أو البعيد؟!
إن الذي يقطع تذكرة للسفر لمكان ما لا يخامره شكفي أن المكان موجود، وأن القطار ذاهب إليه، ولقد كانت ثقة المهاجرين بالغيب مثل ثقةغيرهم بالمحسوس، وعندما يرتفع الإيمان بالغيب إلى هذه القمة فإن أصحابه لا محالةمنتصرون، ومكتسحون ما يضعه المبطلون أمامهم من عقبات ومعطلات والمستقبل الذي تنتظرفيه الرسالات إما قريب وإما بعيد: فأما القريب ففي الدنيا على أرض الميدان، وأماالبعيد فعند الله في الآخرة حينما تجزى كل نفس بما كسبت·
والمهاجرون الأوائل لمتنقصهم ثقة بمستقبل أو إيمان بغيب إنما نهضوا بحقوق الدين الذي اعتنقوه، وثبتوا علىصراطه المستقيم على الرغم من تعدد العقبات وكثرة الفتن، من أجل ذلك هاجروا لمااقتضاهم الأمر أن يهاجروا، وبذلوا النفس والنفيس في سبيل عقيدتهم·
ومع أن اللهتعالى وعد المؤمنين أن رسالتهم ستستقر، وأن رايتهم ستعلوا، وأن الكفر لا محالةزاهق، إلا أنه علق أفئدتهم بالمستقبل البعيد وهو الدار الآخرة: <فإما نذهبن بكفإنا منهم منتقمون· أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون· فاستمسك بالذي أوحيإليك إنك على صراط مستقيم· وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون> (الزخرف 14 - 44) ومن هنا لا يعتري النفس ملل، ولا الجسم كلل، لأن أشواقه ممتدة إلى المستقبل البعيد،وآماله قد طارت لتحط في أفراح الآخرة عند رب العالمين·
فليس شرطاً أن يرى المرءثمرة جهاده والتمكين لدينه وهو حي، بل ربما يطويه الموت ولم يعرف بعد نتيجة الصراعبين الهدى والضلال، وهذا كثير الوقوع، لكن وعد الله لا يتخلف: <فإما نذهبن بكفإنا منهم منتقمون> فيكون هذا المرء جسراً تعبر عليه الأفكار والمبادىء إلى جيليرى نصرتها والتمكين لها·
والخطة المثلى أن يؤدي المرء واجبه المجرد دون استعجاللنتائج المعركة المحتدمة بين الحق والباطل لأن الله قد تولاها بذاته العلية·
فيإطار هذا الإيمان العميق لبى المسلمون نداء الهجرة عندما طولبوا بها، واستجابوالنداء الله ورسوله غير خائفين ولا جزعين·

ثالثاً: ليستتخلصاً من فتنة بل لإقامة مجتمع آمن:
والهجرة في فكر الشيخ الغزالي ليستتخلصاً من فتنة أو فراراً من أذى، وإلا لم يكن هنالك مبرر للمكث ثلاثة عشر عاماً فيهذا الجو الملبد بسحب الكفر والاضطهاد إن الذي يبرر هذه المدة هو تمهيد المؤمنينبقيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن ذهب إليه مصعببن عمير ليستتبع الناس ويستقطبهم للإسلام، ذلك أن إقامة الدين في مجتمع مكة أضحىدونه خرط القتاد لما اتصف به من عناد وجبروت فلم يك يصلح لهذا الفكر، والدعوةمازالت وليدة غضة طرية والمسلمون قلة مستضعفة، فلم يكن هنالك بد من التهيئة للدينفي مكان آمن، عندئذ يقوى المسلمون وتشب الدعوة·
ويعلق الشيخ قائلاً: <ولا شكأن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة هو أخطر كسب حصلعليه منذ بدأت الدعوة وأصبح فرضاً على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطنالجديد وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه وأصبح ترك المدينة - بعد الهجرة إليها - نكوصاً عن تكاليف الحق وعن نصرة الله ورسوله، فالحياة بها دين لأن قيام الدين يعتمدعلى إعزازها·

رابعاً: الهجرة تطبيق لقانون السببية:
الأخذ بالأسباب في فكر الشيخ الغزالي دين، وهو معنى يكرره الشيخ كثيراًكلما عرض للحديث عن الهجرة أو للكلام عن تخلف المسلمين وتقدم غيرهم· لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - إننا أو ذينا وأخرجنا من ديارنا فعناية الله ينبغي أن تلاحقناوحماية الله يجب أن تحوطنا ولا حرج في بعض التقصير فإن الله سيجبر الكسر ويسدالنقص·· إلى آخر هذا الكلام لم يقل النبي هذا إنما استنفد كل وسيلة بشرية يمكن أنتؤخذ فلم يترك ثغرة ولا أبقى في خطته مكاناً يكمله الذكاء والفطنة ومع أن محمد بنعبدالله - عليه السلام - أولى الناس بتوفيق الله ورعايته، وأجدر الخلق بنصرهوعنايته، فإن ذلك لا يغني عن إتقان التخطيط وإحكام الوسائل وسد الثغرات شيئاًمذكوراً·
ومن هنا جعل - صلى الله عليه وسلم - يفكر في الاختباء في الغار، وفيتضليل أعدائه، فكان يتجه جنوباً وهو يريد أن يتجه إلى الشمال، وأخذ راحلتين قويتينمستريحتين حتى تقويا على وعثاء السفر وطول الطريق وهذا دليل مدرب ليعرف ما هناك منوجوه الطرق والأماكن التي يمكن السير فيها بعيداً عن أعين الأعداء، وهذا على درايةتامة باتجاهات العدو ونواياه تأتيه الأخبار عن طريق راعي أبي بكر كما أتت بعضالأغذية عن طريق بنت أبي بكر·· هل بقي من الأسباب شيء لم يؤخذ أو من الوسائل لميستنفد أو من الثغرات لم يسد؟ كلا كلا··
إن منطق الإسلام هو احترام قانونالسببية، لأن الله تعالى لا ينصر المفرطين ولو كانوا مؤمنين بل ينتقم من المقصرينالمفرطين كما ينتقم من الظالمين المعتدين، <وإذا تكاسلت عن أداء ما عليك وأنتقادر فكيف ترجو من الله أن يساعدك وأنت لم تساعد نفسك· كيف ينتظر المرء من الله أنيقدم له كل شيء وهو لم يقدم له شيئاً؟
وليس معنى الأخذ بالأسباب الاعتماد عليها،بل الطريقة المثلى في التصور الإسلامي أن يقوم المسلم بالأسباب كأنها كل شيء فيالنجاح، ثم يتوكل على الله كأنه لم يقدم لنفسه سبباً ولا أحكم خطة ولا سدثغرة·
وهذا هو الفرق بين موقف المؤمن والكافر من الأخذ بالأسباب فالمؤمن يأخذبالأسباب ولا يعتمد عليها ولا يعتقد أنها هي التي تفعل أو تترك، بل يؤمن أن الأموربيد الله وأن النتائج تتم بقدرة الله وأن شيئاً لا قيام له إلا بالله·
بينمايعتقد الكافر - إن جاز أن تكون له عقيدة أن الأسباب هي الفاعلة والمعول عليها ولاعلاقة لها بالتوفيق الأعلى·
إذن فالإسلام يحترم قانون الأخذ بالأسباب غير أنالمسلمين لم يكونوا على مستوى دينهم مع هذا القانون، يقول الشيخ في ذلك متحسراً: <ومع حرص الإسلام على قانون السببية وتنفيذ النبي - صلى الله عليه وسلم - لهبدقة فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية وخرجت عليه وعبثت بمقدماته ونتائجهكالأمة الإسلامية

خامساً: وزن الإيمان في الهجرة:
والإيمان في فكر الشيخ له وزن لا يستهان به في الهجرة فليست الهجرةانتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناء، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرضخصبة إنها إكراه رجل آمن في سربه ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وتضحيتهبأمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره بأنه مستباح منهوب قد يسلب أو يهلك في بداية الطريقأو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، ولوكان الأمر مغامرة شخص بنفسه لقيل: مغامر طياش فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضهاحاملاً أهله وولده؟! وكيف وهو بذلك رضي الضمير وضاء الوجه·
ما السر وراء تحملهذلك كله؟ وليس الأمر تحملاً وحسب إنما تحمل يصاحبه فرحة وسرور، وصبر يحوطه رضاوحبور، إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش، هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن تربيعلى تعاليم محمد، وقبس من أنوار الوحي وتضلع من هدي الإسلام·
أما الهياب الخوارالقلق فما يستطيع أن يفارق أهله ووطنه فضلاً عن أن يكون بذلك مطمئن النفس رضيَّالضمير·

سادساً: الهجرة حدث أكبر من أن تعلق عليه سورةواحدة:
وهذه واحدة من مناقب الشيخ في فهمه للهجرة النبوية ذلك أنناألفنا أن يتنزل القرآن تعليقاً على ما يكون من أحداث فيوجه المسلمين التوجيه الذييفتقرون إليه فإن كان نصراً بين أسباب وكسر الغرور الذي قد يصاحب المنتصرين وإنكانت هزيمة بين أسبابها ومسح التراب الذي عفر جباه المنهزمين·
لقد نزلت سورةالأنفال في أعقاب غزوة بدر، ونزلت سورة الأحزاب في أعقاب الخندق ونزل النصف الأخيرمن سورة آل عمران في أعقاب أحد، فهل نزلت في أعقاب الهجرة سورة لاسيما بعد نجاحرحلتها كما حدث في أعقاب الغزوات؟
ويجيب الشيخ على هذا التساؤل قائلاً: <لميقع هذا، ولكن وقع ما هو أخطر وأهم، كان الله - سبحانه وتعالى - حكم بأن قصة الهجرةأكبر من أن تعلق عليها سورة واحدة، وأن تمر مناسبتها بهذا التعقيب وينتهي الأمر،فحكم - جل شأنه - بأن تكون ذكرى الهجرة قصة تؤخذ العبرة منها على امتداد الأيام،وتذكر في أمور كثيرة وفي مناسبات مختلفة
ومن ناحية أخرى يرى الشيخ أنها لمتذكر في سورة واحدة مثل المعارك، لأن <هذه المعارك استغرقت أياماً قليلة أماالهجرة فشأن آخر لقد ظلت أفواج المهاجرين متصلة سنين عدداً وتطلب التعليق عليهامواضع عدة·
ومن ثم ذكرت الهجرة في سورة البقرة (01) وآل عمران (11) والنساء (21) والأنفال (31) والتوبة (41) والنحل (51) والحج (61) والممتحنة (71) والتغابن (81) الحشر (91)·· وكان التعليق في كل سورة إبرازاً لمعنى مقصود (02

سابعاً: بين هجرة المسلمين وهجرة اليهود:
ويقارن الشيخ فيكثير من المواضع بين هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة قديماً وبين هجرة اليهود منبلاد كثيرة إلى الأراضي الفلسطينية الطاهرة حديثاً، وهي مقارنة لم يلتفت إليها أحد - فيما أعلم - قبل الشخ الغزالي رحمه الله·
وتتركز مقارنة الشيخ هنا في أمريلتقي فيه المسلمون واليهود، وأمور يفترقون عندها·
فأما الذي يلتقون فيه فهو أنالدافع للهجرة كان عقدياً دينياً فالمسلمون هاجروا من أجل إقامة دين جديد في بلدآمن وهاجر اليهود من أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا مقررين أن يتركوا أرضهم ولغتهمويحترموا اللغة العبرية من أجل إقامة مملكة الله أو دولة إسرائيل فكلتا الهجرتينباسم الدين والعقيدة·

أما الأمور التي يختلفون عندهافهي:
1 -
أن هجرة المسلمين كانت من صنعهم وبرغبتهم وتطلعهم إلى ثوابالله أما هجرة اليهود فقد دبرها لهم غيرهم ومهد لها الانتداب البريطاني علىفلسطين·
2 -
أن وصف المسلمين الذين تركوا مكة إلى المدينة يمكن أن نطلق عليهمبتعبيرنا العصري أنهم <مغامرون> لأنه لم يكن لهم على ظهر الأرض من نصير، فقدكانت الدنيا كلها ضدهم: مشركون ونصارى ويهود أما المشركون فلأن القرآن عاب الأصناموحقر الأوثان وهدم تقاليد الجاهلية وأما المسيحية فإن الإسلام كان في مكة ينكربحرارة أن يكون لله ولد، وذلك في سورة الكهف ومريم وغيرهما من السور المكية وأمااليهود - وهم عدو ثالث - فإن القرآن لم يترك من أمرهم شيئاً، فقد فضح عقائدهم وعرىصفاتهم الخبيثة المتعددة فلم يكن بد لهؤلاء جميعاً - وقد عالنهم القرآن بصفاتهموخباياهم - أن يغتاظوا ويغضبوا ويزداد كرههم للإسلام وحقدهم للمسلمين، ومن هنا لميكن للمسلمين في الهجرة يد تحميهم إلا يد الله، ولا كنف يأوون إليه إلا كنفالله·
من ناحية أخرى كانت الجماعة المسلمة في ذلك الوقت ضعيفة من حيث العددوالعدة، وكان أعداؤهم يملكون عناصر القوة وأسباب الاضطهاد ورغم ذلك فقد نجحوا فيبناء مدينة تأتي دونها في الوصف المدينة الفاضلة التي تعشقها الفلاسفة وتخيلوا فيهاالكمال وأثبتوا أن الإيمان الناضج يحيل البشر إلى خلائق تباهي الملائكة سناءونضارة·
بينما كانت حال اليهود مباينة لذلك من كل جانب فلقد تعهدت إنكلترا - الدولة الأولى في العالم يومئذ - ما بين عامي 7191 - 8491 أن تكيف الظروف في فلسطينلا ستقبالهم وكان الحاكم الإنكليزي في فلسطين يذل العرب ويعطش أرضهم حتى لا ينبتفيها زرع فيبيعها الفلسطينيون بأبخس ثمن أو بأغلاه، ولم تتعهد إنكلترا وحدها بذلكإنما تولى إصر ذلك معها أميركا وروسيا وفرنسا، كذلك ملوك العرب بخيانتهموخذلانهم·
من ناحية أخرى كان اليهود وأعوانهم غاية في القوة والاقتدار بينما كانالمسلمون أذناباً ضعفاء وكان كثير من حكامهم خونة عملاء، ومع ذلك فإننا نرى اليومما يحدث على أرض الرسالات من رعب وهلع لليهود، فلا يتمتعون بأمن ولا ينعمونباستقرار، ومصيرهم حتماً إلى الزوال بمنطق القرآن والسنة والتاريخ والواقع·
3 -
أن المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله وإصلاح للأرض كانوا يعلمون الدنياأن الله رب العالمين لا شريك له وأن الناس يجب أن يسلموا وجوههم إليه ويحيوا علىالأرض وفق المنهج الذي ارتضاه الله لهم، فترفعت عن المآرب هممهم، وأخلصوا للهطواياهم، وذهلوا عن متاع الدنيا، واستهوتهم مثل عليا لا مثيل لها في الأولينوالآخرين·
بينما كانت صلة اليهود بالله مغشوشة، والدوافع التي جاءت بهم، وإنكانت دينية إلا أن ما فيها من باطل أضعاف ما فيها من حق، وما يكتنفها من ظلم ليستمعه شائبة عدل· من أجل هذا كله كان البون شاسعاً والفرق واسعاً بين هجرة المسلمينوهجرة اليهود·

ثامناً: قضايا تتعلق بالهجرة:
وفي فكر الشيخ الغزالي - رحمة الله عليه - يلتقي الحديث عن الهجرةبقضايا مختلفة منها:
1
-
قضية عرض الإسلام:
وهيأن عرض الإسلام على الناس قبل الهجرة لم يختلف عن ما بعدها، لكن بعض الناس - ومنهممستشرقون ومبشرون - يقول: كانت الدعوة الإسلامية قبل الهجرة تعتمد على الإقناع الحروالمنطق العقلي الواعي، ففي سورة الأنعام وهي مكية نقرأ قوله تعالى: <قد جاءكمبصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها··> آية: 401· وفي سورة الكهف وهيمكية كذلك قوله: <وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر··>آية: 92· وفي سورة يونس وهي مكية قوله: <وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئونمما أعمل وأنا بريء مما تعملون> آية 14 يونس·
هذا هو منطق عرض الإسلام في مكةفهل تغير في المدينة عما كان عليه في مكة؟! إن ذلك يتقاضانا أن ننظر في الوحيالمدني بتأمل وأناة·
نقرأ في سورة البقرة وهي مدنية بيقين قوله تعالى: <قلأتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم··> آية: 931· وفينفس السورة قوله: <لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي··> آية: 652· وفيسورة آل عمران وهي مدنية كذلك نقرأ قوله تعالى: <فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي للهومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتهم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإنتولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد> آية: 02· وفي سورة النساء وهيمدنية نقرأ قوله: <من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهمحفيظاً> آية: 08· وفي سورة المائدة وهي مدنية كذلك نقرأ قوله: <ما على الرسولإلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون> آية: 99·· إلى غيرها من آيات تبينبغير لبس أو شبهة أن عرض الإسلام لم يتنكر في المرحلة المدنية لصفات الحرية والعقلالواعي ومنطق الإقناع التي تبناها في المرحلة المكية·

2
-
قضية التشريع:
وهي أنه شاع بين الناس أن ما بعد الهجرة كان عصر تشريع،وما قبلها كان عهد تمهيد، وهذا كلام مدخول يحتاج إلى شيء من المراجعةوالتوضيح·
إن شرائع الإسلام من عقائد متينة وأخلاق كريمة كلها تمت قبل الهجرة،فالصلاة والزكاة، والعقائد كلها شرعت قبل الهجرة، أما الحج فشعيرة معروفة منذ شريعةإبراهيم، ولا يقدح تأخر تشريع الصوم بعد الهجرة في أن ما قبل الهجرة كان عصر تشريعلأهم ما تحتاج إليه الأمة في عقائدها وعباداتها وأخلاقها، حتى الربا وإن جاء تحريمهفي المدينة، فقد أشعر بذلك القرآن المكي في سورة الروم: <وما آتيتم من رباليربوا في أموال الناس فلا يربو عند اللهآية: 93·
فالعصر المكي كان عصرتشريع إلى جانب العصر المدني الذي أكمل التشريع، وفرع في كثير من المسائل بعداستقرار المجتمع الإسلامي·

3
-
قضية الإعجاز:
والتي أثارها في فكر الشيخ الغزالي المستشرق المجري المعروف <جولدزيهر> الذي قال إن القرآن المدني أقل بلاغة من القرآن المكي، وتبعه في هذا اللغوبعض الذين كانوا يدرِّسون في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وبقوا في أماكنهم ينشرونهذا الإلحاد إلى إن ماتوا·
والقرآن قطعاً ليس كما زعموا، إنما هو بمكيه ومدنيهسواء في إعجازه وبلاغته والتحدي به، غير أن بعض القرآن ثوابه أفضل من بعض فآياتالتوحيد والعقيدة أكثر مثوبة عند الله من آيات تتحدث مثلاً عن زواج وطلاق ومواريث،من أجل هذا فسورة الإخلاص وآية الكرسي مثلاً أكثر في الثواب من سور وآياتكثيرة·
بعد هذا العرض الفكري السريع للهجرة النبوية عند الشيخ محمد الغزالينستطيع القول: أن الفكر الغزالي للهجرة النبوية يأتي نموذجاً فريداً في القضاياالتي تمخض عنها فكره والآراء التي توصل لها عقله، وهذا نابع من تمكن الشيخ منالثقافة الإسلامية، وإدراكه البعيد للواقع الذي تحياه الأمة الإسلامية، وتجاربهالواسعة في الدعوة إلى الإسلام وقيم الإسلام· رحمه الله رحمةواسعة·



بقلم الكاتب: وصفي أبوزيد
0
 

 




- عناوين رسائل ماجستير في الادب
- يبكون ويسرقون المصحف
- شكرا ماليزيا إعداد/ محمد عباس محمد عرابي
- ظاهرة النشاط الزائد عند الأطفال بقلم: محمد عباس عرابي(عضو اتحادكتاب مصر –عضو الجمعية المص
- المزج بين البحور في شعر فدوى طوقان للباحث محمد عباس عرابي







   رد مع اقتباس

قديم July 1, 2010, 03:42 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
نجمة ديني
سبحان الله و بحمده






نجمة ديني غير متصل

رد: دراسات وابحاث في فكر الشيخ محمد الغزالي جمع وترتيب الباحث محمد عباس عرابي


رحم الله شيخنا الكريم (محمد الغزالي) واسكنه فسيح جناته
شكرا لك اخي وجزاك الله خيرا ونفع بك الاسلام والمسلمين



- الفضائل الخاصة بكل واحدة منهن ( زوجات النبي صلى الله عليه وسلم )
- اخت لكم معكم
- استحى !!!
- الفضائل الخاصة بكل واحدة منهن ( زوجات النبي صلى الله عليه وسلم )
- خطوات في إصلاح الذات







   رد مع اقتباس

إضافة رد

النصح و التوعيه

النصح و التوعيه



مواقع النشر (المفضلة)
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دليل رسائل الماجستير في التربية إعداد الباحث محمد عباس محمد عرابي محمس عربي الدليل العلمي للطلاب و المعلمين 4 August 18, 2010 01:38 PM
الطفل بين التفكير الإبداعي والابتكاري للدكتور السيد نجم تقديم الباحث محمد عباس عرابي محمس عربي بحوث علمية 0 May 16, 2010 08:12 AM
الداعية الناجح في فكر الغزالي لوصفي أبي زيد تقديم محمد عباس محمد عرابي محمس عربي النصح و التوعيه 1 May 8, 2010 12:23 AM
معالجة العنف في المدارس للكاتب أحمد أبوزيد تقديم الباحث محمد عباس محمد عرابي محمس عربي مقالات الكُتّاب 1 March 4, 2010 12:47 AM
مؤلفات الباحث محمد عباس محمد عرابي إعداد حسام عباس محمس عربي المواضيع المكرره والمخالفه 5 February 28, 2010 07:31 AM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


مجلة منتديات السوق الالكتروني المزيونة المسافر خياطة قصص الانبياء اقوال وحكم كلام من القلب تحميل كتب ثقافة عامة صور رمزيات اندرويد بلاك بيري ايفون تحميل برامج وصفات طبخ عالم حواء بحوث البرمجة اللغوية روايات مقالات طبية الطب البديل كلام حب عروض دورات
الساعة الآن 06:09 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر