المجلة الإلكترونية - مركز تحميل - القران الكريم - اتفاقية الاستخدام - تصفح الجوال - الاعلان - أضفنا في المفضلة

اشترك في مجموعة اصدقاء مجله الابتسامه البريديه الان
البريد الإلكتروني:

العودة   مجلة الإبتسامة > الموسوعة العلمية > بحوث علمية

بحوث علمية بحوث علمية , مدرسية , مقالات عروض بوربوينت , تحضير ,دروس و ملخصات


بحث كامل عن الغزل في الشعر العربي ، الغزل في الشعر العربي عصوره، وتطوره

بحوث علمية



جديد مواضيع قسم بحوث علمية

إضافة رد

كيفيه ارسال موضوع جديد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم December 5, 2011, 12:18 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أمينة سالم
لا حول ولا قوة إلا بالله






أمينة سالم متصل الآن

Rose بحث كامل عن الغزل في الشعر العربي ، الغزل في الشعر العربي عصوره، وتطوره


شِـعْــرُ الغـَــــزَلْ



(النّسيب والغزل والتّشْبيبُ)

النَّسِـيبُ هو : رَقيقُ الشِّعْر في النساءِ؛ ولا يكون إلاَّ في النِّساءِ.


والغَزَلُ هو: حديثُ الفِتْيان والفَتَيات. .. ويقال أن الغَزَلُ هو الّلهْـو مع النساء.


وتَشْبِـيبُ الشِّعْر: تَرْقِـيقُ أَوَّله بذكر النساءِ، وهو من تَشْبـيب النار .




ومُغازَلَة النساء هي مُحادثـتُهن ومُراوَدتُهنَّ. وكذلك تفعل المرأة بالرجل ..... أما التَّـغَــزُّلُ فهو تكَـلُّّف الغَزَل ... ويُوصف الرجل ممن يحب مغازلة النساء وفق هذا المعنى بأنه رجل غَـزلٌ (بكسر الزّين) .. وتوصف المرأة التي تحب مغازلة الرجال ومراودتهم أيضا بأنها غَـزلـَة ومُتَغَـزِّلَةْ سواء أكانت تهوى حديث اللهو مع الرجال أو تقول فيهم شعراً . وإن كان بغرض المدح فمدح المرأة للرجل إعجاب وتعبيرها عن هذا الإعجاب هو غزل.



وكانت العرب ترى انه لا يقول الرجل في المرأة شعراً غزلاً كان أم نسيب إلاّ وكان عاشقا لها ..... ولكن زماننا الحالي بات مليئا بالمفارقات فبتنا نسمع عن من يتقرب للمرأة بمعسول الكلام ليس حبا لها ، وإنما لمجرد التسلية وشغل أوقات الفراغ أو قـضـاء مأرب عرضي.


وتقول العرب ايضا عن المرأة الشاعرة أنها إذا عشقت تـغـزّلت .....

وقد ظلّ هذا المعنى سائدا دون ان يطرا عليه تعديل في التاريخ المعاصر وربما ما عاد أحد يهتم .... لكن المشاهد ان العرب ولأسباب تتعلق بحساسيتها المفرطة تجاه المراة قد ذهبت إلى ما ذهبت إليه في تفاسيرها . ولكن المفاهيم تغيرت الآن ولم تعد المرأة تجد حرجا في الشكوى من حَرّ الهوى ولواعج الغرام وذكرى الحبيب وسكب الدموع على غدره أن غدر أو غادر الحياة الدنيا ... إلخ ... ولم يعد أحد يعيب عليها ذلك بعد أن اعترف لها الذكر بحقوقها العاطفية. .. لكنها مع ذلك تظل تراوح نفسها في الجانب العذري من العلاقة بعيدا عن الجوانب الحسية الجوهرية ... ومن ثم متحفظة كثيرا مقارنة بالرجل الذي يبدو حراً طليقاً يقول ما يشاء ويطرق كافة الأبواب ويرتاد بشعره كل الأماكن الحسّاسة في جسد المرأة دون حسيب ولا رقيب .



والغزل هو ضرب من ضروب الخِفّة العاطفية لعوامل جينية وإستعداد نفسي فطري موروث فوق السيطرة لدى الذكر أو الأنثى على حد سواء وليس للبيئة دخل فيه ..... فقد تجده في الأمِّي والمتعلم ، الجاهل والمثقف ، البدوي والبدوية ، القروي والقروية ،الحضري والحضرية ، المراهق والكهل والعجوز (المتصابي) ولدى إنسان الأدغال وساكن قمم الجبال على حد سواء .... ومنه يقول العرب لبعض أنواع الظباء (غزال) لخفّة حركته....

ولكن يبقى الأسلوب الذي يتبعه الفرد في الغزل وحب الجنس الآخر هو الذي يحدد مدى قبول المجتمع له بغض النظر عن عمره .. والشاطر من يتصرف وفق سنه وما يتطلبه من أفكار وأداء فالذي يقبله المجتمع من المراهق والمراهقة قطعا لن يقبله من الشيخ والعجوز .. ولكن مع ذلك فالحب مشاع للجميع طالما فيهم روح وتنبض أجسادهم بالحياة أو كما يقال (من المهد إلى اللحد)... وقد بتنا الآن نسمع عبر وكالات الأنباء بمن يعقدون قرانهم على بعضهم البعض وهم في نهاية السبعيات وربما بداية الثمانينات من العمر ..



والحب والعشق والنسيب والغزل لدى البدو وأهل القرى اوضح وأقوى وأشد تمكينا في القلب من أهل المدن بسبب عدم تلوّث النفس بجفاء المدينة وغربتها .... وكذلك لتوافر مساحة الحرية الواسعة في العلاقة الظاهرية والاتصال بين الرجل والمرأة في المجتمع البدوي والقروي كونهم جميعا أبناء عشيرة واحدة أو قبيلة يتعارفون فيما بينهم واكثر إطمئنانا للحب العذري.

والبدوي إذا تملكه الهوى مرض واصابته الحمى ولزم الفراش فيعرف أهله انه عاشق وقد يصل به الأمر إلى الجنون أو الموت ... وكذلك تصاب الفتاة الكاعب والمرأة البدوية بالأرق والذهول وينحل جسدها وتذبل وترفض الأكل وربما تموت بسبب الحب .... على العكس من إنسان الحَضَـر بوجه عام حيث يكون أقدر على التماسك وتغليب العقل والموازنة بين الممكن والمستحيل والمنفعة المتبادلة متأثرا بمعطيات وقناعات الحياة المادية . فتجعله لا يمنح الحب كل قلبه ومشاعره ... وتكون للواقعية دور كبير في إنشاء حوائط الصد العاطفية لديه.


وللتبسيط يمكن تعريف المصطلحات على النحو التالي:


(الغـَـزَلْ)


وبنحو عام فإنك إذا قرات قصيدة فيها حوار بين الرجل والمراة من قبيل قالت لي وقلت لها غضبت مني .. ابتسمت .. خجلت .... أو حتى اشاحت بوجهها فهذا هو ضرب الغزل بينها وبينه مكتمل الصورة والأركان..... وهو اوضح في شعر البدو ن لسبب سهولة اللقاء والاختلاط الذي تفرضه البيئة ومشاركة المراة للرجل في الأعباء من رعي وزراعة وسقاء وورود ماء .. إلخ ...


ولأجل ذلك ترى في المجتمعات المتحضرة أن الفتاة أو المرأة ترفض التجاوب سلبا أو إيجابا مع الرجل بل ولا تنظر إليه فيكون ذلك أبلغ رسالة له أن طريقه مسدود مسدود .. ولكنها إذا كشرت في وجهه مثلاً أو عبرت له بعينيها وفمها عن احتقارها وكرهها له أو شتمته بكلمة فإن ذلك يكون مؤشرا على تجاوبها معه وفتح الباب له للحوار بشتى أنواعه فيتشجع وهو يدرك أنه لا محالة في النهاية سينال رضاها وكما يقول المثل الشعبي (مَا مِنْ مَحَبـّة إلاّ بَـعْـدَ عَـدَاوَة).





(النّسيبْ)


وإذا وجدت اقتصار موضوع القصيدة على الوصف لمحاسن المرأة ومفاتنها والسهر وعد النجوم ... إلخ دون تواجد للمحبوبة في مسرح القصيدة وبالتالي لاتشارك المحبوبة بردود افعال حاضرة إيجابية أمام شاعرها فهذا هو النسيب والسلام ... وهو اوضح في شعر الحضر .... وربما لو تمعنت في شعر أبناء العاصمة المثلثة حتى عهد قريب لوجدت ذلك واضحا وحيث يغلب وصف جسد المراة ومفاتنها على الحوار اللفظي بينها وبين شاعرها.

إذا كَانَ مَدْحٌ فالنّسِيبُ المُقَدّمُ:

وكانت العرب لا تمدح إلا إذا افتتحت للقصيدة بالنسيب .. وتقول القاعدة في هذا المجال (إذا كَانَ مَدْحٌ فالنّسِيبُ المُقَدّمُ) .. ولأجل ذلك كانت افتتاحية الشاعر المخضرم كعب بن زهير الذي جاء يطلب العفو ويعلن إسلامه وهو يتشرف بالوقوف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لينشد قصيدته العصماء والأكثر شهرة في مدح سيد الخلق (بانت سُعَادُ):


بَانَتْ سُعَادُ فقَلْبـِي اليَوْمَ مَتْـبُولُ .....


مُـتَـيّمٌ عِنْدَهَا لَمْ يُـفْـدَ مَكْبُولُ


ومَا سُعَادُ غَدَاةَ البَيْن إذْ رَحَلُوا .....


إلاّ أغَنّ غَضِيضُ الطّـرْفِ مَكْحُولُ


هَيْفَـاءُ مُقْبلَةٌ عَجْـزَاءُ مُـدْبــِرَةٌ .....


لا يُشْتَكَىَ قِـصَـرٌ مِنْهَا ولا طُـولُ


تَجْلُو عَوَارضَ ذِي ظَلْم إذَا ابْتَسَمَتْ .....


كَـأنـّهُ مُنْهَـلٌ بالـرّاحِ مَعْـلُـولُ


شُجّتْ بـذِي شَبـََمٍ مِنْ مَـاء مَحْنِيَةٍ .....


صَافٍ بأبْطَحَ أضْحَىَ وَهْوَ مَشْمُولُ


وهي قصيدة طويلة من (56 ) بيتا حسب ما جاء في سيرة إبن هشام عن رواية محمد بن إسحاق .



(التّشْبيبْ)


جاء في لسان العرب لإبن منظور قوله :


وتَشْبِـيبُ الشِّعْر: تَرْقِـيقُ أَوَّله بذكر النساءِ، وهو من تَشْبـيب النار .


ويقول الجوهري في (الصحاح في اللغة) : وشَبَبْتُ النار والحَرْبَ أَشُبُّها شَـبّاً وشُبوباً، ? إذا أَوْقَـدْتـَها.


وشَبَّبَ بالمرأَة: معناه أنه قال فيها الغَزَل والنَّسِـيبَ؛ وهو يُشَبِّبُ بها أَي يَنْسُبُ بها.


والتَّشْبِـيبُ: النَّسِـيبُ بالنساءِ.


ويقتصر التشبيب على شعر الرجل في المرأة ولايعتبر تغزل المرأة في الرجل تشبيبا وإنما هو في كل الأحوال غزل حتى لو استتر تحت عباءة شعر الحماسة والفخر والمدح.... هكذا استقر قدماء العرب وكبار النقاد في ذاك الزمان على هذا الرأي .... ولا يزال هذا التفسير هو السائد لعدم تجديده وفق مقتضيات العصر ...ولا شك أن السبب يكمن في أزمة النقد الأدبي .


وربما ذهب الرُواة وقدماء النقاد مثل الأصمعي (الذي ذاع صيته خلال العهد العباسي) إلى تحديد تلك المصطلحات أو تبنِّيها من لدن السابقين لسبب أن النّسيب متصل بوصف المفاتن والمحاسن المثيرة في المرأة .... وهذه المفاتن والمحاسن بالطبع لا يوجد لها شبيه في الذكر الرجل .... فلا يعقل مثلا أن تقول المراة في الرجل (النّسيب) من قبيل أن كفله كذا وخصره كذا واردافه على هذا النحو وشفتيه كالفراوله .... إلخ


وبالتالي فإنه إذا نظمت المرأة شعرا في الرجل لا يقال لشعرها هذا (نَسِـيـبـَا) وإنّمَا (غَزَلاً) فالنسيب كما قدمنا هو في المرأة فقط ولا يكون في الرجل.


وقيل فى الغزل ايضا:
هو التحدث عن النساء ووصف ما يجده الشاعر حيالهن من صبابة وشوق وهيام، وقد طغى هذا الغرض على الشعراء فأصبحوا يصدرون قصائدهم بالغزل لما فيه من تنشيط للشاعر واندفاعه في قول الشعر، ولما فيه من تنشيط للمستمع لذلك الشعر، ومن أجمل مطالع القصائد الغزلية قول المثقب العبدي:


أفاطِمُ قبْلَ بَينِكِ مَتَّعـيني

ومَنْعُكِ مَا سَألتُ كأن تَبِيني

فَلَا تَعِدِي مَواعِدَ كاذباتٍ

تَمرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيفِ دُونِي

فَإنِّي لَوْ تُخَالِفُني شِمَالِي

خِلاَفَكِ مَا وَصَلْتُ بِهَا يميْنِي

إذاً لَقَطَعْتُهَا ولَقُلْتُ بِيْني

كَذَلكَ أجْتَوِي مَنْ يَجْتويني

وإذا تتبعنا الغزل الجيد المؤثر في النفس وجدناه الناتج عن التذكر واسترجاع المواقف الماضية سواء كان في صدر القصيدة أو غزلا مقصوداً لذاته، فهذا المُرَقِّش الأصغر يقول في تذكر موقف غزل:


صَحَا قَلْبُه عَنْهَا عَلى أَن ذِكْرَةً
إذَا خَطَرَتْ دارَتْ بِهِ الأرَضُ قائماَ


وهذا بشر بن أبي خازم يقول:


فَظَلِلْتَ من فَرْطِ الصَّبَابَةِ والهَوَى
طَرِفاً فؤادُكَ مِثْل فِعْل الأيَهْمِ




وإذا كان بعض الشعراء يعبرون عن لوعتهم وحبهم في أبيات تصور خلجات النفس وتأثرها بالحب فإن عدداً من شعراء الجاهلية يتعدون ذلك إلى وصف المرأة وصفاً كاملاً فيصفون وجهها وعينيها وقوامها ورقبتها وأسنانها وغير ذلك، ومن هؤلاء الأعشى وامرؤ القيس بل إِن امرأ القيس لا يتورع عن ذكر ما يجري بينه وبين المرأة. وغرض الغزل وإن كان يستدعي أسلوباً ليناً رقيقاً إلا أننا لا نجد ذلك إِلا عند القليل من الشعراء الجاهليين.

أما معظم شعراء الغزل في الجاهلية فأسلوبهم يتصف بالقوة والمتانة ولا يختلف عن أسلوب المدح أو غيره من الأغراض.

الغزل فى العصر الجاهلى:

أجمع الباحثون على أن الغزل في العصر الجاهلي ,قد احتل الجزء الأكبر من تراثنا الأدبي ,لأنهم لم يجدوا قصيدة , في أي غرض من الأغراض,إلا وفيها اتصال بالغزل ,إن لم تكن مقتصرة عليه.لذلك نرى شكري فيصل يقول في كتابه ((تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام )) ((إن الثروة الشعرية كالقطعة الذهبية ذات الوجهين :نقش الجاهليون على صفحتها الأولى عواطفهم التي ابتعثها فيهم الحب , وما يؤدي إليه هذا الحب من وصل أو هجر,ومن سعادة أو شقاء,ومن لذة أو غصة,وصوروا هذه العواطف ,وأفنوا في تصويرها ملكاتهم ومواهبهم..أما الصفحة الأخرى ,فقد جمعوا عليها أغراضهم الأخرى ,ونثروا في أطرافهم كل الفنون والأغراض الثانية,كائنة ما كانت هذه الفنون والأغراض)).
وإذا رأينا بعض الشعراء يستهلون قصائدهم بالخمرة, فإنهم لا يلبثون أن يعودوا إلى الغزل ليبثوا المرأة مشاعرهم, وما يعانونه من عذاب الهجر,وألم الفراق,بكل صدق وأمانة ,وهذا ما حمل شكري فيصل على القول ))إن الأغراض الأخرى التي عرض لها الشعراء الجاهليون لم تكن ,في كثير من الأحيان,مقصودا إليها قصدا ,ولا متعمدة تعمدا..كانت روح الحب ,وعواطف الهوى هي التي تبتعثها ,وهي التي تكمن وراءها)).وهذا عنترة في معلقته,إنه لم يفتخر للفخر,وإنما للتغزل بحبيبته التي ملكت عواطفه,وسيطرت على أفكاره.

ومن هنا يمكننا القول إن المرأة هي كل شيء في نظر الجاهلي ,وأكرم عليه من ناقته أو جواده,وقد أخطأ من شيع أنها كانت عنصرا محتقرا,لأنها كانت عرضة للسبي , و مجلبة للعار, وإن ما وصل إلينا من أشعار يحمل صورة مشرقة عنها,فضلا عن أنها تشكل الموضوع الذي أولاه الشعراء أولى اهتماماتهم ,ولولا ذلك لما كان الاستهلال بالغزل وسيلة للولوج إلى هدف آخر.
وإذا كان الرجل مسيطرا على المرأة,فذلك نتيجة لطبيعة الحياة التي جعلت منه المسئول عن الأسرة وحمايتها ,فضلا عن طبيعة الصحراء التي فرضت عليه القوة الجسدية للدفاع عن الحياض,والقيام بعمليات الغزو.

ونظرا لجفاف الصحراء,وضعف خيال الشاعر جاء غزلهم وصفا للجمال الخارجي:كجمال الوجه,والجسم,دون التعرض إلى الجمال النفسي والخلقي,وكانوا يتفننون في رسم صورة هذا الجمال في العين وسائر الحواس,دون أن يهتموا بما يتركه هذا الجمال من أثر في نفوسهم .لذلك بدا غزلهم غارقا في المادية النابعة من صميم الطبيعة الجاهلية.وقد علل يوسف حسين بكار هذه المزية بقوله)):والذي أراه أن أكثر الشعراء الجاهليين لم تتح لهم الفرص الكافية للعيش مع من يتغزلون فيهن,أو التعرف عليهن من كثب,وإنما كانت لقاءات عابرة ,ونظرات من بعيد ,وإلا لما اكتفوا بالأوصاف الخارجية للمرأة)).

ونتيجة لما تقدم,يمكننا تصنيف الغزل الجاهلي في اتجاهين متناقضين,أولهما الاتجاه الحسي الفاحش او الغزل الصريح,وزعيمه امرؤ القيس,صاحب المغامرات الليلية مع الحبالى والمرضعات,وثانيهما الاتجاه الحسي العفيف او الغزل العفيف الذي اشتهر في العصر الأموي,وكانت نواته في الجاهلية .وكثيرون هم زعماء هذا الاتجاه ,وقد اقترنت أسماؤهم بأسماء محبوباتهم ,مثل المرقش الأكبر وأسماء,والمرقش الأصغر وفاطمة,وعروة بن حزام وعفراء,وعنترة بن شداد وعبلة...

ومهما يكن من أمر,فإن أهم ما ينطوي عليه الغزل الجاهلي هو تكرار المعاني,وصدق العاطفة وإنسانيتها.فإن الشاعر عندما يذكر حبيبته,ويبثها عواطفه,نشعر وكأن شعره تعبير عن عواطفنا,رغم بعد المسافة الزمنية بيننا وبينه,وذلك لما تحوي خلجات قلبه من شحنات عاطفية لا تعبر عن فرد أو جماعة في بيئة معينة ,وإنما تعبر عن قاسم مشترك لعواطف الناس أجمعين,وإن تكلم الشاعر عن أمكنة معينة,ومحددة بأسمائها ونباتها وحيوانها.أضف إلى ذلك المعاني البسيطة المأخوذة من الواقع الحسي القريب,وما خبره الشاعر في حياته الاجتماعية, مصوغة بأسلوب جزل قوي وموجز,تنقصه الهندسة الفنية.
وفيما يلى نتعرض لبعض الشعراء الذين ابدعوا فى الغزل فى هذا العصر ونتعرض ايضا لأشهر القصائد...


امرؤ القيس
هو حندج بن حجر (نحو 130-80ق.ه=نحو497-545م)من أشهر شعراء العرب ,.كان أبوه ملك أسد وغطفان ,وأمه أخت المهلهل(الزير)الشاعر البطل المشهور .اشتهر بلقبه ((امرؤالقيس)),وب((الملك الظليل))لاضطراب أمره طوال حياته ,وب((ذي القروح))لما أصابه في مرض موته.كان محبا للهو واللعب ,مولعا بمغازلة النساء ومفاكهتهن .ومن جميل شعره في الغزل نقتطف الأبيات التالية:
خليلي مر بي على أم جندب لنقضي لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب؟
· * *
...ويوم دخلت الخدر,خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول ,وقد مال الغبيط بنا معا عقرت بعيري ياامرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري ,وأرخي زمامة ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول
أفاطم مهلا بعض هذا التذلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي
· * *


عنترة بن شداد
أحد أبطال العرب وشعرائهم المشهورين (...-نحو600م\22ق.ه).كانت أمه حبشية,فسرى إليه السواد منها.كان من أحسن العرب شيمة وأعزهم نفسا.يوصف بالحلم على شدة بطشه .أحب عبلى ابنة عمه ,ولاقى في سبيلها ضروبا من المرارة والعذاب ,بسبب لونه,وعدم تمتعه بحريته في بداية حياته ,ولأسباب عائلية اجتماعية .قال في حبها قصائد غزلية خالدة.
هرب والدا عبلة بابنتهما إلى بني شيبان,من وجه عنترة,فقال الشاعر:
ياطائر البان ,قد هيجت أشجاني وزدتني طربا يا طائر البان
إن كنت تندب ,إلفا قد فجعت به فقد شجاك الذي بالبين أشجاني
زدني من النوح ,واسعدني على حزني حتى ترى عجبا من فيض أجفاني
وقف لتنظر ما بي ,لا تكن بي عجلا واحذر لنفسك من أنفاس نيراني
وطر ,لعلك في أرض الحجاز ترى ركبا على عالج أو دون نعمان
يسري بجارية تنهل أدمعها شوقا إلى وطن ناء , وجيران
نا شدتك الله يا طير الحمام إذا رأيت يوما حمول القوم , فانعاني
وقل : طريحا تركناه وقد فنيت دموعه , وهو يبكي بالدم القاني
· * *
سألت امرأة من بني كندة عنترة أن يقيم معها في ديار قومها ,واعدة إياه بتزويجه من يريد من بناتها,فقال:
لو كان قلبي معي,مااخترت غيركم ولا رضيت سواكم,في الهوى,بدلا
لكنه راغب فيمن يعذبه وليس يقبل لا لوما ولا عذلا
· * *
ولقد ذكرتك , والرماح نواهل مني , وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
· * *
حسناتي عند الزمان ذنوب
وفعالي مذمة وعيوب
ونصيبي من الحبيب بعاد
ولغيري الدنو منه نصيب
كل يوم يبري السقام محب
من حبيب وما لسقمي طبيب
وهلاكي في الحب أهون عندي
من حياتي إذا جفاني الحبيب
ولقد ناح في الغصون حمام
فشجاني حنينه والنحيب
ياحمام الغصون لو كنت مثلي
عاشقا لم يرقك غصن رطيب
فاترك الوجد والهوى لمحب
قلبه قد أذابه التعذيب
· * *


المنخل اليشكري
هو المنخل بن مسعود بن عامر (...-نحو603م\20ق.ه).أشهر شعره رائيته التي سنثبتها .قالها في ((هند))بنت عمرو بن هند,فلما عرف أبوها بأمره قتله.وضربت العرب به المثل في الغائب الذي لا يرجى إيابه ,يقولون: ))لا أفعله حتى يؤوب المنخل)).
فتاة الخدر
إن كنت عاذلتي فسيري
نحو العراق ,ولا تحوري
لا تسألي عن جل ما
لي,وانظري كرمي وخيري
ولقد دخلت على الفتا
ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر
فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت
مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست
كتنفس الظبي الغرير
فدنت , وقالت : يا منخل
ما بجسمك من حرور؟
ما شف جسمي غير جس
مك,فاهدئي عني وسيري
وأحبها وتحبني
ويحب ناقتها بعيري
يا رب يوم للمنخ
ل ,قد لها فيه قصير
ولقد شربت الخمر بال
خيل الإناث وبالذكور
فإذا انتشيت فإنني
رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني
رب الشويهة والبعير
وفى الحقيقة شعر الغزل فى العصر الجاهلى لا ينتهى ولا تنضب ابداعات

الغزل فى العصر الأموي:
في دراستنا للقصيدة العربية التقليدية في العصر الجاهلي أول ما يطالعنا مقدمتها وهي في عمومها : غزل إن كانت وصفا لطلل أو لطيف أو نسيب ،ولا تكاد تخلو مطولة من غزل ، نراه في مقدمتها أو في ثتاياها ، ولكنه لم يكن غرضا مقصودا لذاته، بل كان غرضا من ضمن أغراضها المتعددة. نراه عفيفا عند بعض الشعراء كعنترة العبسي ، كما نراه فاضحا إباحيا عند آخرين كامرئ القيس.


حافظ الشعراء على هذه الصورة في شعرهم التقليدي من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث. وعلى سبيل التمثيل لا الحصر نراه في قصائد لشعراء في صدر الإسلام كقصيدة كعب بن زهير في مدح الرسول والتي مطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
ونراه في عصر بني أمية عند الفرزدق والأخطل وجرير وغيرهم . يقول جرير في مطلع إحدى مطولاته:
لمن الديار كأنها لم تحلل بين الكناس وبين طلح الأعزل
مرورا بالشعر العباسي والأندلسي إلى عصرنا هذا، نجد الشعراء المحافظين على عامود القصيدة التقليدية ملتزمين بالمقدمة الطللية في مطولاتهم كالبارودي وشوقي وغيرهم.
لكن شعر الغزل تطور منذ عصر بني أمية وأصبحت له صورة أخرى لم تكن من المطولات , إنما كانت في أكثرها مقطوعات ,ولم تكن غرضا ضمن أغراض أخرى بل أصبح فنا قائما بذاته , لا يقال لينشد , وإنما ليغنى . وأصبح لشعر الغزل نكهته الخاصة في كل عصر من العصور. ولنا وقفة معه ومع شعرائه في عصر بني أمية .
لا يختلف اثنان من دارسي الأدب العربي على أن شعراء الغزل في العصر الأموي فريقان: شعراء الحواضر ويقصد بهم شعراء مكة والمدينة ويصنف شعرهم على أنه شعر صريح فاضح وشعراء البوادي وهم شعراء بوادي الحجاز ونجد كبني عذرة وبني عامر وتميز شعرهم بنقائه وعفته الغزل العفيف .

شعراء الغزل العفيف:
من يقرأ كتاب الأغاني للأصفهاني يجد أخبارا كثيرة تصور حب سكان مكة والمدينة للغناء ، وكيف عاش الشعراء للحب والغزل ، فانشدوا المقطوعات الغزلية التي تتناسب والغناء ، ولذا نجد هذا الفن قد تطور في هذا العصر- بتأثير الغناء - تطورا واسعا ، ومن مظاهر هذا التطور:أنه أصبح فنا قائما بذاته ، ولم يعد غرضا من أغراض القصيدة المتعددة.وأصبحت كثرته مقطوعات قصيرة.وقد عدل الشعراء إلى الأوزان الخفيفة من مثل بحر الرمل والسريع والخفيف والمتقارب.و استعمال الألفاظ العذبة السهلة .كما أصبح في غالبه تصويرا لأحاسيس الحب ولم يعد بكاءً على الأطلال .
لم يكن شعراء مكة والمدينة جلهم من شعراء الغزل الصريح ، فقد كان منهم أصحاب تقوى وعفاف وورع فكان شعرهم نقيا طاهرا مثل : عبد الرحمن بن عمار الجشمي ، وعروة بن أذينة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.

ولكن شعراء الغزل الإباحي الفاضح هم الجمهور الأكثر وهم الذين ذاع صيتهم وانتشرت أخبارهم وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة والأحوص ، والعرجي .
ولا يسعنا الا التعرض لبعض الشعراء الامويين الذين برعوا فى فن الغزل وفى مقدمتهم عمر بن ابى ربيعة ..هذا الشاعر الخطير الذى يعد من اشهر الشعراء فى التاريخ العربى

**عمر بن أبي ربيعة

نسب عمر وعشيرته وأهله

هو عمر بن أبي ربيعة المغيرة , ويغلب عليه أن ينسب إلى جده . فيقال ابن أبي ربيعة , وكنيته المشهورة أبو الخطاب , وهو ينحدر من عشيرة مهمة في مكة , وهي عشيرة بني مخزوم , والتي كانت أحد البطون العشرة التي تؤلف قريش البطاح , وكان صوتها مسموعاً بين هذه البطون وفي مجلس شيوخها .
وما زال نجم المخزوميين يصعد أواخر العصر الجاهلي حتى أصبحت لهم شهرة مدوية في الجزيرة العربية , وخاصة هذا الفرع الذي نجم منه عمر, وكان آباؤه وأعمامه يعدون من سادة قريش الأولين , ومنهم هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة , وجده الذي كان بطلاً من أبطال قريش .
وكما تقدم المخزوميون بالشجاعة تقدموا أيضاً بالكرم وبذل المال , فقد كانوا من تجار مكة الميسورين .وفي هذه الأسرة يلمع اسم عبد الله بن أبي ربيعة , وكان تاجراً موسراً ,وكانت مكة تسميه "العدل" لأنها كانت تكسوا الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة ,ويكسوها هو من ماله سنة , فأرادوا أنه وحده عدل لهم جميعاً , وكان اسمه بحيراً , فلما أسلم عام الفتح سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله . ويقول أبو الفرج : إنه كان لعبد الله عبيد من الحبشة يتصرفون في جميع المهن , وكان عددهم كثير , وعرض على رسول الله أن يستخدمهم , ويستعين بهم , حين خرج إلى حنين , فأبى .
واستعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على الجند ومخاليفها في اليمن , فلم يزل عاملاً عليها حتى قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه, واستعمله عثمان بن عفان رضي الله عنه أيضاً , وما زال والياً حتى توفي في أثناء حصاره عام خمسة وثلاثين .
حياة عمر وأخلاقه وصفاته:

نبت عمر في أسرة نبيلة , ويقال أنه ولد في العام الذي قتل فيه عمر بن الخطاب عام 23هـ للهجرة في مكة , ويظن البعض أنه من سكان المدينة ولكن الأرجح أنه مكي مولدا ونشأة فهو يقول :
وأنا امرؤٌ بقرار مكة مسكني ولها هواي فقد سبت قلبي
ولم يكد عمر يتجاوز الثالثة عشرة من عمره حتى توفي أبوه , وبذلك خلّي بينه وبين أمه الغريبة , فنشّأته كما تهوى , أو كما تنشّئ أم سبيّة فتاها الثري ثراء مفرطاً , تترك له حبله على الغارب ليتناول من اللهو كل ما تصبو إليه نفسه .فنشأ بتأثير غناه ودلاله مفتوناً بدنياه وبما حوله من ملاهيها , وما ينقصه ؟ فداره تعج بالجواري والسبايا, التي كانت تكتظ بها دور نبلاء قريش حينئذ , وليس هناك طرفة من طرف الدنيا إلا وهو يستطيع أن يقتنيها , وأن يلهو بها ما شاء له هواه .


وكان عمر جميلاً , ولم يلبث أن تفجر في نفسه هذا الينبوع العذب , ينبوع الشعر, مع فتنة في الحديث ورقة شعور ومزاج , فأصبح حديث الشباب , وكانت موجة الغناء حادة كما قدمنا , وكان الشعر هو القطرات التي تعقدها في أسماع الناس , وكان عمر يحسن إرسال هذه القطرات النفسية , فتعلّق به مجتمع مكة تعلقاً شديداً .
لا غرو, فقد حشد ثراءه لفنه , فهو يصنع المقطوعة من شعره , ثم يطلب لها أروع المغنين في عصره , ليغنوه فيها لحناً خالداً، ويجيزهم جوائز مختلفة , فهذا ابن سريج يعطيه في تلحينه لإحدى مقطوعاته ثلاثمائة دينار , وهذا الغريض يعطيه في تلحين مقطوعة أخرى خمسة آلاف دينار, ويعطي جميلة في تلحين مقطوعة رابعة عشرة آلاف درهم .

وهكذا كانت حياة عمر في مكة حياة شعر وغناء خالص , ولم يكن للناس حينئذ من لهو سوى هذا الغناء وما يصاحبه من شعر , فدار اسم عمر على كل لسان .
نذر عمر حياته لهذا اللون من الغزل الصريح وأخضعه لفن الغناء الذي عاصره؛ إذ يستخدم الأوزان الخفيفة والمجزوءة، حتى يحملها المغنون والمغنيات ما يريدون من ألحان وإيقاعات كما يستخدم لغة سهلة ، فيها عذوبة وحلاوة ، حتى تفسح لهم في روعة النغم .
كان مجتمع مكة حينئذ تسوده ضروب من الحرية المهذبة في لقاء الرجال بالنساء ,فبرزت المرأة للشباب ولكنها تحتفظ بحجاب من الوقار، وقد كانت هناك مواسم تكثر فيها هذه الطلبات- الظهور في مرآة شعره - على عمر وغيره من شعراء مكة , وذلك في مواسم الحج و إذ كانت تحشد فيها نساء العرب وفتياتهم , وكان الذوق العربي العام لا يمنع أن يشيد شاعر بجمال امرأة , بل لعل في هذه الإشادة ما يعرف بها وبجمالها , ولذلك كانت تطلبها المرأة العربية ولا تجد فيها غضاضة , بل على العكس كانت تجد فيها طرافة وإعلاناً عنها وتمهيداً لأن يطلبها الأزواج .


وهذا الذوق العام هو الذي أشاع الغزل في المرأة العربية الشريفة , وأخذ عمر يستغله ويبعد في استغلاله لا في فتيات مكة ونسائها , بل في فتيات العرب جميعاً ونسائهم ممن يحججن إلى مكة وتقع عينه عليهن , وكأنما كانت عينه "عدسة " مكة في هذا العصر , فلا تمر امرأة إلا وتهب عين عمر, فيسجل صورتها , ومن هنا كنا نقرأ في شعره أخباراً وقصصاً عن جميلات الحواج , مثل فاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية , وزوجة أبي الأسود الدؤلي , وليلى بنت الحارث البكرية, ورملة بنت عبد الله الخزاعية وغيرهن الكثير .....

نماذج من شعره:
1-
حَدِّثْ حَديثَ فتاة ِ حَيٍّ مرّة ً بالجزعِ بين أذاخرٍ وحراءِ
قَالَتْ لِجَارَتِها عِشاءً، إذْ رَأَتْ نُزَهَ المَكَانِ وَغَيْبَة َ الأَعْدَاءِ
في رَوْضة ٍ يَمّمْنَهَا مَوْلِيَّة ٍ مَيْثَاءَ رَابِيَة ٍ بُعَيْدَ سَماءِ
في ظِلِّ دَانِيَة ِ الغُصُونِ وَرِيقَة ٍ نَبَتَتْ بأَبْطَحَ طَيِّبِ الثَّرياءِ
وكأنّ ريقتها صبيرُ غمامة ٍ بردت على صحوٍ بعيدَ ضحاء:
ليتَ المغيري العشية َ أسعفتْ دارٌ بهِ، لتقاربِ الأهواءْ
إذ غابَ عنا منْ نخافُ، وطاوعتْ أرضٌ لنا بلذاذة ٍ وخلاء
قلتُ: اركبوا نزرِ التي زعمتْ لنا أن لا نباليها كبيرَ بلاءِ
بينا كذلكَ، إذ عجاجة ُ موكبٍ، رَفَعُوا ذَمِيلَ العِيسِ بِالصَّحْرَاءِ
قَالَتْ لِجَارَتِها کنْظري ها، مَنْ أُولَى وتأملي منْ راكبُ الأدماء؟
قَالتْ أَبُو الخَطَّاب أَعْرِفُ زِيَّهُ وَرَكُوبَهُ لا شَكَّ غَيْرَ خَفَاءِ
قَالَتْ وَهَلْ قَالَتْ نَعَمْ فَکسْتَبْشِري ممن يحبُّ لقيه، بلقاء
قالت: لقد جاءتْ، إذاً، أمنيتي، في غيرِ تكلفة ٍ وغيرِ عناء
مَا كُنْتُ أَرْجُو أَن يُلِمَّ بأَرْضِنَا إلا تمنيهُ، كبيرَ رجاء
فإذا المنى قد قربتْ بلقائه، وأجابَ في سرٍّ لنا وخلاء
لما تواقفنا وحييناهما، رَدَّتْ تَحِيَّتَنا عَلَى کسْتِحْيَاءِ
قلنَ: انزلوا فتيمموا لمطيكمْ غيباً تغيبهُ إلى الإماء

2-
مَرَّ بي سِرْبُ ظِباءِ رَائِحاتٍ مِنْ قُباءِ
زمراً نحوَ المصلى مُسْرعاتٍ في خَلاءِ
فتعرضتُ، وألقيتُ جلابيبَ الحياء
وقديماً كانَ عهدي، وَفُتُوني بِالنِّساءِ


3-
حيِّ الربابَ، وتربها أسماءَ، قبلَ ذهابها
إرْجِعْ إلَيْهَا بِالَّذي قالتْ برجعِ جوابها
عرضتْ علينا خطة ً مشروقة ً برضابها
وتدللتْ عندَ العتا بِ فَمَرْحَباً بِعِتَابِها
تبدي مواعدَ جمة ً، وَتَضُنُّ عِنْدَ ثَوَابِهَا
ما نلتقي إلا إذا نَزَلَتْ مِنًى بِقِبَابِها
في النَّفْرِ أَو في لَيْلَة ِ التَّحْـ ـصيبِ عِنْدَ حِصَابِهَا
أزجرْ فؤادكَ إنْ نأتْ وَتَعَزَّ عَنْ تَطْلاَبهَا
وَاشْعِرْ فُؤَادَكَ سَلْوَة ً عَنْهَا وَعَنْ أَتْرَابِها
وَغَرِيرَة ٍ رُؤدِ الشَّبا بِ النسكُ من أقرابها
حَدَّثْتُها فَصَدَقْتُها وكذبتها بكذابها
وَبَعَثْتُ كَاتِمَة َ الحَدِيـ ـثِ رفيقة ً بِخِطَابِها
وحشية ً إنسية ً خراجة ً من بابها
فرقتْ، فسهلتِ المعا رِضَ مِنْ سَبيلِ نِقَابِها

4-

خبروها بأنني قد تزوجت فظلت تكاتم الغيظ ســـرا

ثم قالت لأختها ولأخرى جزعا ليته تزوج عشــرا

وأشارت الى نساء لديها لا ترى دونهن للسر ستــرا

ما لقلبي كأنه ليس مني وعظامي أخال فيهن فتــرا

من حديث نمى إلى فظيع خلت في القلب من تلظيه جمرا

5-

رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر

وكن اذا ابصرنني او سمعنني سعين فرقعن الكوى بالمحاجر

فان جمحت عني نواظر اعين رمين بأحداق المها والجاذر

فإني من قوم كريم نجارهم لاقدامهم صيغت رؤوس المنابر
الأحوص شاعر المدينة:
الأحوص الأنصاري
? - 105 هـ / ? - 723 م
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري. من بني ضبيعة، لقب بالأحوص لضيق في عينه.
شاعر إسلامي أموي هجّاء، صافي الديباجة، من طبقة جميل بن معمر ونصيب، وكان معاصراً لجرير والفرزدق.
وهو من سكان المدينة. وفد على الوليد بن عبد الملك في الشام فأكرمه ثم بلغه عنه ما ساءه من سيرته فردّه إلى المدينة وأمر بجلده فجلد ونفي إلى دهلك (وهي جزيرة بين اليمن والحبشة) كان بنو أمية ينفون إليها من يسخطون عليه.
فبقي بها إلى ما بعد وفاة عمر بن عبد العزيز وأطلقه يزيد بن عبد الملك، فقدم دمشق ومات بها، وكان حماد الراوية يقدمه في النسيب على شعراء زمنه.

نماذج من شعره:
1-
سَلاَّمُ ذِكْرُكِ مُلْصَقٌ بِلِسَانِي وَعَلى هَوَاكِ تَعُودُنِي أحْزَانِي
مَا لِي رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ مِطِيعَة ً وَإذَا انْتَبَهْتُ لَجَجْتِ فِي العِصْيَانِ
أبداً محبُّكِ ممسكٌ بفؤادهِ يَخْشَى اللَّجَاجَة مِنْكِ فِي الهِجْرَانِ
إِنْ كُنْتِ عَاتِبَة ً فَإِنِّي مُعْتِبٌ بَعْدَ الإسَاءَة ِ، فَتقْبَلِي إْحسَانِي
لاَ تَقْتُلِي رَجُلاً يَرَاكِ لِمَا بِهِ مِثْلَ الشَّرَابِ لِغُلَّة الظَّمْآنِ
2-
وَقَدْ جِئْتُ الطَّبِيبَ لِسُقْمِ نَفْسِي ليشفيها الطَّبيبُ فما شفاها
وكنتُ إذا سمعتُ بأرضِ سعدى شَفَانِي مِنْ سَقَامِي أَنْ أَرَاهَا
فَمَنْ هَذَا الطَّبِيبُ لِسُقْمِ نَفْسي سوى سعدى إذا شحطتْ نواها
3-
وإذا الدُّرِّ حسنَ وجودهٍ كَانَ لِلدُّرِّ حُسْنُ وَجْهِكِ زَيْنَا
وَتَزِيدِينَ أَطْيَبَ الطِّيبِ طِيباً أنْ تمسِّيهِ أينَ مثلكِ أينا
4-
أَقُولُ لَمَّا الْتَقَيْنَا وَهْي صَادِفَة ٌ عنّي، لِيَهْنَكِ مَنْ تُدْنِينَهُ دُونِي
إنِّي سأمنحكِ الهجرانَ معتزماً مِنْ غَيْرِ بُغْضٍ لَعَلَّ الهَجْرَ يُسْلِيني
ومثنياً رجعَ أيَّامٍ لنا سلفتْ سَقْياً وَرَعْياً لِذَاكَ الدِّينِ مِنْ دِينِ

العرجي: 120 هـ / ? - 737 م
عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي القرشي، أبو عمر.
شاعر، غزل مطبوع، ينحو نحو عمر بن أبي ربيعة، كان مشغوفاً باللهو والصيد، وكان من الأدباء الظرفاء الأسخياء، ومن الفرسان المعدودين، صحب مسلمة بن عبد الملك في وقائعه بأرض الروم، وأبلى معه البلاء الحسن، وهو من أهل مكة، ولقب بالعرجي لسكناه قرية (العرج) في الطائف. وسجنه والي مكة محمد بن هشام في تهمة دم مولى لعبد الله بن عمر، فلم يزل في السجن إلى أن مات، وهو صاحب البيت المشهور، من قصيدة:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

نماذج من شعره:
1-
أَوجَعَ القَلبَ قَولُها حِينَ راحُوا لي تَقَدَّم إِلى المَبيتِ هُدِيتا
هَل يَضُرَّنَّكَ المَسيرُ لَئِن سِر تَ قَريباً وَإِن بَلَغتَ المَبيتا
قُلتُ إِنّي أَخشى عَلَيكِ عُيوُناً من عِداةٍ وَذا شَذاةٍ مَقِيتا
ثُمَّ قالَت قَد كُنتُ آذَنتُ أَهلي قَبلَ هَذا عَلى الَّذي قَد هَوِيتا
ما سَلِيمنا إِلَيكَ مُنذُ اِصطَحَبنا في الَّذي تَشتَهي وَما إِن عُصِيتا
2-
عُوجِي عَلَينا رَبَّةَ الهَودَجِ إِنَّكِ إِن لا تَفعَلي تَحرُجي
أَيسَرُ ما نالَ مُحِبٌّ لَدى بَينِ حَبيبٍ قَولُهُ عَرِّجِ
تُقضَ إِلَيهِ حاجَةٌ أَو يَقُل هَلأ لِيَ مِمّا بِيَ مِن مَخرَجِ
مِن حَيِّكُم بِنتُم وَلَم يَنصَرِم وَجدُ فُؤادِ الهائِمِ المُنضَجِ
فَعاجَتِ الدَهماءُ بي خيفَةً أَن تَسمَعَ القَولَ وَلَم تُعنِج
فَما اِستَطاعَت غَيرَ أَن أَومَأَت نَحوي بِعَيني شادِنٍ أَد


شعراء الغزل العذري:
الغزل العذري غزل عفيف طاهر ونسب إلى بني عذرة إحدى قبائل قضاعة التي كانت تسكن في وادي القرى بالحجاز ، تميز شعر هذه الفئة من الشعراء بالنقاء والطهر والبعد عن الفحش ويعزو بعض الدارسين ذلك إلى الإسلام الذي طهر النفوس وسمى بها عن الدنايا وإلى نشأتهم البدوية بعيدا عن المدنية المترفة بمباهجها ولهوها ، فعصمهم فعصمتهم بداوتهم وإسلامهم من الحب الذي تدفع إليه الغرائز إلى حب عفيف مثالي يسمو على رغبات الجسد وفي كتاب الأغاني أخبارهم وأشعارهم إليك بعضا منها:

كثير عزة40 - 105 هـ / 660 - 723 م
كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن مليح من خزاعة وأمه جمعة بنت الأشيم الخزاعية.
شاعر متيم مشهور، من أهل المدينة، أكثر إقامته بمصر ولد في آخر خلافة يزيد بن عبد الملك، وتوفي والده وهو صغير السن وكان منذ صغره سليط اللسان وكفله عمه بعد موت أبيه وكلفه رعي قطيع له من الإبل حتى يحميه من طيشه وملازمته سفهاء المدينة.
واشتهر بحبه لعزة، فعُرِف بها وعُرِفت به وهي: عزة بنت حُميل بن حفص من بني حاجب بن غفار كنانية النسب كناها كثير في شعره بأم عمرو ويسميها تارة الضميريّة وابنة الضمري نسبة إلى بني ضمرة.
وسافر إلى مصر حيث دار عزة بعد زواجها وفيها صديقه عبد العزيز بن مروان الذي وجد عنده المكانة ويسر العيش.

وتوفي في الحجاز هو وعكرمة مولى ابن عباس في نفس اليوم فقيل:
مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.

ومن شعره:
1-
ألا لَيتَنا يا عَزّ كُنّا لِذي غِنىً بِعَيرينِ نَرعى في الخَلاءِ وَنَعزُبُ
كِلانا به عرٌ فَمَن يَرَنا يَقُلُ عَلى حُسنِها جَرباء تُعدي وَأَجرَبُ
إِذا ما وَرَدنا مَنهَلاً صَاح أَهلُهُ عَلينا فما نَنفَكُّ نُرمَى وَنُضرَبُ
نَكونُ بَعيري ذِي غِنىً فَيُضِيعُنا فَلا هُوَ يَرعانا وَلا نَحنُ نُطلَبُ
يُطرِدُنا الرُعيانُ عَن كُلِّ تِلعَةٍ وَيَمنَعُ مِنا أَن نَرى فِيهِ نَشرَبُ
وَدَدتُ وَبَيتِ الله أَنَّكِ بَكرَةٌ هِجانٌ وَأَني مُصعَبٌ ثُمَّ نَهرُبُ
2-
عفا الله عنْ أمّ الحويرث ذنبها علامَ تعنّيني وتكمي دوائيا
فَلَوْ آذَنُوني قَبْل أَنْ يَرْقُمُوا بها لقُلْتُ لهُمْ أُمُّ الحُوَيْرِثِ دائيا

3-
أيا عزَّ صادي القلبَ حتى يودَّني فؤادُكِ أو ردّي عليَّ فؤاديا
أيا عزَّ لو أشكو الذي قد أصابني إلى ميِّتٍ في قبرهِ لبكى ليا
ويا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أصَابَني إلى راهبٍ في ديرهِ لرثى ليا
وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أصَابَني إلى جَبَلٍ صَعْبِ الذُّرى لانحنى ليا
وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أَصَابَني إلى ثَعْلَبٍ في جُحْرِهِ لانْبَرى ليا
وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أَصَابني إلى موثقٍ في قيدِهِ لعدا لِيا

4-
تظلُّ ابنة ُ الضَّمريِّ في ظلِّ نعمة ٍ إذا ما مشتْ من فوقِ صرح ممرَّدِ
يجيءُ بريّاها الصِّبا كلَّ ليلة ٍ وتجمعُنا الأحلامُ في كلِّ مرقدِ
ونُضحي وأثباجُ المطيِّ مقيلُنا بجذبٍ بنا في الصَّيهدِ المتوقِّدِ


جَميل بُثَينَة
? - 82 هـ / ? - 701 م
أبو عمرو جميل بن عبد الله بن معمر العذري ، لقب بجميل بثينة لأنه أولع بابنة عمه " بثينة " منذ صغره ، وكان يأمل أن يتزوجها ولكن حيل بينه وبينها، وزُوِّجت من غيره فزاد هيامُه بها ، ومضى يشكو حبه ويتغنى باسمها وتمضي السنون وحبه ينمو ويزيد وهو يلهج بشعر يذوب رقة وصدق عاطفة ، فكان في قائمة العشاق العرب التي تضم جمهرة من الشعراء منهم: قيس بن الملوح صاحب ليلى ، وقيس بن ذريح صاحب لبنى ، وكثير عزة ، وعروة بن حزام وصاحبته عفراء ، والصمة القشيري وصاحبته ريَّا ، وغيرهم كثير ، وأكثر هؤلاء من بني عذرة تلك القبيلة التي نسب إليها ذلك الشعر العفيف وهو غزل نقي طاهر،فسمي ذلك الشعر بالغزل العذري نسبة إلى هذه القبيلة التي كانت تنزل في وادي القرى بالقرب من المدينة


نماذج من شعره
1-
بثينة ُ قالتْ: يَا جَميلُ أرَبْتَني، فقلتُ: كِلانَا، يا بُثينَ، مُريبُ
وأرْيَبُنَا مَن لا يؤدّي أمانة ً، ولا يحفظُ الأسرارَ حينَ يغيبُ
بعيدٌ عل من ليسَ يطلبُ حاجة ً وأمّا على ذي حاجة ٍ فقريبُ
2-
وأوّلُ ما قادَ المَودّة َ بيننا، بوادي بَغِيضٍ، يا بُثينَ، سِبابُ
وقلنا لها قولاً، فجاءتْ بمثلهِ، لكلّ كلامٍ، يا بثينَ، جوابُ
3-
أمنكِ سرى ، يا بَثنَ، طيفٌ تأوّبا، هُدُوّاً، فهاجَ القلبَ شوقاً، وأنصَبا؟
عجبتُ له أن زار في النوم مضجعي ولو زارني مستيقظاً، كان أعجبا
4-
يا بثنَ حييّ، أو عديني، أو صلي وهوّني الأمرَ، فزوري واعجَلي
بُثينَ، أيّاً ما أردتِ، فافعلي، إني لآتي ما أشأتِ مُعتَلي

مَجنون لَيلى:
قيس بن الملوح بن مزاحم العامري. 68 هـ / ? - 687 م

شاعر غزل، من المتيمين، من أهل نجد.
لم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى بنت سعد التي نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار وهو ميت فحمل إلى أهله.

نماذج من شعره:
رُعاةَ اللَيلِ ما فَعَلَ الصَباحُ وَما فَعَلَت أَوائِلُهُ المِلاحُ
وَما بالُ الَّذينَ سَبوا فُؤادي أَقاموا أَم أَجَدَّ بِهِم رَواحُ
وَما بالُ النُجومِ مُعَلَّقاتٌ بِقَلبِ الصَبِّ لَيسَ لَها بَراحُ
كَأَنَّ القَلبَ لَيلَةَ قيلَ يُغدى بِلَيلى العامِرِيَّةِ أَو يُراحُ
قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فَباتَت تُجاذِبُهُ وَقَد عَلِقَ الجَناحُ
لَها فَرخانِ قَد تُرِكا بِقَفرٍ وَعُشُّهُما تُصَفِّقُهُ الرِياحُ
إِذا سَمِعا هُبوبَ الريحِ هَبّا وَقالا أُمَّنا تَأتي الرَواحُ
فَلا بِلَّيلِ نالَت ما تُرَجّي وَلا في الصُبحِ كانَ لَها بَراحُ
رُعاةَ اللَيلِ كونوا كَيفَ شِئتُم فَقَد أَودى بِيَ الحُبُّ المُتاحُ
2-
لو سيل أهل الهوى من بعد موتهم هل فرجت عنكم مذ متم الكرب
لقال صادِقُهُمْ أنْ قد بَلِي جَسَدي لكن نار الهوى في القلب تلتهب
جفت مدامع عين الجسم حين بكى وإن بالدمع عين الروح تنسكب
3-
سأبكي على ما فات مني صبابة وأندب أيام السرور الذواهب
وأمنع عيني أن تلذ بغيركم وإنِّي وإنْ جَانَبْتُ غَيْرُ مُجانِبِ
وخير زمان كنت أرجو دنوه رَمَتْنِي عُيُونُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
فأصبحت مرحوما ًوكنت محسداً فصبراً على مكروهها والعواقب
ولم أرها إلا ثلاثاً على منى وعَهْدِي بها عَذرَاءَ ذَاتَ ذَوَائِبِ
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة بَدَا حاجِبٌ مِنْها وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ
4-
أحجاج بيت الله في أي هودج وفي أيِّ خِدْرٍ مِنْ خُدُورِكُمُ قَلْبي
أأبْقى أسِيرَ الحُبِّ في أرضِ غُرْبة ٍ وحادِيكُمُ يَحْدو بقلبي في الركْبِ
وَمُغْتَربٍ بِالمَرْجِ يَبْكِي بِشَجْوِهِ وقد غاب عنه المسعدون على الحب
إذا مَا أتَاهُ الرَّكْبُ مِنْ نَحْوِ أرْضِهِ تَنَفَّسَ يَسْتَشْفِي بِرَائِحة الرَّكْبِ


الغزل فى العصر العباسي...........
يبدأ العصر العباسي بسقوط الدولة الأموية في الشام سنة 132هـ/749م، وينتهي بوقوع بغداد في قبضة التتار سنة 656هـ/1258م.

وإذا كانت دولة بني أمية عربية أعرابية، فإن الدولة العباسية قد استبحرت في الحضارة، وعمّت فيها مظاهر البذخ والترف. ونتج عن احتكاك العرب بغيرهم من الأجناس الكثير من التغيير في أنماط الحياة الاجتماعية، وفي أساليب المأكل والملبس وآداب السلوك. وأدت عمليات الزواج بغير العربيات إلى نشوء جيل مولّد جديد، يضم عدداً كبيراً من الأدباء الذين ثاروا على الأدب القديم، ودعوا إلى التجديد في مضامينه وأساليبه.

وأدت كثرة الجواري في بيوت الخلفاء والأمراء ومراتع اللهو إلى حالة من الفساد الخلقي، زاد خطرها نشوء طبقة من الغلمان والخصيان، كان بعضهم يفوق النساء في أساليب الغواية والإفساد.

وعرف الشعر في هذا العصر فنوناً وأغراضاً لم يألفها الشعر العربي من قبل، كالغزل بالمذكر، والخمرة، والميل إلى الأوصاف الحضرية، والعزوف عن العصبية والبداوة. وزالت من كثير منه آثار التقليد والاحترام للأقدمين، وحلّ مكانها النفور من أشكال حياتهم وأغراضهم، واختفى منه التستر والكناية، وظهر فيه التصريح وقلّة الاكتراث. واستخدمت فيه الأوزان القصيرة، ونظمت المقطعات، وطرقت القوافي المهجورة.

وظل تيار الغزل مزدهراً في هذا العصر، حتى ليخيل إلينا أن كل من غرّد بالشعر قد نظم فيه. وظلت اتجاهاته الإباحية والعفيفة التي سادت في العصر الأموي تحتل القسم الأكبر من نتاج شعرائه.

ولعل غلبة الاتجاه الماجن على الاتجاه العفيف في هذا العصر كانت بسبب كثرة الإماء ودور النخاسين التي كانت تزخر بالجواري من كل جنس، وما كنّ يشعنه في جو بغداد من إباحة وتحلل خلقي، جعل الشعراء يسرفون في النظر إلى المرأة بمنظار الشهوة، ويعجزون عن اتخاذ جانب القصد في التعبير والتصوير.

وكان أبو نواس في طليعة من سار في هذا الاتجاه، منسجماً مع موقف شمولي ينطوي على رغبة لا متناهية في التحرر من كل قيد، ومتخذاً من نشوة السكر نافذة يطل بها على العالم. وبلغ به الاستهتار حداً جعله يشذ عن المألوف، ويتغزل بالغلمان، ويفضلهم في كثير من الأحيان على المرأة الأنيقة المتبرجة، وفي هذا يقول: "من يكن يعشق النساء فإني، مولع القلب بالغلام الظريف، فبه غنة الصبا، تعتليها، بحّة الاحتلام للتشريف".

وسار الغزل العفيف بمحاذاة الغزل الإباحي الماجن، وكان شعراؤه وفي طليعتهم العباس بن الأحنف (ت 192هـ/808م) يستمدون من غزل العذريين في العصر الأموي الكثير من المعاني والألفاظ، فإذا هم يستعذبون نار هواهم المحرقة، ويتلذذون بما يسببه لهم من شقاء وحرمان، وإذا أشعارهم تغصّ بأحاديث العذاب والسهر والفراق واللوعة والتضرع واحتمال الأهوال.

ومما تميز به غزل العصر العباسي قلة القصائد الطويلة، وكثرة المقطعات التي كانت تفوق المطولات الغزلية متانة، وصدق عاطفية وجمال تعبير.

وقد اكتسب الغزل في العصر العباسي غنى ومضاء لارتباطه بعاطفة الحب الغلابة في النفس الإنسانية. وأقبل الشعراء إقبالاً كبيراً علىالنظم فيه، فكثر كثرة بالغة وازدهر ازدهاراً واسعاً. غير أن الاتجاهين اللذين غلبا في العصر الأموي وهما الغزل العفيف والغزل الصريح لم يسيرا في العصر العباسي على ذلك النحو المتوازن. فقد أخذ الغزل العفيف في التضاؤل، في عصر تكاثرت فيه النحل والآراء، واحتدمت المنازع والأهواء، وقلما عرف المجتمع العباسي طائفة من شعراء الحب النقي الطاهر كالذين عرفتهم من قبل بوادي الجزيرة وربوع الحجاز، مثل قيس بن ذريح وجميل بن معمر وعروة بن أذينة. ولعل العباس بن الأحنف وقلة من أمثاله الشعراء الذين تعذبوا في عشقهم يمثلون بقية ذلك المنحى، وإن لم يبلغوا فيه شأو العذريين قبلهم. فالعباس بن الأحنف (ت192هـ/808م) قصر شعره، أو كاد، على التغني بعاطفته ومشاعره.

ولعلي بن الجهم غزل كثير أجاد فيه تصوير لواعج حبه. وقد برع في مقدماته الغزلية الرقيقة ولاسيما ما كان يستهل به مدائحه للخلفاء. ومن ذائع غزله في صدد مديحه للمتوكل:

عيون المها بين الرصافة والجسر...... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري


واشتهر البحتري بالغزل، لما اتسمت به ألفاظه من سهولة ورقة وعباراته من عذوبة وسلاسة، وقد أحب علوة الحلبية، وقال فيها جل غزله.

وغزل الشريف الرضي (ت406هـ/1016م) على تأخر عهده من أبرز الشواهد على نبل الشعور وعفة اللسان، فضلاً عن سمو مكانة ورفعة نسب، وقصائده الجميلة التي اشتهرت بالحجازيات نفثات شجية أثارت كوامن نفسه المضطربة.


ابرز الشعراء والقصائد فى العصر العباسي.........
العباس بن الاحنف:

ابن الأحنف شاعر الحب العذري

هو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفي كُنيته أبو الفضل من بني حنيفة "شريف النسب", ولد في اليمامة بنجد ونُسب إليها, وكان أهله في البصرة وقتذاك, نشأ وترعرع في بغداد وعاش بها أهم أيام حياته, وتوفي سنة 192 هجريًا الموافق 807 ميلاديًا, وعنه قال البحتري: "أغزل الناس".


العباس هو خال إبراهيم بن العباس الصولي, وأحد شعراء العصر العباسي، عرف بوسامته وجمال هيئته, تمتعت ألفاظه بالبساطة والجمال, وله نوادر كثيرة, ولديه قوة احتمال كبيرة, وكان محبوباً من قبل قومه فلا يبخل بمد يد المساعدة لكل من يحتاجه.


كان للعباس صلة بالخليفتين العباسيين: هارون الرشيد والمهدي, ولكنه كان اقرب من الرشيد حيث أحتل عنده مكانة كبيرة فقربه ونعّمه، وأصطحبه في العديد من حملاته، مما قاله ابن الأحنف في مرافقته للرشيد.


إِنَّما حَبَّبَ المَسيرَ iiإِلَينا
أَنَّنا نَستَطيبُ ما iiتَستَطيبُ
ما نُبالي إِذا صَحِبنا أَمينَ اللَهِ
هارونَ أَن يَطولَ iiالمَغيبُ



تغزل ابن الأحنف في كثير من النساء ومن أشهرهن "فوز" والتي قدم لها قصيدة باسمها, كما نال غزله لها من ديوانه نصيب كبير حوالي ثلاثة أرباعه تقريبًا, وكانت الحب الثاني في حياة ابن الاحنف هي "ظلوم".

مما قاله في محبوبته "فوز"


أَلَم تَعلَمي يا فَوزُ أَنّي iiمُعَذَّبُ
بِحُبِّكُمُ وَالحَينُ لِلمَرءِ iiيُجلَبُ
وَقَد كُنتُ أَبكيكُم بيَثرِبَ iiمَرَّةً
وَكانَت مُنى نَفسي مِنَ الأَرضِ iiيَثرِبُ
أُؤَمِّلُكُم حَتّى إِذا ما iiرَجَعتُمُ
أَتاني صُدودٌ مِنكُمُ iiوَتَجَنُّبُ
فَإِن ساءَكُم ما بي مِنَ الضُرِّ فَاِرحَموا
وَإِن سَرَّكُم هَذا العَذابُ iiفَعَذِّبوا
فَأَصبَحتُ مِمّا كانَ بَيني iiوَبَينَكُمُ
أُحَدِّثُ عَنكُم مَن لَقيتُ iiفَيَعجَبُ
وَقَد قالَ لي ناسٌ تَحمَّل iiدَلالَها
فَكُلُّ صَديقٍ سَوفَ يَرضى وَيَغضَبُ
وَإِنّي لَأَقلى بَذلَ غَيرِكِ فَاِعلَمي
وَبُخلُكِ في صَدري أَلَذُّ iiوَأَطيَبُ
وَإِنّي أَرى مِن أَهلِ بَيتِكِ iiنُسوَةً
شَبَبنَ لَنا في الصَدرِ ناراً تَلَهَّبُ
عَرَفنَ الهَوى مِنّا فَأَصبَحنَ iiحُسَّداً
يُخَبِّرنَ عَنّا مَن يَجيءُ iiوَيَذهَبُ


وقال في "ظلوم"

أَظَلومُ حانَ إِلى القُبورِ iiذَهابي
وَبَليتُ قَبلَ المَوتِ في iiأَثوابي
فَعَلَيكِ يا سَكَني السَلامُ iiفَإِنَّني
عَمّا قَليلٍ فاعلَمِنَّ حِسابي
جَرَّعتِني غُصَصَ المَنِيَّةِ بِالهَوى
أَفَما بِعَيشِكِ تَرحَمينَ iiشَبابي
سُبحانَ مَن لَو شاءَ سَوّى iiبَينَنا
وَأَدالَ مِنكِ لَقَد أَطَلتِ iiعَذابي


شعره وأسلوبه في الكتابة

كان شعر ابن الأحنف مميز عن شعراء عصره وذلك يرجع إلى انفراده بنوع واحد من أنواع الشعر وهو الغزل فتميز فيه وأتقنه, وفيه قال الجاحظ: " لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا، ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح لا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا فأحسن فيه وأكثر".


أمَّا شِعرُه فكان ذي طابع سلس وفيه عذوبة ورقة ملحوظتين في موسيقاه, وكانت الصياغة واللغة عنده فيها قوة ومتانة, وألفاظه كانت عفيفة غير متكلفة كل من يقرأها يفهمها, ومن كثرة عذوبة ورقة وجمال موسيقاه وأشعاره وبساطة وخفة بحوره الشعرية؛ كان مشاهير عصره من المغنيين وعلى رأسهم إبراهيم الموصلي يتغنون بمعظم قصائده.




أمَّا بالنسبة لأسلوبه عامة فكان كثير الحوار وسرد القصص والأحداث, فكان يسلب لب المستمعين له بأسلوبه السلس الشيق في رواية الأحداث والوقائع بما تحمله من مشاعر وأحاسيس يخطف بها قلب القارئ أو المتلقي لشعره.



وعرف عن العباس أنه كان لا يتكسب من شعره أي شيء غير المتعة ولا شيء غيرها, فكان شعره عبارة غزل عفيف, فالعباس كان لا يهجو ولا يمدح, غزل ولا شيء إلا الغزل.


قال في الغزل



أَميرَتي لا تَغفِري ذَنبي
فَإِنَّ ذَنبي شِدَّةُ iiالحُبِّ
يا لَيتَني كُنتُ أَنا المُبتَلى
مِنكِ بِأَدنى ذَلِكَ iiالذَنبِ
حَدَّثتُ قَلبي كاذِباً عَنكُمُ
حَتّى اِستَحَت عَينَيَ مِن قَلبي
إِن كانَ يُرضيكُم عَذابي iiوَأَن
أَموتَ بِالحَسرَةِ iiوَالكَربِ
فَالسَمعُ وَالطاعةُ مِنّي لَكُم
حَسبي بِما تَرضَونَ لي حَسبي





الشريف الرضي..الشيخ العاشق............


محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني الموسوي، أحد شعراء العصر العباسي، واحد علماء عصره في الدين واللغة والأدب، يقول عنه القدماء أنه كان أشعر قريش، لأن المجيد منهم ليس بمكثر والمكثر ليس بمجيد، أما هو فقد جمع بين الإكثار والإجادة.

لقب الشريف الرضي بهذا اللقب لأنه كان نقيباً للأشراف، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب، كما كان نقيب الطالبين نسبة إلى آل طالب المطالبين بالخلافة، وتقول عنه كتب التراث أنه كان مهيباً بالغ الاعتداد بشخصيته، وأنه صاحب الفضائل الشائعة والمكارم الذائعة.





النشأة

ولد الشريف الرضي ببغداد عام 359 هـ - 969م، كان والده صاحب مكانة عظيمة عند الخلفاء العباسيين، تولى نقابة الطالبيين وإمارة الحج، وديوان المظالم وكان عالماً ورع عادل، وجاء من بعده ابنه الشريف الرضي ليتولى مهام والده، ومثلما كان الوالد كان الابن صاحب هيبة ومكانة رفيعة، وتوطدت صلة الشريف الرضي بالأمراء فاتصل ببهاء الدولة والذي أنعم عليه بالعديد من الألقاب منها الشريف الجليل، وذو المنقبتين، كما لقب بنقيب النقباء عقب توليته النظر بأمور الطالبيين بجميع أنحاء البلاد.


عرف الشريف الرضي بعلمه الواسع حيث نهل من العلم منذ الصغر فقرأ القرآن الكريم وحفظه وهو مازال صغيراً، وتعلم الفقه على يد شيخ الإمامية وعالمها أبي عبد الله محمد بن النعمان، ودرس النحو على يد ابن السيرافي النحوي، واللغة على يد ابن جني، فانكب على اللغة والدين ينهل العلم من خلالهما.



شعره

كان الشريف الرضي عزيز النفس صاحب كبرياء، وانعكس ذلك في شعره الذي جاء مترفعاً ومعتزاً به وبشخصيته، رفض استغلال شعره من اجل التكسب، فلم تكن علاقته بالملوك والأمراء علاقة الشاعر الذي يسرد على مسامعهم الشعر فيجزلوا له العطايا والهبات، وإنما كان يسمو بشعره وكانت علاقته بالملوك علاقة صداقة واحترام، تمتع عندهم بهيبة عظيمة، ولقب عندهم بالرضي ذي الحسنيين.


ونذكر من شعره الدال على اعتزازه بنفسه:

عَـطفاً أَمـيرَ الـمُؤمِنينَ iiفَإِنَّنا
فـي دَوحَـةِ الـعَلياءِ لا نَتَفَرَّقِ
مـا بَـينَنا يَـومَ الـفَخارِ تَفاوُتٌ
أَبَداً كِلانا في المَعالي مُعرِقُ
إِلّا الـخِـلافَةَ مَـيَّـزَتكَ iiفَـإِنَّـني
أَنـا عاطِلٌ مِنها وَأَنتَ مُطَوَّقُ


تمتع شعر الشريف الرضي بجودة الألفاظ وحسن صياغتها وديباجتها وخلوها من عيوب التعبير أو سقطات اللغة، بالإضافة لبعدها عن التكلف والابتذال، ونظم الشعر في مختلف الأغراض الشعرية وأجاد بها جميعاً، وظهر في أسلوبه الشعري تمجيده لمعاني الفخر والكبرياء، والطموح والفروسية، بالإضافة للفخر بالآباء والأجداد، والحب والغزل وقد حرص الشريف الرضي أن يؤكد على معاني العفاف في غزله، كما جاء في شعره البكاء على الأهل والأحباب ووصف تقلبات الزمان.



الغوص في أشعار الشريف الرضي

نجد أن الجانب الديني الذي غلف حياة الشريف الرضي قد ألقى بظلاله بشكل أو بأخر على أشعاره، وبالنظر إلى شعر الشريف الرضي نجده قد نظم القصائد في مختلف الأغراض الشعرية فقدم أشعار في المدح والفخر والرثاء والغزل والزهد، وقد شهدت قصائده على مدى التزامه فابتعد مدحه عن المبالغة والتملق من أجل التكسب، وابتعد غزله عن الفحش والعبث، كما ابتعد عن الهجاء فكان شاعر راقي ملتزم.

وبالمرور سريعاً على الأغراض الشعرية للشريف الرضي نجده في "الفخر" اتجه للفخر بنسبه الشريف وأجداده العظام الذي ورث منهم الأخلاق العالية الرفيعة والفضائل والقيم.

إِنَّ أَمـيـرَ الـمُـؤمِنينَ iiوالِــدي
حَـزَّ الرِقابَ بِالقَضاءِ iiالفاصِلِ
وَجَــــدِّيَ الـنَـبـيُّ فـــي آبــائِـهِ
عَـلا ذُرى الـعَلياءِ iiوَالـكَواهِلِ
فَـمَـن كَـأَجـدادي إِذا iiنَـسَـبتَني
أَم مَـــن كَـأَحـيائِيَ أَو قَـبـائِلي
مِن هاشِمٍ أَكرَمِ مَن حَجَّ وَمَن
جَــلَّـلَ بَـيـتَ الـلَـهِ iiبِـالـوَصائِلِ
قَــومٌ لِأَيـديـهِم عَـلـى كُــلِّ iiيَــدٍ
فَـضلُ سِـجالٍ مِـن رَدىً iiوَنائِلِ


أما "المدح" فلم ينظر إليه الشريف الرضي كوسيلة للتكسب مثل الكثير من الشعراء، الذين يمدحون الأمراء والملوك أملاً في العطايا والهدايا، بل وظف شعره في مدح رسول الله، وآل البيت، وما كان غير ذلك في المدح فكان لخلفاء وأمراء رأى الشاعر أنه متساوي في نفس المكانة معهم ونداً لهم، كما مدح أباه وأساتذته.


ويكاد يخلو ديوان الشريف الرضي من الهجاء، وفي "الغزل" كانت قصائد الشريف الرضي الغزلية تخلو من الفجور والمجون، فقدم قصائد غزلية عفيفة غير فاحشة تذوب رقة وعذوبة، وقد انعكست الحياة الملتزمة التي عاشها الشريف الرضي على شعره، فظهر صادقاً ملتزماً، مما قاله في الغزل:

أَقـــولُ وَقَـــد أَرسَــلـتُ أَوَّلَ iiنَـظـرَةٍ
وَلَـم أَرَ مَن أَهوى قَريباً إِلى iiجَنبي
لَئِن كُنتُ أَخليتُ المَكانَ الَّذي iiأَرى
فَـهَيهاتَ أَن يَـخلو مَكانُكَ مِن قَلبي
وَكُـنـتُ أَظَـنَّ الـشَوقَ لِـلبُعدِ iiوَحـدَهُ
وَلَـم أَدرِ أَنَّ الـشَوقَ لِلبُعدِ وَالقُربِ
خَلا مِنكَ قَلبي وَاِمتَلا مِنكَ خاطِري
كَـأَنَّكَ مِـن عَـيني نَـقَلتَ إِلـى iiقَـلبي


وقال أيضاً

خَـلَـونـا فَـكـانَـت عِـفَّـةٌ لا iiتَـعَـفُّفٌ
وَقَد رُفِعَت في الحَيِّ عَنّا المَوانِعُ
سَـلوا مَـضجَعِ عَـنّي وَعَنها فَإِنَّنا
رَضينا بِما يُخبِرنَ عَنّا iiالمَضاجِعُ

وكان الشريف الرضي شديد الإعجاب بأبي الطيب المتنبي، فكان مطلعاً على شعره مقتفياً لأثاره، وقد عارض الرضي أحد قصائده، وولع بالكثير من معانيه وعباراته.



مؤلفاته



ترك الشريف الرضي مؤلفات قيمة تدل على سعة علمه من مؤلفاته نذكر: ديوان شعر ضخم في مجلدين، المتشابه في القرآن، مجازات الآثار النبوية، نهج البلاغة للإمام علي "وهو عبارة عن تجميع وتصنيف لخطب وأقوال الإمام علي"، تلخيص البيان عن مجازات القرآن، الخصائص، الحسن من شعر الحسين " مختارات من شعر ابن الحجاج" في ثمانية أجزاء، أخبار قضاة بغداد، ورسائل الشريف الرضي في ثلاث مجلدات، وكتاب سيرة والده، ومختار شعر الصابئ، ومجموعة ما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابئ من الرسائل.


من قصائده الشهيرة "يا ظبية البان" ويقول فيها:

يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ
لِـيَهنَكِ الـيَومَ أَنَّ القَلبَ iiمَرعاكِ
الـمـاءُ عِـنـدَكِ مَـبـذولٌ لِـشارِبِهِ
وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي
هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ iiرائِحَةٌ
بَــعـدَ الـرُقـادِ عَـرَفـناها iiبِـرَيّـاكِ
ثُــمَّ اِنـثَـنَينا إِذا مـا هَـزَّنا iiطَـرَبٌ
عَـلـى الـرِحـالِ تَـعَـلَّلنا بِـذِكـراكِ
سَـهمٌ أَصـابَ وَرامـيهِ بِذي سَلَمٍ
مَـن بِالعِراقِ لَقَد أَبعَدتِ iiمَرماكِ
وَعـدٌ لِعَينَيكِ عِندي ما وَفَيتِ iiبِهِ
يـا قُـربَ مـا كَذَبَت عَينيَّ iiعَيناكِ

الوفاة

توفي الشريف الرضي ببغداد عام 406 هـ - 1015م .

العصر الاندلسي....
من الظواهر التي تسترعي نظر الباحث في الشعر الاندلسي ظاهرة " شيوع الشعر " بين عرب الاندلس على اختلاف طبقاتهم .
فالشعر في الاندلس لم يكن وقفا على الشعراء وحدهم وانما شاركهم في نظمه والى حد الاجادة احيانا كثيرون من اهل البلاد على اختلاف اهوائهم ومشاربهم وبعد ما بينهم وبين الادب ومن حيث اعمالهم وتخصصاتهم وقلماخلت ترجمة اندلسي من شعر منسوب اليه سواء اكان المترجم له اميرا او وزيرا او كاتبا او فقيها او نحويا او فيلسوفا او طبيبا او غير ذلك.
ولعلهم كانوا مدفوعين الى ذلك بما فطروا عليه من محبة الشعر وبتكوينهم الثقافي المؤسس على علوم العربية وادابها ثم طبيعة الاندلس الجميلة وبكل ما يضطرب فيها مما يحرك العاواطف ويستثير الخيال.


وقد نظم الاندلسيون في جميع الشعر العربي وزادوا عليه بعض فنون اقتضتها ظروف بيئتهم واوضاع مجتمعهم.
ويمكن تقسيم الفنون التي قالوا فيها الشعر الى ثلاث مجموعات : الاولى مجموعة الفنون التقليدية التي جاروا فيها شعراء المشرق وان اختلفت طريقة التعبير فيها عندهم في بعض اجزائها وهذه الفنون هي : الغزل والمدح والرثاء والحكمة والزهد والاستعطاف والهجاء والمجون .
والثانية مجموعة الفنون التي لا تخرج عن كونها من الفنون التقليدية ايضا ولكنهم توسعوا بالقول فيها : لوجود مقتضيات هذا التوسع ودواعيه في مجتمعهم وتتمثل هذه الفنون في : الحنين وشعر الطبيعة ورثائ المدن والممالك والشعر العلمي.
والثالثة مجموعة الفنون الشعرية المحدثة التي لم يسبقوا اليها وهذه هي الموشحات والازجال وشعر الاستغاثة او الاستنجاد.


وكل فنون الشعر الاندلسي تجمع بينها سمات عامة مشترة ثم ينفرد كل فن بعد ذلك بسمات خاصة تميزه وفقا لطبيعته.
فمن سمات الشعر الاندلسي العامة غلبة الوصف الشعري والخيال عليه والميل في طرائق التعبير الى الاساليب البيانية من تشبيه واستعارة وكناية والى بعض الاساليب البديعية كالطباق والمقابلة وحسن التعليل والمبالغة وان كانوا يخرجون بها احيانا الى الغلو واغلب معانيهم تتسم بالحدة والطرافة اما الفاظهم فتتميز بالسهولة والوضوح والعذوبة وقلما يعثر الانسان في شعرهم على لفظة حوشية غريبة او لفظة تنبو عن الذوق او تعاف الاذن صوتها.
هذا عن اهم الصفات العامة المشتركة في شعرهم اما الصفات التي ينفرد بها كل فن فسنشير اليها في معالجتنا لكل فن على حدة .
فنون الشعر الاندلسي التقليدية : الغزل

كان كل شيء في بيئة الاندلس الجميلة يغري بالحب ويدعو الى الغزل ومن ثم لم يكن امام القلوب الشاعرة الا ان تنقاد لعواطغها فأحبت وتغزلت ثم خلفت وراءها فيضا من شعر الغزل الرائع الجميل .
وأوضح سمات هذا الغزل تتجلى في " رقته " الناشئة من التفنن البياني في وصف محاسن من يقع الشعراء في حبهن من نساء الاندلس الجميلات وفي تصوير مشاعرهم المتضاربة اتجاهن من وصل وهجر وقرب وبعد واقبال واعراض وما اشبه ذلك من التجارب التي يدور حولها موضوع الغزل.
وكان المتوقع ان ينفعل الشاعر الاندلسي بمؤثرات الحياة الجديدة من طبيعية واجتماعية فيبدل من نظرته الى المراة ومن مفهمومه لقيم الجمال فيها ولكن شيئا من ذلك لم يحدث وظل الغزل الاندلسي كأخيه المشرقي غزلا حسيا بعيدا عن تصوير خلجات النفوس وما يضطرب فيها من شتى المشاعر.
فالى جانب تصوير المواقف التي تنشأ عادة بين المحبين من قسوة ولين ووصل وهجران وشكوى وعتاب ودموع وبكاء وما اشبه ذلك وقف الغزل عند حدود الوصف المادي لما يتعشقه الشاعر من اعضاء جسم حبيبه ! فالقامة قضيب بان والوجه قمر والشعر ليل أو ذهب والمحاجر نرجس والانامل سوسن والخدود تفاح والراضاب خمر والخال على الخد هو كما يقول الشاعر :
ما أرى الخال فوق خديك ليلا على فلق
انما كان كوكبا قابل الشمس فاحترق
وهكذا وهذا ان دل على شيء فعلى ذوق الشاعر فيما يستهويه من مفاتن حبيبته الظاهرة وكل ما هنالك من فروق بين الشعراء في ذلك انما هي في طرق التناول او التعبير ليس غير.

ومن مواقف شعراء الاندلس بالنسبة للتجربة الغزلية نرى اتجاهين : اتجاه من اتخذوا الغزل طريقا للهو والمتعة واتجاه من تغزلوا تعبدا بالجمال واتخذوا من العفاف حائلا يحول بينهم وبين الغواية .
فمن الغزل الذي يمثل الاتجاه الاول هنا قول علي بن عطية البلنسي بن الزقاق :
المت فصار الليل من قصر به
يطير وما غير السرور جناح
وبت وقد زارت بانعم ليلة
يعانقني حتى الصباح صباح
على عاتقي من ساعديها حمائل
وفي خصرها من ساعدي وشاح
ومنه ايضا قول ابي بكر يحيى بن بقي الاندلسي القرطبي:
بأبي غزالا غازلته مقلتي
بين العذيب وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوى
فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجة
ومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله
صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفه
وذؤبتاه حمائل في عاتقي

ومن الغزل الذي يمثل الاتجاه الثاني اتجاه العفاف قول ابن فرج الجياني :
وطائعة الوصال صددت عنها وما الشيطان فيها بالطاع
بدت في الليل سافرة فباتت دياجي الليل سافرة القناع
فملكت الهوى جمحات قلبي لاجري في العفاف على طباعي
وبت بها مبيت الطفل يظما فيمنعه الفطام عن الرضاع
كذلك الروض ما فيه لمثلي سوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملات فاتخذ الرياض من المراعي
ومع ما يبدو على الغزل الاندلسي من سيماء الاناقة والدماثة فان نبض العاطفة الصادقة في اغلبه نبض ضعيف اللهم الا عند ابي الوليد بن زيدون شاعر الغزل الاندلسي الاوحد فان عاطفة الحب في غزله عاطفة قوية صادقة .

وفيما يلي نموذج من غزله في صاحبته ولادة بنت المستكفى الاموي وشاعرة الاندلس قال :
أأسلب من وصالك ما كسيت و أعزل عن رضاك وقد وليت؟
وكيف؟ وفي سبيل هواط طوعا لقيت من المكاره ما لقيت؟
فديتك !! ليس لي قلب فأسلو ولا نفس فآنف ان جفيت
فان يكن الهوى داء مميتا لمن يهوى فاني مستميت
وقد تجد من شعراء الغزل في الاندلس من استملى من عمر بن ابي ربيعة طريقته في الحوار الغزلي وذلك كأبي اللعباس أحمد بن عبد الله الاشبيلي المعروف بالاعمى التطليلي والمتوفى سنة 525 ه .
ففي احدى قصائده يتغزل في اسلوب حواري بفتاة تسمى " لذيذه" ويجعل الحوار بينه وبين امرأة تدعى " ام المجد " وفيما يلي قصيدة التطيلي هذه :
لما التقينا وقد قيل : المساء دنا وغابت الشمس اولاذت ولم تغب
وأضلعي بين منفض ومنقصف وأدمعي بين منهل ومنسكب
وأملتني " ام المجد " قائلة : بمن أراك أسير الوجد والطرب ؟
فقلت : فلبي مسبي وانك لو كتمت سري لم اكتمك كيف سبي
واعرضت ثم قالت : قد أسأت بنا ظنا ! أيجمل هذا من ذوي الادب؟
فقلت : اني امرؤ لما لقيتكم والمرء وقف على الارزاء والنوب

ابن زيدون
أحد الشعراء المبدعين في العصر الأندلسي، أجمع العديد من النقاد


أنه أحد شعراء الطبقة الأولى من بين شعراء العصر الأندلسي وأحد المشكلين للتراث الثقافي في هذا العصر، أجاد ابن زيدون في قصائده فظهر بها جمال الأسلوب ورقة المشاعر والموسيقى الشعرية، وكانت قصائده صورة من حياته السياسية والعاطفية، وتم تشبيهه بالبحتري، وقد تميز ابن زيدون بشعره الغزلي فعرف شعره بالرقة والعذوبة والصور الشعرية المبتكرة.
قال عنه الدكتور شوقي ضيف " كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة اندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".



النشأة

اسمه كاملاً أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي، أبو الوليد، ولد عام 1003م في الرصافة إحدى ضواحي قرطبة، ينتسب إلى قبيلة مخزوم العربية القرشية، كان والده قاضياً وجيهاً عرف بغزارة علمه وماله، توفى عندما كان أحمد ما يزال في الحادية عشر من عمره، فتولى جده تربيته، وقد أخذ ابن زيدون العلم في بداية حياته عن والده فكان يحضر مجالس أصحابه من العلماء والفقهاء، ثم اتصل بشيوخ عصره واخذ العلم عنهم مثل النحوي الرواية أبو بكر بن مسلم بن أحمد والقاضي أبو بكر بن ذكوان.
عرف ابن زيدون بثقافته الواسعة وكثرة إطلاعه، هذا الأمر الذي أنعكس على قصائده والتي ظهرت من خلالها ثقافته التاريخية والإسلامية.

نشأ أبن زيدون في فترة تاريخية حرجة حيث مات الحكم مسموماً بعد ولادة ابن زيدون بخمس سنوات، ونشأ ما عرف بـ " عهد الفتنة" هذه الفتنة التي ظلت مشتعلة لعدد كبير من السنوات حتى كانت وفاة أخر خليفة أموي، فكانت قرطبة ساحة للمواجهات الدامية بين كل من البرابرة والعامريين والأسبان، نشأ بعد الفتنة دويلات صغيرة عرفت بدول الطوائف.

وعلى الرغم من كل هذه الأحداث إلا أن النشاط الأدبي كان في أوج ازدهاره، وعرفت قرطبة كمدينة للهو والطرب والأدب، وظهر ابن زيدون في هذه الفترة فكان يخالط الأمراء والعلماء، ويجلس في مجالس العلم، وقد صادق الملوك والأمراء فكان صديق لأبو الوليد بن جهور.

والان مع رائعة من روائع الغزل الاندلسي بل وكل عصور الغزل
اضحى التنائى ....قصيدة ابن زيدون فى ولادة بنت المستكفى....
أضْحى التَّنائي بديلاً من تَدانينا،
ونابَ عن طيبِ لُقْيانا تَجافينا

ألا! وقدْ حانَ صُبْحِ البَيْنِ صَبَّحَنا
حَيْنٌ، فقامَ بِنا لِلحَيْنِ ناعينا

مَن مُبْلِغُ المُلْبِسينا، بانْتِزاحِهِمُ
حُزْناً، مع الدّهْرِ لا يَبْلى ويُبْلينا

أَنَّ الزّمانَ الذي مازالَ يُضْحِكُنا،
أُنْساً بِقُرْبِهِمُ، قد عادَ يُبْكينا

غِيظَ العِدا مِن تَساقينا الهوى فَدَعَوا
بأَنْ نَغَصَّ، فقال الدّهرُ آمينا

فانْحَلَّ ما كان مَعْقوداً بأنفسِنا،
وانْبَتَّ ما كان مَوْصولاً بأيْدينا

وقدْ نَكونُ، وما يُخْشى تَفَرُّقُنا،
فاليَومَ نحنُ، وما يُرْجى تَلاقينا

يا ليت شِعْري، ولم نُعْتِبْ أعادِيَكُمْ،
هل نالَ حظّاً من العُتْبى أَعَادينا

لم نَعْتَقِدْ بَعْدَكُم إلاّ الوفاءَ لَكمْ
رَأْياً، ولم نَتَقَلَّدْ غيرَهُ دِينا

ما حَقُّنا أن تُقِرُّوا عينَ ذي حَسَدٍ
بِنا، ولا أن تُسِرُّوا كاشِحاً فينا

كُنّا نَرى اليأسَ تُسْلينا عَوارِضُهُ،
وقد يئِسْنا فما لليأسِ يُغْرينا

بنْتُمْ وبِنّا، فما ابْتَلَّتْ جَوانِحُنا
شوقاً إلَيْكُمْ، ولا جَفَّتْ مآقينا

نَكادُ حينَ تُناجيكُمْ ضَمائرُنا،
يَقْضي علينا الأسى لو لا تَأَسِّينا

حالَتْ لِفَقْدِكُمُ أيّامنا، فغَدَتْ
سوداً، وكانت بكمْ بِيضاً ليالينا

إذ جانِبُ العَيشِ طَلْقٌ من تَألُّفِنا،
ومَرْبَعُ اللَّهْوِ صافٍ مِن تَصافِينا

وإذ هَصَرْنا فُنونَ الوَصْلِ دانِيَةً
قِطافُها، فَجَنَيْنا منهُ ما شِينا

ليُسْقَ عَهْدُكُمُ عَهْدُ السُّرورِ فما
كُنْتُمْ لأَرْواحِنا إلاّ رَياحينا

لا تَحْسَبوا نَأْيَكُمْ عَنَّا يُغَيِّرُنا،
أنْ طالما غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينا!

واللهِ ما طَلَبَتْ أَهْواؤنا بَدَلاً
مِنْكُمْ، ولا انْصَرَفَتْ عَنْكُمْ أمانينا

يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القَصْرَ واسْقِ بِهِ
مَن كان صِرْفَ الهوى والوُدِّ يَسْقينا

واسْألْ هُنالِكَ: هَلْ عَنّى تَذَكُّرُنا
إلْفاً، تَذَكُّرُهُ أمسى يُعَنِّينا

ويا نَسيمَ الصَّبا بَلِّغْ تَحِيَّتَنا
من لو على البُعْدِ حَيَّا كان يُحْيينا

فهل أرى الدّهرَ يَقْضينا مُساعَفَةً
مِنْهُ، وإنْ لم يَكُنْ غِبّاً تَقَاضِينا

رَبِيْبُ مُلْكٍ كأَنَّ اللهَ أنْشأَهُ
مِسْكاً، وقدَّرَ إنْشاءَ الوَرَى طِينا

أو صاغَهُ وَرِقاً مَحْضاً، وتَوَّجَهُ
مِن ناصِعِ التِّبْرِ إبْداعاً وتَحْسينا

إذا تَأَوَّدَ آدَتْهُ، رَفاهِيَةً،
تُومُ العُقودِ، وأَدْمَتْهُ البُرَى لينا

كانتْ لهُ الشّمسُ ظِئْراً في أَكِلَّتِهِ،
بلْ ما تَجَلَّى لها إلا أَحايِينا

كأنّما أُثْبِتَتْ، في صَحْنِ وَجْنَتِهِ،
زُهْرُ الكواكِبِ تَعْويذاً وتَزْيِينا

ما ضَرَّ أن لم تَكُنْ أكْفاءَهُ شَرَفا،ً
وفي المَوَدَّةِ كافٍ من تَكافينا؟

يا رَوْضَةً طالما أَجْنَتْ لواحِظَنا
وَرْداً، جَلاهُ الصِّبا غَضّاً، ونِسْرينا

ويا حَياةً تَمَلَّيْنا، بزَهْرَتِها،
مُنىً ضُروباً، ولذّاتٍ أَفَانِينا

ويا نَعيماً خَطَرْنا، مِن غَضارَتِهِ،
في وَشْيِ نُعْمى، سَحَبْنا ذَيْلَهُ حينا

لَسْنا نُسَمّيكَ إجْلالاً وتَكْرُمَةً،
وقَدْرُكَ المُعْتَلي عنْ ذاكَ يُغْنينا

إذا انْفَردْتَ وما شُورِكْتَ في صِفَةٍ
فَحَسْبُنا الوَصْفُ إيْضاحاً وتَبْيينا

يا جَنّةَ الخُلْدِ أُبْدِلْنا، بسِدْرَتها
والكَوْثَرِ العَذْبِ، زَقُّوماً وغِسْلينا

كأنّنا لم نَبِتْ، والوَصْلُ ثالِثُنا،
والسَّعْدُ قد غَضَّ مِن أَجْفانِ واشِينا

إن كان قد عَزَّ في الدّنيا اللّقاءُ بِكُمْ
في مَوقِفِ الحَشْرِ نَلْقاكُمْ وتَلْقُونا

سِرَّانِ في الخاطِرِ الظَّلْماءِ يَكْتُمُنا،
حتى يَكادَ لِسانُ الصّبْحِ يُفْشينا

لا غَرْوَ في أنْ ذَكَرْنا الحُزْنَ حينَ نَهَتْ
عَنْهُ النُّهى، وتَرَكْنا الصَّبْرَ ناسينا

إنّا قَرَأْنا الأسى، يومَ النَّوى، سُوَراً
مكتوبَةً، وأَخَذْنا الصَّبْرَ تَلْقينا

أما هَواكَ، فَلَمْ نَعْدِلْ بِمَنْهَلِهِ
شُرْباً وإن كانَ يُرْوينا فَيُظْمينا

لم نَجْفُ أُفْقَ جَمالٍ أنتَ كوكَبُهُ
سَالِينَ عَنْهُ، ولم نَهْجُرْهُ قالينا

ولا اخْتِياراً تجنَّبْناهُ عن كَثَبٍ،
لكن عَدَتْنا على كُرْهٍ، عَوَادينا

نَأْسى عَلَيْكَ إذا حُثَّتْ، مُشَعْشَعَةً
فينا الشَّمولُ، وغَنَّانا مُغَنِّينا

لا أكْؤُسُ الرَّاحِ تُبْدي مِن شَمائلِنا
سيما ارتِياحٍ، ولا الأَوْتارُ تُلْهِينا

دُومي على العَهْدِ، ما دُمْنا، مُحافِظَةً
فالحُرُّ مَن دانَ إنصافاً كما دِينا

فما اسْتَعَضْنا خَليلاً مِنْكِ يَحْبِسُنا
ولا اسْتَفَدْنا حَبيباً عنْكِ يَثْنينا

ولو صَبا نَحْوَنا، مِن عُلْوِ مَطْلَعِهِ،
بَدْرُ الدُّجى لم يَكُنْ حاشاكِ يُصْبِينا

أبْكي وَفاءً، وإن لم تَبْذُلي صِلَةً،
فالطَّيْفُ يُقْنِعُنا، والذِّكْرُ يَكْفينا

وفي الجَوابِ مَتاعٌ، إن شَفَعْتِ بِهِ
بِيضَ الأَيَادي، التي مازِلْتِ تُولِينا

عليْكِ مِنّا سَلامُ اللهِ ما بَقِيَتْ
صَبابَةٌ بِكِ نُخْفيها، فَتُخْفينا




الغزل في العصر الحديث :
بعد أن انتهى عصر الأندلس و سقوطها ، و مرور عصر الإنحطاط ، جاء أخيراً عصر الشعر الحديث ، و يتميز هذا العصر بسهولة الألفاظ و سهولة استيعاب الأفكار
إن الأدباء العرب نظروا إلى عاطفة الحب نظرة جديدة تجلت فيما ابتكروه من أساليب فنية تتجاوز التجربة الذاتية الفردية إلى تجربة جماعية تنطوي على قيم سامية وصور فنية ورموز موحية تزخر بها أشعار شوقي وجبران وأبي القاسم الشابي وفدوى طوقان ونزار قباني ...


أكبر شعراء الغزل في العصر الحديث
بِشارة الخوري (1885- 1968) : من أكبر شعراء الغزل في العصر الحديث ، ولد في بيروت وتلقَّب بالأخطل الصغير ، أنشأ جريدة البرق 1908 ، وله ديوان شعر مطبوع سمّاه: الهوى والشباب ، امتاز شعره بالسلاسة والعذوبة، وله قصائد مغنّاة
وهذه أحد قصائدة المغناة:

جفنه علم الغزل ..


جفنه علم الغزل
ومن العلم ما قتل
فحرقنا نفوسنا
في جحيم من القبل
ونشدنا ولم نزل
حلم الحب والشباب
حلم الزهر والندى
حلم اللهو والشراب

هاتها من يد الرضى
جرعة تبعث الجنون
كيف يشكو من الظما
من له هذه العيون

يا حبيبي أكُـلـَّما
ضمنا للهوى مكان
أَشْعـَلوا النار حولنا
فغدونا لها دخان

قل لمن لام في الهوى
هكذا الحسن قد أمر
إن عشقنا فعذرنا
أن في وجهنا نظر

إن أول تدوين حضاري شهدته الجزيرة العربية هو الشعر ، وكان أول الشعر العربي الذي وصلنا هو الغزل ، ولعل المعلقات كانت المثال الأكثر تكثيفاً للمرحلة التي سبقت ظهور الدين الإسلامي . ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم والشعر العربي يلاصق الوجدان العربي ، يتطور في مراحل تطوره ويتراجع في مراحل تراجعه ، عدا مرحلة القرن العشرين ، وقد شهدت في أوائل هذا القرن تطوراً عاصفاً في الشعر العربي ، وبخاصة جمالية هذا الشعر ، ولعل شعر الغزل كان سباقاً في اكتساب الطابع الجمالي فاغتنت القصيدة العربية بالزخم الموسيقي والمشاعر العاطفية للشخصية الشفافة ومعاناتها العصرية ، وتنوع الخطاب الشعري الغزلي بالنزعة الرومانسية كالغربة والكآبة والسويداء والوحدة ، هذا ناهيك عن لفتة الغربة الموشمة بالحرقة والشوق والحرمان


العشق والحب في العصر الحديث:
شعراء الوجدانيات في العصر الحديث:

على مدى التاريخ تميز العرب بابداعاتهم الشعرية وبرز في مختلف العصور عدد من الشعراء الذين وضعوا بصماتهم في ذلك العالم الساحر....ولكل عصر فرسانه....ولكل اتجاه من اتجاهات الشعر كتّابه....لكن ان بحثنا عن سادة الشعر الوجداني في العصر الحديث فسيفرض اسم الشاعر الكبير فاروق جويدة نفسه ويتبوأ مكانه على القمة بقلم تسري حروفه في نبض العروق....ومدرسة شعرية خاصة به نحتار في وصفها فلايكفي أن نقول أنها تعتمد على الإحساس المرهف والعواطف الجياشة التي تنتقل من حنايا قلبه إلى قلوبنا...ولا نملك أن نقول أن سر تألقه في سلاسة أسلوبه والموسيقى العذبه التي تتراقص بين كلماته....(ونتوه ونحتار ونغدو حيارى) ونحن نحاول أن نقدمه في هذا اللقاء فكل الحروف تتضائل إلى جانب حروفه وليس لنا إلا أن نترك كلماته لتقدم نفسها بنفسها فهي خير رسول يعرف الطريق للوصول إلى قلب القاريء....


الشاعر فاروق جويدة:

*شاعر مصري معاصر ولد عام 1946، و هو من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر، نظم كثيرام ن ألوان الشعر ابتداء بالقصيدة العمودية وانتهاء بالمسرح الشعري.
*قدم للمكتبة العربية 20 كتابا من بينها 13 مجموعة شعرية حملت تجربة لها خصوصيتها، وقدم للمسرح الشعري 3 مسرحيات حققت نجاحا كبيرا في عدد من المهرجانات المسرحية هي: الوزير العاشق ودماء على ستار الكعبة والخديوي.
*ترجمت بعض قصائده ومسرحياته إلى عدة لغات عالمية منها الانجليزية والفرنسية والصينية واليوغوسلافية، وتناول أعماله الإبداعية عدد من الرسائل الجامعية في الجامعات المصرية والعربية.
*تخرج في كلية الآداب قسم صحافة عام 1968، وبدأ حياته العملية محررا بالقسم الاقتصادي بالأهرام، ثم سكرتيرا لتحرير الأهرام، وهو حاليا رئيس القسم الثقافي بالأهرام.
والحقيقة اشعر بالحيرة فى اختيار قصيدة بذاتها للشاعر لتعبر عن نموذج لشعر الحب المعاصر........
الا اننى لا اجد بدا من القاء الضوء على رائعته...فى عينيك عنوانى........
قالت: حبيبي.. سوف تنساني
وتنسى أنني يوما
وهبتك نبض وجداني
وتعشق موجة أخرى
وتهجر دفء شطآني
وتجلس مثلما كنا
لتسمع بعض ألحاني
ولا تعنيك أحزاني
ويسقط كالمنى اسمي
وسوف يتوه عنواني
ترى.. ستقول يا عمري
بأنك كنت تهواني؟!
* * *
فقلت: هواك إيماني
ومغفرتي.. وعصياني
أتيتك والمنى عندي
بقايا بين أحضاني
ربيع مات طائره
على أنقاض بستان
رياح الحزن تعصرني
وتسخر بين وجداني
أحبك واحة هدأت
عليها كل أحزاني
أحبك نسمة تروي
لصمت الناس.. ألحاني
أحبك نشوة تسري
وتشعل نار بركاني
أحبك أنت يا أملا
كضوء الصبح يلقاني
ولو أنساك يا عمري
حنايا القلب.. تنساني
إذا ما ضعت في درب
ففي عينيك.. عنواني
أمات الحب عشاقا
وحبك أنت أحياني
ولو خيرت في وطن
لقلت هواك أوطاني
والان ننتقل الى غرض اخر من اغراض الشعر


منقول للأمانة







 

 




- أهم المستجدات في القضية الفلسطينية لك يا غير مسجل ..قافلة الحرية الإلكترونية
- مشاركات فعآليات مجلة الإبتسامة هنا
- خيط رفيع للأمل
- I Want to Repent, But...
- يا ورد مين يشتريك







   رد مع اقتباس

قديم December 24, 2011, 11:04 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمود وورد
عضو مبتسم





محمود وورد غير متصل

رد: بحث كامل عن الغزل في الشعر العربي ، الغزل في الشعر العربي عصوره، وتطوره


la;,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,v









   رد مع اقتباس

إضافة رد

بحوث علمية

بحوث علمية



مواقع النشر (المفضلة)
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
موسوعة الشعر العربي : كل ما ورد في الغزل رائع لمثقفي إبتسامة احزان المهرج كتب الدواوين الشعرية 11 December 14, 2012 02:19 PM
الشعر العربي في الغزل شمعة العاشق شعر و نثر 2 February 27, 2012 09:30 PM
العسل,فوائد العسل,تركيب العسل,اهمية العسل ألاء ياقوت الطب البديل 1 November 20, 2010 10:30 PM
المرأة من خلال الغزل في الشعر الجاهلي Ro_Onah شعر و نثر 7 August 19, 2010 08:06 AM


الكلمات الدلالية (Tags)
الغزل، تطوره،العصرالاموي،العباسي، الحديث
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


مجلة منتديات السوق الالكتروني المزيونة المسافر خياطة قصص الانبياء اقوال وحكم كلام من القلب تحميل كتب ثقافة عامة صور رمزيات اندرويد بلاك بيري ايفون تحميل برامج وصفات طبخ عالم حواء بحوث البرمجة اللغوية روايات مقالات طبية الطب البديل كلام حب عروض دورات
الساعة الآن 11:46 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر