| |||
| |||
| |
| | |||||||
| روايات و قصص روايات ادبية , روايات بوليسية , روايات عالمية , قصص رومانسية , خيالية , حب , واقعيه |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | البحث في الموضوع | تقييم الموضوع | أنماط العرض |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |||||||
| إنهم يرقصون في اليونان هدى الفيل هي: سارت بخطوات ثابتة، مستقيمة. على وجهها النحيل ارتسم طابع غريب؛ لا هو بالحزن ولا باليأس. ارتسمت على وجهها ملامح جندي قرر الحياد فرمى سلاحه، قهقه في وجه أعدائه، أعطاهم ظهره ومشى، مشى واثقاً أنهم لن يرموه، وحتى إن فعلوا فلن يدرك إلا الجنون أن الجنون لا يفهم حتى نفسه. تابعت خطواتها. وصلت إلى صندوق البريد.اقتربت حتى التصقت به ، أحاطته بذراعيها وصرخت: "سديري ! سديري ! أعد لي جنوني" اهتز الصندوق؛ اهتز يميناً ، ثم شمالاً، وسقط على الأرض محطماً إلى أجزاء صغيرة . تراءى لها وجه السديري بين الأجزاء والقهر يملأ قسماته، لم تجرؤ على الابتسام، حاولت أن تقول شيئاً. وجه السديري يتحول إلى وحش كاسر . تجري هاربة منه ، تركض في الخلاء. فجأة ينتصب أمامها حاجز، تتسلقه بخفة وتقفز إلى الجانب الآخر متنفسة الصعداء، تتابع سيرها ببطء، خطوة خطوتان. وهاهو السديري يجلس هناك تحت شجرة صفراء عارية، تعلو وجهه تلك الابتسامة التي لم ولن تستطيع يوماً تفسيرها. تسقط على الأرض ولا ترى أمامها إلا غيمة رمادية ثقيلة. ذات صباح اتجهت إلى غرفته وفي يدها صندوق صغير أسود. كان في الصندوق كل ما يخصهما، العصا التي كانت أمها تضربها بها في كل ليلة، الأقنعة التي لم يستطيعا مواجهة الآخرين دونها، كتابه الأحمر، ومنديل من مناديل أمها، كانت قد تخفت به مرة لتهرب إليه. وثمَّ شيء آخر خلعته كالثوب وفرشته في قاع الصندوق؛ كان جنونها، جنونه لا فرق، خلعته عنها فشكل كرة جميلة ذات ألوان قزحية، كرة من الكريستال اللامع، أخذت تضيء وتلمع بين يديها ، رمتها في قاع الصندوق وصرخته: " ليأخذه، فجنوني هو جنونه" . أغلقت الصندوق ومضت تجري في شوارع دمشق . لا… لا… لن ينساها!.. لن ينسوها جميعاً، ففيها أبصروا جنونهم؛ جنونهم كان هي، وهي كانت الجنون. وهل ينسى الجنون نفسه؟!.. خيم الظلام، حزمت أمتعتها ورحلت.. مع الغريب. هو: مشى بخطوات ثقيلة، متجهاً إلى الحانة؛ نفذ المشروب في بيته. ترنَّح، كان يعلم تماماً أنه يترنح من السكر، وهذا الإدراك بالذات جعله منتشياً وسعيداً. أثارته هذه الحالة فأخذ يصفر لحناً لأغنية يحبها، تابع خطواته، شعر بنفسه خفيفاً كظل، كسحابة، استجمع لعابه وبصق، كان يريد الوصول إلى الحانة، فالخمرة كانت طريقه الوحيدة للوصول إلى نفسه. فتح باب الحانة بركلة صغيرة من قدمه، هوى بجسده النحيل على أقرب كرسي، أخذ يفحص الغرفة بعينيه الزائغتين، رأى يافطة معلقة: "أنصاف السادة تسكر، أنصاف السادة تشرب، أنصاف السادة تشمئز".. تحرك ذاك الألم الخفيف في معدته، لا يعلم لماذا ذكرته هذه الحانة بحانة صغيرة في صوفيا، في تلك الحانة التقاها؛ بلغارية حسناء، سألته ضاحكة وهي تصب له الخمرة : "أنتم العرب ! لماذا يبكي رجالكم عندما يسكرون ؟ في اليونان يرقصون ويكسرون الصحون" لم يدر بماذا أجابها، غمغم بشيء سخيف، "فعلاً لماذا؟ لماذا يبكي رجالنا ؟" طافت عيناه في أرجاء الحانة رأى وجوهاً بائسة حزينة الملامح، ومن يبكي هو؟!.. أيبكيها هي؟ هي التي باعته ورحلت مع رجل في سن أبيها، أيبكي قضية أم يبكي الأيقونات المزيفة؟!.. يذكر ذاك المساء.. يذكره جيداً، اقتربت منه؛ عبثت بشعره الأشعث وهمست: "غداً نهرب ونتزوج".. كانت تعلم .. تماماً أنها تكذب، حاول القليل من الفرح أغمض عينيه، لكنه كان يعلم أنها تكذب. عندما عاد إلى غرفته في اليوم التالي رأى صندوقاً أسود في زاوية الغرفة. اقترب منه ، همَّ بفتحه، لكن شيئاً ما بداخله حال بينه وبين الصندوق، شيئاً لم يستطع تفسيره، ومنذ أن رحلت وهو يمارس الطقوس نفسها في كل مساء. يقبع أمام الصندوق يحاول فتحه وفي اللحظة الأخيرة يعدل عن قراره ، وينطلق راكضاً في شوارع دمشق . ارتشف مزيداً من الخمرة محاولاً أن يركض في دهليز ذاكرته، أراد التركيز على وجهها. كانت تحمل وجه الأم الطيبة، وفي أحيان أخرى وجه عاهرة فقدت هويتها؛ هل أحبته يوماً؟.. تدحرجت الوجوه والأصوات كما تتدحرج الصخور من قمة جبل شاهق. تدحرجت محدثة غباراً وضجيجاً وغطى الرماد كل شيء، لمح وجه البلغارية الحسناء وتناهى إليه صوتها: " لماذا يبكي رجالكم عندما يسكرون؟" لا …لا …نحن لا نبكي ، نحن نرقص ، بل ونكسر الصحون أيضا. انتفض، هب واقفاً في منتصف الحانة، شرع يديه في الهواء، وأخذ يصفق، بدأ الآخرون في التصفيق، أخذ جسده يتمايل ببطء، تسارع إيقاع التصفيق، أخذ يقفز في الهواء، كان يرقص، نعم يرقص كاليونانيين. حمله بساط سحري إلى عالم آخر، شعر بالنشوة وانفصلت روحه عن جسده، أخذته غيمة عطرية إلى اللاشيء، حيث لا زوايا ولا محطات. فجأة أبصرها. رآها تضحك، تبكي، سمعها تقول: "يا إلهي!" رأى أمها تصفعها، ثم رآها متأبطة ذراع الرجل العجوز، وبين الغيم رأى كتلاً بشرية تزحف، رجالاً ونساء يزحفون نحو جدار ضخم، رأى الناس يحطمون الجدار، رأى الجدار ينهار محدثاً ضجة ومثيراً غباراً… كان لون الغبار غريباً، كلون الوهم ولون الخديعة، رأى زنزانته الضيقة، رآها تخبئ كتابه الأحمر تحت ثيابها وتركض لتخفيه في بيتها؛ وفجأة.. انهار كل شيء، سقطت السحابة التي كانت تحمله وأمامه انتصب الصندوق الأسود وقد تناثر إلى أجزاء صغيرة، وطارت محتوياته في الهواء. أبصر العصا، المنديل، الأقنعة، كتابه، ثم شيئاً آخر، شيئاً غريباً بدا كالكرة السحرية، كرة من الألوان العجيبة، بدت كشمس مصغرة تطير في الهواء، سحرته ألوانها الساطعة كألوان قوس قزح حتى غشي بصره، أخذت تدور وتدور في أنحاء الغرفة؛ قفز أطبق كفيه عليها، فحطت فيه، جحظت عيناه متأملاً ألوانها، كانت تلمع وتبرق، شعر بدوخة في رأسه، اقترب منها، ألصق وجهه بها، هناك أبصرها هي... أبصر جنونه.. جنونها، ضم الكتلة بين ذراعيه، جلس القرفصاء وانخرط في بكاء مرٍّ. مجلة الموقف الادبي العدد رقم 439
| |||||||
|
![]() |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
| أنماط العرض | تقييم هذا الموضوع |
| |