المجلة الإلكترونية - مركز تحميل - القران الكريم - اتفاقية الاستخدام - تصفح الجوال - الاعلان - أضفنا في المفضلة

اشترك في مجموعة اصدقاء مجله الابتسامه البريديه الان
البريد الإلكتروني:

العودة   مجلة الإبتسامة > الموسوعة العلمية > بحوث علمية

بحوث علمية بحوث علمية , مدرسية , مقالات عروض بوربوينت , تحضير ,دروس و ملخصات


بحث كامل حول نظريات إكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية

بحوث علمية



جديد مواضيع قسم بحوث علمية

إضافة رد

كيفيه ارسال موضوع جديد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم December 8, 2011, 12:26 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أمينة سالم
لا حول ولا قوة إلا بالله






أمينة سالم غير متصل

Rose بحث كامل حول نظريات إكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية


مقدمة:


أصبح العالم اليوم قرية صغيرة بفضل تطور وسائل الاتصال، ولكي نكون على اتصالٍ بهذا العالم والذي يأتينا كل لحظةٍ بجديد في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والتربية وغيرها، كان لا بد لنا من إتقان لغتنا، ومن ثم تعلّم لغةٍ ثانية، لتنفتح الأكوان المنغلقة أمامنا، ولنكون على علم ودراية بما يجري حولنا، ولنعدّ أنفسنا لمجاراة المستجدات والتكيّف معها، إضافة إلى انفتاح الآفاق للتفاعل الثقافي مما يساعد في فهم الآخر. لذلك يعد تعلّم اللغات أمراً مهمّاً، على ألاَّ يكون ذلك على حساب اللغة العربية، التي تعتبر هوية الأمة وعنوان استقلالها، ووعاء ثقافتها وحضارتها.



وقبل الشروع في تعلّم أيّ لغةٍ، يجب إلقاء الضوء على جهود الرواد ودراساتهم وبحوثهم في مجال اكتساب اللغة. فقد مهدت جهودهم الطريق لتقبل اللغة الثانية، وكيفية اكتسابها، ومكّنت من إدراك العقبات والعوائق التي تقف حجر عثرةٍ أمامها. وقد أفادت هذه الجهود والنظريات اللغة العربية في مجال تعلّمها وتعليمها، وسدت هذه الدراسات بعض الثغرات الناتجة عن قصور البحث اللساني العربي خاصة في المجال التطبيقي. ويجب أن يُعلم أن حقل البحوث المتعلقة باكتساب اللغة الثانية لم يتوقف تأثيره على اللغة، بل تجاوز ذلك إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها فيما يخص التعلم والتعليم، وإلى تشكل معرفتنا حول اللغات الإنسانية بشكلٍ عام.



إنّ معظم البحوث التي أجريت في مجال اللغة، كان محورها معرفة كيفية اكتساب اللغة وكيفية تطوّرها وممارسة تدريسها على أسس لسانية ونفسية واجتماعية وتربوية. ففي الخمسينيات من هذا القرن كانت هناك نظريتان قد تطوّرتا وأصبحتا شائعتين حول كيفية اكتساب اللغة. وهاتان النظريتان كانتا متضادتين في الأفكار: الأولى النظرية السلوكية( Behaviorism) وهي التي ترى أنّ اللغة تتطوّر نتيجة عوامل أو مؤثراتٍ بيئية(Environmental Influences) والنظرية الثانية، هي النظرية الفطرية(Nativism) وترى أنّ اللغة تتطور بفعل عوامل فطرية تولد مع الإنسان وتصاحبه في حياته، وهي موجودة في داخله، أما الأفكار ووجهات النظر الحديثة حول كيفيَّة اكتساب الإنسان اللغة، فتركِّز على الجمع أو التفاعل بين العوامل البيئية والقدرات الفطرية وهو ما يصح أن نطلق عليه النظريات التفاعلية ( Interactionist Theories ) التي تختلف في تفسيرها لعملية اكتساب اللغة.(Berk,1998)
تعريف اللغة:
قبل الدخول في دراسة نظريات اكتساب اللغة كان لا بدّ من تعريف اللغة من قبل عددٍ من العلماء والباحثين حيث نستطيع التعرّف على نقط التلاقي ونقط الاختلاف بين العلماء ونستطيع أن نستخلص ما ينفعنا في مجال تعلّم اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى.



يعرف كينيث بايك(kenneth pike, 1967) اللغة بقوله:
اللغة سلوك، وهي وجه من وجوه النشاط البشري والذي يجب ألاَّ يعامل في جوهره منفصلاً عن النشاط البشري غير الشفوي.
ويعرفها بلوتنك((Plotnik ,1999 فيقول:
اللغة شكل من أشكال التواصل، نتعلم منه استعمال قوانين معقدة تشكّلُ رموزاً (كلماتٍ أو إشاراتٍ)، تولّد بدورها عدداً غير محدود من جمل ذات معنى.
أمّا باي(Pie, 1966) فيعرّفها بقوله:
اللغة طريقة اتصال بين أعضاء مجموعة من الناس عن طريق الأصوات، تعمل من خلال عضوي النطق، وذلك باستعمال رموز صوتية تحمل معاني معنية.
ويعرّف ويدون(Weedon,1997) اللغة بقوله:
" اللغة هي المكان الحقيقي والمعقول لأشكال النظام الاجتماعي وما يترتب عليها من أمورٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ محددةٍ، ولكنها أيضاً مكانٌ لأحاسيسنا الذاتية التي بنيناها".
ويعرّف برونزلو مالينوسكي(Malinowski, 1965) اللغة بقوله:
" اللغة نوعٌ من الكلام يقوِّي الروابط عن طريق الكلام الذي يمارسه كلٌّ من البدوي والحضري؛ وإن كان هذا الحديث قصيراً عديم الفائدة فهو مهمٌّ للناس وضروري لهم، ليكونوا في انسجامٍ تامٍّ مع بعضهم بعضاً".
أما همبولت فيرى أن اللغة هي: "إنتاج فردي واجتماعي في آن واحد، وهي شكل ومضمون، وهي آلة وموضوع، وهي نظام ثابثٌ وصيرورة متطورة، وهي ظاهرةٌ موضوعية، وحقيقة ذاتية".(Mounin,1972).
ويعرف ابن جني(ت.392هـ)اللغة بقوله: " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". (1 )


وبهذا التعريف نلاحظ أن ابن جني سبق علماء اللغة المعاصرين بمئات السنين، وعرف اللغة تعريفاً موجزاً وشاملاً. وكلمة القوم عند ابن جني يقصد بها المجتمع بالمفهوم المعاصر. ومن هذه التعاريف نستخلص التعريف الآتي:
" اللغة هي الطريقة الأهم في حفظ التراث ونقله من جيلٍ إلى جيل، وهي وسيلة التعبير عن أفكارنا ونقل أحاسيسنا للآخرين، والتواصل معهم وفهم مشاعرهم، ليكون الجميع في انسجام تام".

اكتساب اللغة:
يتعلق اكتساب اللغة الثانية بدراسة الطريقة التي يصبح فيها الفرد قادراً على تعلّم لغةٍ أو أكثر، غير لغته الأولى. ويمكن أن يحصل ذلك بمخاطبة أهل اللغة. كما أنّ التحصيل اللغوي أمرٌ خاضعٌ للنقاش، قد يبدأ من الطفولة أو بعد سنّ البلوغ، والفرد الماهر في تعلّم لغتين ويستطيع أن يتحدّث بسجيةٍ وتلقائيةٍ يمكن اعتباره ثنائي اللغة(Bilingual).
ويمكن تقسيم الدراسات حول موضوع اكتساب اللغة إلى قسمين: القسم الأول ويتعلق بدراسات اللغة الأم(L1) أي اللغة الأولى، والقسم الثاني يتعلّق باللغة الثانية(L2) أي اللغة المستهدفة. وتتعلق معظم الدراسات في القسم الأول حول اللغة الأم بالأطفال وتتعلق الدراسات المتعلقة بالقسم الثاني بالبالغين، لكن الأغلب أن النظريات المتعلقة باكتساب اللغة الأولى ملائمة لاكتساب اللغة الثانية. فودر (Fodor 1974).
حاول علماء الاجتماع الأمركيين أمثال روبرت سيرز (Robert Seare) وجون دولارد (John Dollard) ونيل ميللر (Neal Miller) إبان عقدي الثلاثينيات والأربعينيات أن يوحدوا التحليل النفسي مع مفاهيم التعلم لتحقيق فائدة أكبر في سبيل تطوير الإنسان. وقد أصبحت هذه الطريقة شائعة لعدد من السنوات، لكن تفسيرات التحليل النفسي بقيت مسألة عسيرة بحيث يصعب تفسيرها أو فحصها، وكانت نتائج البحوث غامضة ومتداخلة في أغلب الأحوال. شابلن وكرويك( 1979 Chaplin and Krawiec) وبقيت الحال كما هي من دون إحراز أيِّ تقدم حتى جاء سكنر (Skinner) وأحدث انقلاباً في مجال التعلم وطبقت نظريته في مجال التعليم الصفي، واستعمال " اللغة والفكر". جلفاند وآخرون(Gelfand &Others,1982).
يقول بيرت ودوليه (Burt &Dulay,p.55):
ما نعلمه الآن أن الكبار والأطفال سيّان، يبدو أن لديهم القدرة على اكتساب اللغة في أيّ سن. ولكن إذا وجد شخصٌ لم يستطع اكتساب اللغة، فيرجع ذلك لأسبابٍ طارئةٍ أو مؤثرٍ خارجي وليس بسبب تواضع قدراته الفطرية.
وفي الحقيقة فإن عدم اكتساب اللغة لا يتوقف على مدى قدرات الفرد الفطرية فقط، بل هناك أسباب كثيرة جداً. منها أن بعض الدراسات تشير إلى أنّ فشل الطلاب الأجانب في إتقان اللغة الثانية، يعتمد على السن الذي بُدِئ فيه بدراسة تلك اللغة، وعلى الزمن الذي يمضونه بصحبة أبناء اللغة المستهدفة. ففي إسبانيا أجريت دراسة على عينة من الطلاب البولنديين والمغاربة الذين يعيشون هناك، فكانت نتيجة الدراسة أن إتقان البولنديين للإسبانية لا يواجه أي مشكلة، وذلك لاندماجهم في الجو المدرسي، بينما يواجه الطلبة المغاربة مصاعب جمة، نظراً لانعزالهم عن الآخرين وبقائهم مع بعضهم بعضاً في أغلب الأحيان. (Santos, 1999).
والمعروف أن اللغة تنمو وتتطور باستمرار، كلما زاد اتصال الفرد بالآخرين، وبسبب ذلك تزداد الثروة اللغوية وتتسع، بينما كلما مال الفرد إلى العزلة ضاقت مساحة اللغة التي يمتلكها. لقد أُجريت كثير من الدراسات في موضوع اكتساب الطفل اللغة الأولى، ويوجد كمٌّ هائلٌ من هذه الدراسات مما أعطى الفرصة للمدرسين والباحثين أن يضعوا خلاصة لهذه البحوث ومناقشة نتائجها ومقارنتها مع الدراسات التي أُجريت حول موضوع اكتساب اللغة الثانية.
ويرى كمنز(Cummins, 1984) أن العلاقة بين اللغة الأم واللغة الثانية (L2) كبيرة وقد أجريت دراسات كثيرة في هذا الصدد بيّنت أهمية التطور المعرفي في اللغة الأم(L1) وتأثيرها في تعلم اللغة الثانية(L2). أشار كل من فارش وكاسبر(Faerch&Kasper) إلى أهمية المساهمة الأساسية التي تقوم بها اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية(L2) أو استعمالها.



وأجرى بيكر(Baker, 1988) دراسة على عيِّنة من الأطفال من الجنسيتين العربية والتركية والمقيمين في هولندا، ممن يدرسون في المرحلة الابتدائية في المدراس الحكومية.
فقد تلقى الأطفال التعليمات في السنوات الثلاث الأولى بلغتهم الأم وفي السنة الرابعة تلقوا التعليمات بلغتهم الأم وباللغة الهولندية، وبعد السنة الخامسة تلقوا التعليمات باللغة الهولندية فقط.
وقد دلت بعض الدراسات على "أن إتقان الفرد للغته الأولى يسهل عليه تعلم اللغة الثانية، لأنه يكتسب خبرةً في تعلم اللغة بشكلٍ عام. ولقد تبين أن الأطفال الذين يتعلمون اللغة الثانية قبل إتقان اللغة الأولى يعانون من ضعفٍ في اللغة الأولى واللغة الثانية على السواء. ولهذا فإن تعليم اللغة الثانية بعد إتقان الأولى يعتبر قراراً في صالح اللغتين في آنٍ واحد".(Alkholi,1988) .
وخلص الباحثون المشاركون في هذه الدراسة إلى أنّ الأطفال حققوا مستوىً مقبولاً في لغتهم الأم وفي اللغة الهولندية، وذلك مقارنة مع الأطفال الذين يدرسون في المدارس الهولندية الأخرى، والذين لم تجر عليهم الدراسة. ومن هنا فقد حازت فكرة تعليم اللغة الهولندية بهذه الطريقة على أرضية معقولة، وأقرت الحكومة الهولندية عام 1991م الدور المهم الذي تقوم به لغة الطفل الأولى في تسهيل دراسة اللغة الهولندية. وعلاوة على ما سبق فقد تم التركيز على ثقافة الطفل الأصلية واستعمال المزيد من لغته الأم في المراحل الأولى، أما في المراحل الدراسية العليا فالواجب استعمال لغة البلد الذي يقيمون فيه (Driessen,1997).
ومن الدراسات الحديثة دراسة أجراها انتوان وديكاميلا (Anto’n and Dicamilla,1998) كانت نتيجتها أن استعمال اللغة الأولى (Mother Language) مفيد في تعلم اللغة المستهدفة(Target Language).




وأحدث الآراء المؤيدة لاستخدام اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية جاءت من دراسة قام بها البنك الدولي، وأجراها دوتشر بالتعاون مع تكر Dutcher and Tuker,1997)) وفي هذه الدراسة المكثفة راجعا بها جميع الدراسات السابقة ذات العلاقة، وكانت النتيجة الأهم التي توصلوا إليها هي: عندما يكون التعلم هو الهدف بما في ذلك تعلم اللغة الثانية، يجب استعمال لغة الطفل الأولى أو اللغة الأم كوسيطٍ في التعليمات وذلك في السنوات الأولى من المدرسة. إن استعمال اللغة الأولى أساسي عند بداية تدريس القراءة أو الاستيعاب في المادة موضوع الدراسة. إنها خطوة ضرورية تساعد في تطور المعرفة، التي يقوم عليها اكتساب اللغة الثانية.
وهناك المزيد من الدراسات التي تؤيد وجهة النظر هذه، وللعلم فإن جميع التجارب أجريت على الحيوانات وليس على الإنسان لأنه ليس سهلاً إجراء هذا النوع من الدراسة على الإنسان.(Elman et al.,1997).
وأكد علماء النفس والتربية بأن النمو العقلي للإنسان منوط بنموّه اللغوي، وأنه كلما تطورت واتسعت لغته ارتقت قدراته العقلية ونما ذكاؤه وقوي تفكيره وإدراكه، والعكس بالعكس.(Akel,340).
لذا يمكننا القول إن استعمال اللغة الأم عند تدريس اللغات الأجنبية أمر مشجع عند تعلم اللغة الثانية، على أن يكون ذلك للمبتدئين. ويؤيد الباحث استعمال اللغة الأم في المراحل الأولى خاصة، وضمن نطاق محدد، وذلك في تفسير الأسئلة أو التدريبات، وذلك لعدم امتلاك الطفل القدرة على القراءة ومعرفة المطلوب منه.



وربما يواجه هذا الرأي بالاعتراض، بدعوى أنه ليس من المصلحة أن تدخل اللغة الأجنبية في التدريس إلى جانب العربية، نقول لهؤلاء الغيورين على لغتهم، إن وجهة النظر هذه صحيحة إذا تم تدريس اللغة الثانية جنباً إلى جنب مع اللغة الأم. ويجب ألاَّ يحدث ذلك إلا بعد أن يمتلك الطفل أساسيات لغته ويستوعب نظامها، وإلا فسيتعرّض إلى الضرر نفسياً وذهنياً.
ونذكر في هذا المقام أننا نواجه ازدواجاً لغوياً(Diglossia) وصراعاً داخلياً من نوعٍ آخر، ألا وهو الصراع بين اللهجات العامية والفصحى. ومعلوم اليوم أن شيوع العامية واكبه انحدار اللغة الفصحى. لذلك وجب علينا أن نحرص على لغتنا ونحافظ عليها من الأخطار الداخلية والخارجية، لأن الاستقلال اللغوي يعادل الاستقلال السياسي.
ويؤيد وجهة نظر الحريصين أو المتخوفين من استعمال اللغة الثانية، ما يقوله كلوس(kloss.1969) بأنّ " اللغات لا يمكن أن يترك بعضها بعضاً وشأنها، فاللغة دائماً تحاول أن تزيح الأخرى جغرافياً واقتصادياً".
ومن هنا على الدولة ألاَّ تقف موقف المتفرج، فعليها تبنِّي قرارات تخدم السياسة التربوية عامة والسياسة اللغوية خاصة، وذلك باستصدار قوانين تحقق أهدافها وتحفظ هيبة لغتها.
ومع تقدم العلم وتوفر المختبرات والأجهزة أتيحت الفرصة لخدمة اللغة وإعطائها دفعة قوية إلى الأمام، وذلك بدراسة الأعصاب وعلاقتها باكتساب اللغة. وأجريت دراسات ميدانية عديدة، لمعرفة وظائف الدماغ وعلاقته باللغة. ومن بعض هذه الأبحاث، أبحاث باولا طلال (Paula Talal,1999,p.23) اختصاصية الأعصاب في جامعة دنفر. ترى الباحثة أن الارتباطات اللغوية تبدأ في التشكل بدماغ الجنين وهو في بطن أمّه. وأن بعض المشكلات اللغوية تعود بجذورها إلى الإجهاد والضغط النفسي للأم في فترة الحمل، حيث يعمل الإجهاد على إخفاق هرمون الجنس ووضع هرمونات الإجهاد والضغط إلى مستوياتٍ صحيّةٍٍ.
ومن المعروف منذ زمن بعيد أن هناك مناطق مختلفة بالدماغ لها وظائف محددة، فالأجزاء الأمامية عملها متعلق بالتفكير المنطقي والتخطيط، بينما الأجزاء الخلفية تتعلق بالنظر ومنذ عهد قريب كان الاعتقاد سائداً أن هذه الأجزاء المتخصصة تطورت عن مخطط وراثي هو المسؤول عن عمل هذه الأجزاء في الدماغ.(Sotillo, 2002).
أما ما ثبت بعد إجراء هذه الدراسات الحديثة، هو أن الدماغ أكثر مرونة مما كان يعتقد سابقاً. فنتيجة الدراسات تشير بأن الأعمال المحددة التي تقوم بها بعض أجزاء الدماغ لم يكن عملها محدداً منذ الولادة، ولكنها تشكلت فيما بعد نتيجة الخبرة والتعلم.
وهناك مزيدٌ من البحوث التي أجريت على الدماغ أثبتت أن النصف الأيسر من الدماغ يتدخل في معظم وظائف اللغة، واستدلّ على ذلك من أن أي إصابةٍ أو عطل لدى البالغين في هذا الجانب يؤدّي إلى مشكلة تتعلق باللغة ويلازمه عاهة مستديمة. ومهما يكن من أمر، فإن 10% من الأفراد الذين يكتبون باليد اليمنى/ يصابون بحالات من التأخر الدراسي، ويكون لأجزاء الدماغ اليسرى أو اليمنى أو كليهما تأثيرٌ مهم في تعلم اللغة.(Banich,1997).
ويرى (Bigler,1992): أن هناك اختلافاً بين الذكور والإناث إلى حدّ ما من حيث طبيعة وعمل الدماغ، فالأجزاء الأمامية من الدماغ تتدخل في تعلم اللغة في المراحل الأولى من التعلم، ولكنها تقل في المراحل المتأخرة.
وأجرى كلٌّ من ألبرت وأولفر( Albert and Oliver,1978) دراسة تتعلق بالأعصاب، وخلصا إلى أن من يعرف أكثر من لغةٍ واحدة، يستعمل دماغه أكثر من أحادي اللغة، ومع أن التجارب والدراسات ما زالت محدودة، ولكن تبين أن الجزء المتعلق بوظائف اللغة في الدماغ عند أحادي اللغة ما زال على حاله. وأجرى الباحثان مراجعة للعديد من الدراسات والبحوث لمتعددي اللغات من ثلاث لغات إلى ست وعشرين لغة، فوجدوا أن مناطق محددة في الدماغ قد تطورت وكذلك برزت تفاصيلها بشكل ملحوظ..
نستخلص من هذه الدراسة أن مناطق محددة في الدماغ تسيطر على اللغة، وهذه الأجزاء يمكن أن تتغير وتتطور مع الخبرة الحياتية.

النظريات البيئية(Environmentalist Theories):
يرى اتباع هذه النظرية أن اللغة تنشأ وتتطور ضمن محيطها وبيئتها الاجتماعية، وحين توجد مؤثرات خارجية يحصل التفاعل ويؤدي إلى تشكيل سلوك لغوي يدفع إلى التعلّم، وأبرز مؤيدي هذه النظرية أصحاب المدرسة السلوكية. ويرى أتباع هذه النظرية أن عملية اكتساب اللغة لا تختلف عن أي نوع من أنواع التعلم الأخرى، كما أنها تخضع للقوانين والمبادئ ذاتها التي تخضع لها أنواع التعليم كافة، كالمحاكاة والثواب والعقاب والتعزيز.
وقد انتقد ماكنيل(McNeil,1970 ) أصحاب النظرية البيئية، لأنهم من وجهة نظره فشلوا في تفسير ظاهرة الابتكار اللغوي التي تتبدَّى عند الطفل فيما بين الثانية والخامسة من عمره، والتي تمكنه من إنتاج عبارات لم يسمعها في بيئته. ومن استخدام بعض القواعد اللغوية غير المتوافرة في لغة الراشدين في بيئته. كما أن الفطريين يعجزون عن تفسير عملية اكتساب اللغة من دون عمليتي التقليد والتعزيز، لأن هاتين العمليتين تشكلان المفتاح الأساسي لاكتساب اللغة.

النظرية السلوكية (Behaviorist Theory):
بدأت النظريات السلوكية بالثورة على علم النفس التقليدي وذلك برفضها لمنهج الاستبطان في البحث، معتمدة على المنهج التجريبي المخبري. ومن رواد هذه الاتجاه إيفان بافلوف صاحب نظرية التعلّم الشرطي الكلاسيكي، وسكنر صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي ونظرية التعليم الذاتي المعزز وفكرة التعليم المبرمج، وإدوارد ثورندايك صاحب نظرية المحاولة والخطأ، والذي أضاف قانون انتقال الأثر والتدريب، وتولمان الذي نجح في المزج بين أفكار المجال والسلوكية. ويعتبر بافلوف رائد المدرسة السلوكية التقليدية ومنشئها في روسيا، وواطسون منشئ السلوكية التعلمية في أمريكا عام 1912-1914.
كانت وجهات نظر السلوكيين حول تعلم اللغة وتعليمها مسيطرة في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية. ويرى(Gasem,2000) أن هذه الأفكار رسمت النظريات العامة للتعلم من قبل السيكولوجيين مثل سكنر(Skinner,1957) صاحب كتاب " التعزيز في تكنولوجيا التعليم" وشهرته اتسعت بعد إصدار كتابيه:" تعديل السلوك" "Behaviour Modification" و" السلوك اللغوي/ اللفظي" " Verbal Behaviour" وبحث عنوانه" علم التعلم وفن التعليم".
أما واطسون(Watson, 1924) فهو مؤسس المذهب السلوكي والرائد في مجال علم النفس التطبيقي وعلم نفس النمو، وثورندايك(Thorndike,1932) الذي توصل في نهاية تجاربه إلى ثلاثة قوانين رئيسية وهي:1- قانون الأثر (Law of Effect)2- قانون التدريب(Law of Exercise) 3- قانون الاستعداد(Law of Readiness).
ويعتبر السلوكيون اللغة جزءاً من السلوك الإنساني، وقد أجروا الكثير من الدراسات بقصد تشكيل نظريةٍ تتعلّق باكتساب اللغة الأولى. والطريقة السلوكية تركّز على السلوك اللغوي الذي يتحدد عن طريق استجابات يمكن ملاحظتها بشكل حسي وعلاقة هذه الاستجابات في العالم المحيط بها. ولقد سيطرت هذه المدرسة في مجال علم النفس في الخمسينيات واستمرت إلى السبعينيات من القرن الماضي. وكان لها تأثيرها القوي على جميع النظم التعليمية وعلى جميع المختصين والعاملين في الميدان التربوي.


ويمكن إيجاز التطبيقات التربوية المتعلقة بنظرية التَّعلُّم الشرطي الكلاسيكي بما يأتي:
1- إتقان ما هو متعلم:
إن كل تعلم عبارة عن استجابة لمثير أو باعث والاستجابات التي يقوم بها المتعلم هي التي تحدد مدى نجاحه وإتقانه لما تعلمه. ولا يتحقق النجاح إلا إذا قام المعلم بتدوين تلك الاستجابات لتحديد مدى التقدم الذي أحرزه المتعلم، وبيان الصواب من الخطأ للتلميذ، وإعلام كل طالب بالتحسن الذي أحرزه، إذ إن ذلك مدعاة لاطِّراد التحسن، ولا يتم ذلك إلا بسلسلة من الإجراءات والاختبارات والتقويم المستمر.


2- التكرار والتمرين:
التكرار له دور مهم في حدوث التعلم الشرطي، حيث يرتبط المثير الشرطي بالمثير الطبيعي وينتج عن ذلك الاستجابة. إن المحاكاة أو التكرار بني عليها في المجال التطبيقي ما يسمى بتمارين الأنماط ""Pattern Drills وكان الهدف منها تعليم اللغة عن طريق تكوين عادات لغوية بطريقة لا شعورية. وهو أسلوب مهم في التعلم خاصة في المراحل الأولى، وليس في المراحل المتأخرة، ولكن يجب أن يُعلَم بأن ليس كل تكرار يؤدي إلى التعلم، بل التكرار المفيد أو الذي له معنى، حيث يلعب دوراً مهما في حدوث التعلم الشرطي، وكلما كانت مرات التكرار أكثر زادت قوة المثير الشرطي عند ظهوره بمفرده. ولكن يجب على المعلم حتى يضمن النجاح أن يحسن الاختيار وأن يكون ما يختاره من ضمن اهتمامات التلميذ ومن مستواه. ويمكن استخدام التكرار والتمرين في حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفي دروس الحساب والجغرافيا وخاصة دراسة الخرائط، وقواعد اللغة العربية والأناشيد والقصائد الشعرية وحفظ معاني المفردات في اللغة والقوانين العلمية، بالإضافة إلى الأشغال اليدوية واستعمال الآلات الكاتبة.


3- استمرار وجود الدوافع:
توفر الدوافع أمراً لا مناص منه إذا أردنا تحقيق تعلم فعّال، وكلما قوي الدافع تحقق التعلم المرغوب، وتعود الفائدة المرجوة على التلميذ، ونجاح المعلم في تحقيق الأهداف المرسومة. لذلك وجب إحاطة البيئة الصفية بالمثيرات الفعالة حتى نضمن استمرار التواصل بين المعلم وطلابه، ونكون بذلك ضمنَّا التواصل بين عناصر العملية التعليمية وفي نفس الوقت رسخ ما تعلمه التلاميذ في أذهانهم، وبالتالي يصعب النسيان.


4- ضبط عناصر الموقف التعليمي وتحديدها:
إن ضبط وتحديد عناصر الموقف التعليمي وتحديده وتقديمه بشكل مناسبٍ في شكل وحداتٍ رئيسية أو فرعية وحسب مستوى التلاميذ يدعو إلى شدّ انتباه المتعلم وبذلك يتحقق الهدف بحدوث التعلم من دون إبطاءٍ أو تأخير ومن دون الحاجة إلى التكرار والتمرين وهدر الوقت. وعلى المدرس أن يدرك بأن تنظيم عناصر المجال الخارجي، يساعد على تكوين ارتباطات تساعد في إنجاز الاستجابات المطلوبة، كما تجعل موضوع التعلم في حالة نشاط مستمر. وعلينا أن ندرك بأن كثرة المثيرات لا تعني بالضرورة تحقيق النجاح، بل ربما تأتي بنتائج عكسية ولا يحدث التعلم المرغوب.
ومن المعارضين لنظرية السلوكيين رفرز( Rivers, 1964) حيث لم يقتنع بادّعاء السلوكيين، بأن التعلّم هو عملية ميكانيكية لتشكيل العادة. وطعن في القسم الميكانيكي أو الآلي من فرضيتهم، وبين أنّ العادة تتطور فقط عن طريق الحاجة للتواصل مع الآخرين وفي حالة الاسترخاء.
أما تشومسكي(Chomsky,1959) فطعن في مفهوم العادة نفسه. وبيّن أنّ مفهومي المثير والاستجابة هما مفهومان أجوفان. فنحن لا نستعمل اللغة استجابة لمثيرٍ سلوكي محددٍّ وواضح.
وإنما ما يتعلّم بالفعل هو قواعد تحويلية تعطي القدرة للمتحدث على توليد أنواع يصعب حصرها من الجمل الجديدة ذات الطابع النحوي. أي أن ما يُتَعَلّمُ ليس سلسلة من الكلمات في حد ذاتها، وإنما يتعلمها الفرد كمفاهيم تمثل فئة بعينها تنتمي إليها هذه المفاهيم.
ومن وجهة نظر السلوكيين، فإن عادات اللغة الأولى تكون مساعداً لاكتساب عادات اللغة الثانية، وهذا ما يطلق عليه( Positive Transfer) كما أن تعلم اللغة الثانية يساعد في التغلب على الفروق بين نظام اللغة الأولى ونظام اللغة الثانية(William Little). وقد صاغها روبرت لادو (Robert Lado, 1957) صاحب كتاب " اللسانيات عبر الثقافات" Linguistics Across cultures)) بالآتي:


1- يمكن مقارنة لغة الدارس الأولى باللغة الثانية التي يرغب في تعلّمها، وهذا ما يطلق عليه " المقابلة التحليلية ) Contrastive analysis).
2- ومن الاختلافات التي تبرز بعد هذا التحليل، يمكننا أن نتنبّأ بالعناصر اللغويَّة التي تسبب الصعوبة، وكذلك الأخطاء التي يتعرّض لها وهو ما يطلق عليه عادة فرضية التباين التحليلي ) (Contrastive analysis hypothesis.
3- يمكننا الاستفادة من هذه الاستنتاجات، أيّ العناصر التي تحتاج إلى مراعاةٍ خاصةٍ في المساقات التي ندرسها أو المواد التي نكتبها.
4- بالنسبة لهذه العناصر على وجه الخصوص، يمكننا أن نستعمل تقنياتٍ مكثفةٍ كالتمارين التي تعتمد على التكرار والإعادة، حيث يتمّ التغلّب على هذا التداخل وتأسيس عادات ضرورية جديدة. ومن هذه التقنيات أيضاً ما يطلق عليها المساقات السمعية- البصرية.
وقد طوّر مؤيدو هذه النظرية التعلّم عن طريق العلاقات التي تتصل بين أجزاء المثير اللغوي، بمعنى أنّ قوة هذه العلاقات أو ضعفها قد يزيد أو يقلّل من السلوك اللغوي. سامبسون(Sampson,1987) .



ورائد هذه المدرسة السلوكية هو سكنر(Skinner, 1957) وقد حوى كتابه" السلوك اللغوي" محاولاته بناء نظرية جديدة في التعلم اللغوي. وهو معروف بتجاربه على السلوك الحيواني وما يعرف بـ" صندوق سكنر" والذي استطاع أن يساهم في تطوير التعليم عن طريق التعليم المبرمج وأدوات التعليم الأخرى. وتعتبر نظرية سكنر (Skinner,1968) حول السلوك جزءاً من نظريته للتعلّم عن طريق المثير الشرطي ويؤكد قانون الأثرThe Law of Effect) ) أهمية تعزيز إجابات المتعلم وذلك بمكافأته على الإجابات المتعددة وتصحيح الأخطاء. ويرى السلوكيون أن المبدأ الأساسي في تشكيل السلوك المرغوب للمتعلم سيتحقق بسهولة من دون عوائق إذا قسمنا جزئياً السلوك المعقد إلى عناصر وعلمناه عنصراً بعد عنصر، وتحت هذه المبادئ الافتراض بأن تعلُّم اللُّغة كأيِّ تعلُّم آخر، يأخذ أُنموذج تشكيل العادة، حيث إنَّ العادة(Habit) والتي تتألف من استجابات أتوماتيكية تحدث عند إعطاء المثير.
وقد صاغها بروك(Brook, 1960) بالشكل الآتي:
إن الحقيقة الواضحة حول تعلم اللغة تتعلق ليس بحل مشكلة بل في تشكيل وإنتاج عادات، وهكذا فإن التعلم يأخذ مكانه عندما يكون لدى المتعلم الفرصة للتدريب وذلك عن طريق إجابات صحيحة عن أسئلة معينةٍ. رود إلس(Ellis,1998) ومن هنا كانت الإفادة من المعرفة السابقة عند السلوكيين أهم عاملٍ في التعلم.
كما أن هذه النظرية تناقش علاقة التعزيز والمحاكاة كعوامل أولية في اكتساب اللغة. حيث يرى السلوكيون أنّ تعلّم اللغة الأجنبية (FLL) هو عبارة عن محاكاة المتعلمين لما يسمعونه، ثم يطورون عاداتهم في اللغة الأجنبية (FL) بالتكرار الروتيني. كما يحاول المتعلمون في هذه النظرية أن يربطوا ما يعرفونه في لغتهم الأولى (F1) بما يرغبون في معرفته باللغة الثانية(L2). فإذا كان هناك تشابهٌ أو تقارب بين اللغتين فسيتم نقل الخبرة بسهولة، ويطلق على ذلك مصطلح(Positive Transfer) وإذا كان هناك اختلاف فتنتقل الخبرة بصعوبة، وتكون النتيجة سلبية، ويطلق على ذلك مصطلح(Negative Transfer) أي أن الأخطاء التي تحدث تكون نتيجة استعمال عاداتٍ من اللغة الأولى.
والمشكلة في هذه النظرية (FLL) أن التقليد والمحاكاة في الحقيقة لا يساعدان المتعلم في الواقع الحياتي، ذلك لأن المتعلم يحتاج إلى تشكيل جملٍ عديدةٍ لم يألفها من قبل. كما أن التدريب السابق ليس كافياً في سبيل الاسترسال في الحديث وحتى بتوجيهٍ من المعلم.
والمشكلة الأخرى التي تواجه هذه النظرية أن العديد من الأخطاء التي ترتكب من قبل متعلمي اللغة الثانية(FL) تكون ناتجة عن اللغة الأم (L1) وبالمقابل فإن الأخطاء التي تواجه المتعلمين من الأطفال إبان تعلّم اللغة الأم متشابهة. كونراد(Conrad, 1978).
ويرى الباحث أن النظرية السلوكية ما زالت مقبولة لدى بعض العاملين في الميدان التربوي على الرغم من قصورها، حيث ما زالت تمارس في تعليم اللغات. ففي كثير من مدارسنا ما زال العديد من مدرسي اللغات، يعتمدون مبدأي التكرار والتعزيز، حيث يعد المدرس نماذج لغوية جاهزة، ويطلب من الطفل محاكاتها، ومعقباً على كل إجابة صحيحةٍ بالاستحسان والتشجيع.



ويمكن تطبيق هذه النظرية في تدريس اللغة العربية وذلك على النحو الآتي:
(1) تبنى عملية تعليم اللغة على منهجية تكوين عادات كلامية انطلاقاً من إثارة المثير ومن الاستجابة التلقائية لهذا المثير.
(2) تتم تقوية العادات الكلامية بوساطة تعزيزها وتدعيمها بصورةٍ متواصلة.
(3) تقتضي الأساليب الأساسيَّة المعتمدة بهدف تنمية الأداء الكلامي للتلميذ الترداد والممارسة وتدعيم العناصر الكلامية وتتابعها في السياق الكلامي.(Assayed,1982).
(4) تسلسل المادة التعليمية في خطوات متتالية يساعد في استمرار النشاط لدى الطالب واهتمامه باللغة العربية.
ولتحقيق نجاح عملية التدريس لا بد من إعداد التمارين التي تتضمن البنى اللغوية بصورة واضحة، ضمن تمرين متخصص مع ضرورة ترديد التلاميذ لهذا التدريب أكثر من مرة، مع تصحيح الخطأ مباشرة حال حدوثه. وهكذا يتعلم التلميذ اللغة عن طريق تكرار الجمل، وتقليد البنى اللغوية وممارستها، وتتم الممارسة عن طريق التمارين النمطية. ولضمان نجاح هذه الطريقة، يجب على المدرس عند وضع التمارين أن يأخذ بالاتجاهات التربوية الآتية:
1- يجب ألاَّ تذكر القاعدة التي يبنى عليها التمرين النمطي، إذ تبقى القاعدة ضمن اهتمامات المدرس المسؤول عن إدارة التمرين.
2- يجب إكساب التلميذ بصورة آلية البنى الصرفية والتركيبية للغة.
3- يجب إعطاء المتعلم فرصة استعمال البنى المكتسبة واعتماد نوع من التدرج في تركيز البنى المختلفة واستعمالها واستغلالها على أحسن وجه في عملية تعلم اللغة.
4- يجب تزويد التلاميذ دائماً بالجمل الصحيحة كي لا يطرأ عليهم وضع لا يعود في ظله تحقيق الاستجابة المطلوبة في حال سماعهم جملاً غير صحيحة، مما يسيء مباشرة إلى عملية التعلم.(Assayed, 1998).
ويرى الباحث أن التعليم القائم على هذين المبدأين (المحاكاة والتعزيز) لا يقدم تفسيراً شاملاً لاكتساب اللغة، على الرغم من أدائه دوراً لا بأس به في مجال مساعدة الطفل في تعلّم اللغة، وبالأخص في المراحل الأولى من التعلم. فالطفل يتعلم الكثير من دون اللجوء إلى المحاكاة، حيث يبتكر كلمات لم يسبق أن تعلمها. أما مبدأ التعزيز فقد يفقد قيمته في كثير من المواقف، فالأطفال يتعلمون ويكتسبون اللغة بغض النظر عن ممارسة التعزيز.
وقد تعرضت نظرية سكنر للنقد الشديد من قبل الكثيرين ومنهم نعوم تشومسكيChomsky,1970) ). وبعد عدة سنوات ردّ على تشومسكي كنث ماكوركدال (MacCorquodal,1970) وكان رده ردّاً شديداً دافع فيه عن آراء سكنر.
وانتقد تشومسكي سكنر فقال:" في التعامل مع موضوعات مثل اللغة، كان سكنر غامضاً وغير دقيق، بحيث لا يستطيع أحدنا الكلام عن المثير والاستجابة في تحليل الأبنية النحوية المعقدة. وفي محاولة سكنر أن يقترح فائدة معقولة للمفاهيم الشرطية في اكتساب اللغة، فمن الممكن أن يبتعد إلى ما وراء الملاحظة المخبرية والحقائق المعروضة". ماركس وهليكس (Marx and Hillix,1979).
وهكذا بدأت النظريات السلوكية تتهاوى أمام الهجمات العنيفة من قبل التشومسكيين.(1959) إنّ رفض النظرية السلوكية كان قائماً على دراساتٍ تجريبيةٍ كان لها الأثر المعتبر في علم اللغة التطبيقي ومجال تعلم اللغة. إلس (Ellis,p.9).

ويعتبر السلوكيون أن الطريقة السمعية- البصرية في التدريس (Audio-Lingual Method ) مستخلصة من نظريتهم. والمعروف أن اسم هذه الطريقة مرتبط بالأسلوب المتبع بالتدريس والذي بلغ ذروته في الستينيات، ومن مؤيدي هذه الطريقة لادو(Lado,1964) حيث تعرّض لها في كتابه " تعليم اللغة ". ويؤكد لادو تعليم اللغة الدارجة بالحوار والتمارين، وفي الحوار يكون منضبطاً باستعمال عددٍ محدّدٍ من المفردات الجديدة، حيث يستمع التلاميذ إلى الحوار كله أو على شكل أجزاء أو عن طريق القراءة من قبل المعلّم.
كما أن هذه النظرية كانت موضوعاً للتحليل والنقد، حيث إنَّ الفكرة المركزية في التعلم موجهة من الخارج، وذلك بالتعامل مع سلوك المتعلم، وقد رفضت هذه من قبل الفطريين الذين يعتبرون أن المتعلمين أنفسهم يضبطون تعلم اللغة. إلس (Ellis,p.27)
ومن المنتقدين لهذه النظرية فيفيان كوك(Vivian ****,1991) الذي يرى أن كثيراً من المدرسين قد اتبعوا هذه الطريقة لأسباب منها:
- أنها تزود المدرس بأنموذج محددٍ يستخدمه، بالإضافة إلى معرفة المعلم ما سوف يعمله مسبقاً. وتقع هذه النظرية تحت " نظرية تشكيل العادة " Habit Formation Theory" وهذه الطريقة غير مناسبةٍ لتدريس القواعد وبعض الجوانب التي تتعلق باستعمالات اللغة الأخرى كما أنها تمتاز بعدم القدرة أو الكفاية في تشكيل العادة كطريقة للتدريس.
ويضيف إلس(Ellis,1992) في مجال نقده لهذه الطريقة فيقول:
" لقد فقدت هذه النظرية شعبيَّتها في الولايات المتحدة، لكثرة ما دار ضدها من مناقشات حادة. ولما حصله التلاميذ من نتائج مخيبة للآمال. لأن هذه الطريقة تحتاج إلى مدرسين من ذوي الكفايات العالية، وهم في الواقع قلةٌ وغير متوافرين. كذلك وجد الدارسون أن هذا الأُنموذج التدريبي ممل ويفقد التلاميذ اهتمامهم وانتباهم، وحتى المتحمِّسين منهم. إنّ نظريات السلوكيين والفطريين في التعلّم، يلعب فيها الدارس دوراً فعّالاً فيما يدرسه ويتعلّمه منها. وأمام هذه المناقشات بدأ بناء الطريقة السمعية- البصرية ينهار، وبالأخصّ فيما يتعلّق بالاعتقاد بتراجع ضبط عملية التعلم من الخارج. وقال ديكن (Dakin,1973):
" ومع أن المدرس يمكن أن يضبط المختبرات التي يمكن أن تعرض على المتعلم إلاّ أنّ المتعلّم هو الذي يختار ما يمكن تعلمه منها". إلس(Ellis,1992).
ويرى الباحث أنه على الرغم من الانتقادات الحادة التي واجهت هذه النظرية إلا أنه إذا أحسن استغلالها، وتوافر لها المدرّسون المخلصون، يمكن الاستفادة منها في تعليم اللغة العربية.
وفي مدارسنا يمضي الطالب جميع المراحل الدراسية بالتعرض لمهارتي القراءة والكتابة، مع العلم أنه بأمس الحاجة إلى مهارتي الاستماع والكلام. إننا نادراً ما نجد مدرساً يطبق في تعليم دروس اللغة العربية أو غيرها مهارتي الاستماع أو الكلام. ومن هنا نلاحظ أن بعض طلابنا حتى المختصين بدراسة اللغات الأجنبية، يتخرجون من الجامعات وهم ما زالوا يعانون من الضعف في هاتين المهارتين وحتى في لغتهم الأم.
إن الطريقة الحديثة في تعليم اللغات تركِّز تركيزاً شديداً على هاتين المهارتين ومهارة الكلام أو المحادثة بشكل خاص، وإلا ما الفائدة من تعلم لغة نعرف الكثير من قواعدها وأدبها ولا نستطيع التحدث بها بطلاقة.
يرى فرانك مارشند(Franc Marchand, 1970) أنه ينبغي تحقيق هدفين من خلال دروس المحادثة، وهما أن يحاول الدارس أن يتدرب على الكلام ما أمكنه ذلك، وأن يتدرب منذ البداية على الكلام بالشكل الأفضل. أما دور المدرس فيكون التشجيع ويلي ذلك مرحلة التصحيح للخطأ حال وقوعه، وعلى المدرس عند التصحيح أن يتسم باللين واللطف، وفي المرحلة التالية يفسح المجال للدارس أن يصحح خطأه بنفسه. ومن هنا يمكننا القول إن أي تدريس في مجال اللغات لا يعطي الفرصة لتنمية مهارة التعلم الذاتي، هو تعلم ناقص لا بل فاشل، وإن التدريس الفعّال هو الذي يزود الدارسين بالمهارات اللازمة لهم في هذا العصر عصر التفجر المعرفي وتدفق المعلومات والانتشار السريع للثقافات على اختلافها، والتي لا يلم بها أو يدركها مخلوق. لذلك فإن مهارة التعلم الذاتي المستمر أمر يفرضه الواقع ومقتضيات العصر، والتعلم اليوم أصبح خارج أسوار المدرسة أكثر منه في داخلها.
واليوم هناك القليل من علماء النفس واللغويين ممن يؤيدون سكنر تأييداً كاملاً، إلا أنّ بعض علماء النفس استفادوا من نظريته وحاولوا توسيع قاعدتها لتكون مقبولة أكثر وذلك بتعديلها، وأطلقوا عليها نظرية الوسيط ( Mediation Theory). وطورها بافلوف بدوره إلى ما يعرف بنظرية التواصل(Contiguity Theory) والمقصود بذلك أن يكون المثير اللغوي كلمة أو جملةً يستلزم استجابة غير مباشرةٍ وهو ما يطلق عليه المثير الذاتي ( Self- Stimulus) وعلى أيِّ حالٍ فقد تركت مدرسة علم النفس السلوكي عدداً من الأسئلة التي لم تستطع الإجابة عنها بخصوص اللغة. براون (Brown, 1987) وكذلك باندورا (Bandura,1977): " فقد انتقدت سكنر لفشله في أن يتعامل مع المثير الحسي للناس ومع قدرات التنظيم الذاتي".
وقد استعملت هذه المدرسة استراتيجية الحوافز والمكافآت الخارجية لزيادة الدافعية للتعلم. وقد نجحت بشكل محدود، إلاّ أنّه مع تقدّم العلم في هذه الأيام فقد حدثت تطوراتٌ كبيرة فيما يخص الدماغ والأعصاب، مما يشجع على دراسات جديدةٍ. فقد دلّت نتائج أبحاث ديسيفالي وزملائه (Decivalle and Others,1991) وأبحاث كوهن (kuhn,1993 ):
أن هناك فرقاً كبيراً بين استجابة الدماغ البشري للمكافآت على الأفعال البسيطة واستجابته عليها لحلّ المشكلات المعقدة. فالمكافآت قصيرة المدى يمكن أن تثير استجابة مادية وجسمية بسيطة وأما القضايا الصعبة فإن المكافآت المادية لا تنفع بل قد تكون ذات أثر ضار ومعاكس.
إن جميع علماء النفس يناقشون الحوافز والمكافآت والسلوك من الناحية الظاهرية، بعكس علماء الأعصاب الذين ينظرون إلى الموضوع من الداخل ويتساءلون: ماذا يُجرَى بالدماغ؟ فهم يرون أن الدماغ ذاتي التشغيل فيما يتعلق بالمكافآت. أي أنّ لديه جهاز مكافآت داخلياً يثيب الشخص على النجاح ويعاقبه على الفشل. وتسمى المكافآت التي يصرفها الدماغ " المهدّئات". وتنتج هذه المهدئات أثراً يشبه أثر المورفين أو الكحول أو النيكوتين أو الهيروئين أو الكوكائين. ويقع جهاز المكافآت وسط الدماغ ويسمى جهاز مكافآت ما تحت السرير البصري (Hypothalamus Reward System) حيث يوجد فيه قسم لإنتاج المواد التي تشعرك بالابتهاج أو اللذة عند النجاح. (Al- Harithi, 2001).
كما دلت بحوث نيل((Neilعلى أن الحوافز المادية قد تفيد في كثير من الأحوال لكنها ليست فعالة مع جميع التلاميذ(Jansen, 1998).
أما مارينا برت وهايدي دوليه (Burt and Heidy Dulay,1977) فتريان أن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل تقوم بدورٍ مهمٍّ في تعلم اللغة:
" إن البيئة الطبيعية للغة تكون ذات أهمية إضافية حينما يكون تركيز المتكلم على التواصل اللغوي لا على اللغة نفسها. ففي الحديث بين شخصين تكون المحادثة طبيعية، وكذلك ينساب تبادل الألفاظ بشكل طبيعي. إن المشاركين في تبادل الحديث يهتمون بتبادل المعلومات والأفكار، وفي الوقت نفسه يستعملون أبنية اللغة، ويحدث ذلك علمياً دون وعي أو إدراك لبناء الجمل الذي يستعملونه".
إن الكاتبتين مصيبتان فيما ذهبتا إليه، ويؤكد بنجامين وورف Benjamin and Whorf,1956)) ذلك بقولهما: " إن التراكيب والعلاقة التي نستعملها لكي نفهم العالم، تأتي من داخل لغتنا الخاصة، وهكذا فإن المتكلمين للغات مختلفةٍ، يفهمون بطرق مختلفةٍ، وعليه فإن اكتساب اللغة، يعني التعلم كيف نفكِّر، وليس كيف نتكلم".
وتقول مارينا بيرت وهايدي دوليه(Burt& Heidi Dulay1981):
لقد حاولنا أن نضع المتعلم والبيئة معاً لتقديم حقائق حول تعلم اللغة تكون قابلة للتطبيق في الغالب، وتوصلتا إلى النتائج الآتية:


1- البيئة الطبيعية ضرورية للاكتساب الأمثل للغة.
2- يجب أن يكون الاتِّصال اللغوي بمستوى حصيلة الطفل اللغوية.
3- أن تكون اللغة المستعملة مفهومة للمتعلّم.



ولعالم الاجتماع العربي ابن خلدون رأي في تعليم اللغة، فقد قال في معرض كلامه عن انتقال الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل، وذلك في فصلٍ عنوانه: "إنّ اللغة ملكة صناعية":
"فالمتكلم من العرب حيث كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيُلَقَّنُها أولاً، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفةً راسخةً ويكون كأحدهم، هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال.
وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم إنه لمّا فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادهم أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى" .(المقدمة،320).
ويقول في مقام آخر:" وكلٌّ منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده، والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائرٍ لهم، كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد، وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة..".(المقدمة، ص322).
يرى ابن خلدون أنَّ الملكة صفة راسخةٌ، ولا تتحقق وتحصل هذه الصفة إلا بتكرار الأفعال. ومفهوم الملكة عند ابن خلدون هو قدرة المتكلم على امتلاك ناصية الكلام. ومن قراءة هذا النص لابن خلدون ندرك أن آراءَه سليمة وترتكز على قواعد علمية صحيحة، ولا تبتعد كثيراً عن النظريات الحديثة.
ففي النص الأول عدة عوامل وتعتبر أساسية في تعلم اللغة وهي:
- العامل الأول: التكرار وهو مهم في اكتساب اللغة وفهم تراكيبها ومفرداتها. ويجب أن يتم التكرار في مواقف طبيعية، وفي مواقف حيوية، وأن يبنى على الفهم والإدراك للعلاقات والنتائج وإلا أصبح من دون الفهم مهارةً آلية لا تساعد صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة.
- العامل الثاني: البيئة الصالحة لتعلم لغة ما، هي البيئة الطبيعية أي الاختلاط بأصحاب تلك اللغة الفصيحة حتى يستقيم اللسان.
- العامل الثالث: الاختلاط بالأعاجم يفسد اللغة، لذلك اشترط ابن خلدون أخذ اللغة بالاعتماد على التراث اللغوي والاختلاط بأهل اللغة وكان يقصد العرب الفصحاء.
- العامل الرابع: وجوب التقليد والاقتباس في بدايات تعلم اللغة، ثم تأتي مرحلة الاعتماد على ما وعاه وحفظه واستعماله في مواقف جديدة.
وفي النص الثاني يقرر ابن خلدون حقيقة علمية أخرى، وهي أن اللغة قد يصيبها التغيير، وتتبدل وتتطور تبدل الكائن الحي وتطوره سلباً أو إيجاباً، وأن العوامل الاجتماعية تتأثر بالبيئة وبالتالي تكون عاملاً من عوامل الصراع بين اللغة ومحيطها فإما أن تنتصر اللغة أو تنهزم.
وهناك عوامل وردت في المقدمة، لا مجال لذكرها. ومن مطالعة آراء ابن خلدون نلاحظ التوافق العجيب بين رؤيته التربوية للغة ودورها وأسس تعليمها ومدى مطابقتها للأسس النفسية والتربوية والنظريات الحديثة. فنظرية ابن خلدون في اكتساب اللغة تأخذ موقعاً متميزاً بين معظم النظريات، فقد أتى مقارباً لبورهوس سكنر وجون واطسون من السلوكيين، وفيجوتسكي من التفاعليين، وميللر ونعوم تشومسكي من العقليين وبقية أنصار الاتجاه التوليدي التحويلي.
كما أثبتت الدراسات التي قامت بها كارول (Caroll,1967) على (2784) طالباً يدرسون اللغات الأجنبية بالجامعات الأمريكية، وهم يدرسون اللغات الفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية. تقدموا جميعهم لامتحان الكفاءة الخاص بجمعية اللغات الأجنبية الحديثة (M L A ) وتشير الدراسة إلى أن هناك علاقةً قويّةً بين الوقت الذي قضوه ببيئة البلد المضيف في الخارج ونتيجة الامتحان. أي أنّ الأشخاص الذين درسوا سنة أكثر من غيرهم كان تحصيلهم العلمي أفضل، من الذين أمضوا عطلة الصيف في الخارج سياحاً وضمن فصولٍ معدّةٍ لذلك.
وتوصل ريتشارد تكر(Tucker, 1977) إلى النتائج نفسها التي توصلت إليها كارول(Caroll)، وقد كتب تكر تقريراً عن دراسة أجريت حول تدريس اللغة الإنجليزية بالفلبين، " أشارت النتائج إلى أنّ الكفاءة باللغة الإنجليزية تعود مباشرة إلى استعمال اللغة الإنجليزية وسيطاً في التعليم" لعدة سنوات. ويؤكد برستول (Burstall,1975):" أن الاتصال بثقافةٍ أجنبيةٍ يبدو أنه ينمّي رغبة كبيرة لدراسة هذه اللغة الأجنبية، وذلك عن طريق الزيارات أو غيرها".
أمّا كراشن (Krashen,1981) فيقول: " إنّ هدفنا أن نضع التلميذ بالمكان الذي يساعد في تحسين لغته معتمداً على نفسه وذلك بوضعه ببيئةٍ طبيعيةٍ لأننا لا نستطيع أو نتوقع أن نحصّل مستوىً جيداً من الكفاءة في الفصل وحده".
ولذلك يلاحظ أن الطلاب الذين يدرسون في البلاد الأجنبية، ويعيشون مع عائلات تلك البلد يكونون أسرع من غيرهم في إتقان اللغة.

وهناك العديد من النظريات الحديثة يمكن تصنيفها ضمن النظريات البيئية، ومنها نظرية شومان، وهي قائمة على دراسة قام بها شومان (Schumann, 1975) موّلتها جامعة هارفرد، ولها أهميةٌ خاصةٌ حيث إنها تفسرّ كيفية اكتساب المهاجرين البالغين اللغة المستهدفة.
وهذا الأُنموذج قائمٌ على افتراض أن هناك رابطاً يصل بين "التثاقف" واكتساب اللغة الثانية(SLA). إنّ نظرية شومان(Schumann,1978b) القائمة على التثاقف(Acculturation Model) تتضمن فرضيته الأساسية والتي يقول فيها: "إنني أحب أن أناقش بأن هناك مجموعتين من المتغيرات: العوامل الاجتماعية والعوامل النفسية واللتان تلتقيان لتشكلا متغيّراً واحداً، وهو المتغيّر الرئيسي المؤثّر في اكتساب اللغة الثانية. واقترح أن نطلق على هذا المتغيّر المثاقفة(Acculturation) وأعني بذلك أن تتوحد العوامل الاجتماعية والنفسية لدى الفرد مع مجموعة اللغة المستهدفة. أقترح كذلك أنّ أيّ متعلّمٍ يمكن أن يتعرّض لسلسلةٍ من العوامل الاجتماعية والنفسية تتسع أو تضيق مع متعلّمي اللغة المستهدفة(TL) وعندها فقط يمكن أن يكتسب المتعلّم اللغة حسب " المثاقفة" التي حققها".
إن نظريـة شومـان كما نرى قائمة على بعدين: البعد الاجتماعي وهو ما يطلق عليه "Socical Distance" والبعد النفسي ويطلق عليه "Psychological Distance ". ففي البعد الأول يرى أنه كلما زادت المسافة واتسعت الفروق الاجتماعية بين المجموعتين قلّت درجة تعلّم اللغة، وكلما تقاربت أنماط الحياة الاجتماعية أو تشابهت زادت درجة تعلم اللغة واقترب المتعلّم من إتقانها. وكذلك الحال بالنسبة للبعد النفسي، فإذا كانت الحالة النفسية جيدة زاد تفاعل الفرد وانخرط نفسياً مع المجموعة المستهدفة، وزادت الرغبة عنده في تعلم اللغة وإتقانها والعكس صحيح.
وتؤيد نظرية شومان النتائج التي توصلت إليها وونغ فلمور Wong Fillmore, 1976)) فهي تقول: إن اندماج المجموعة التي تدرس اللغة المستهدفة مع بعضها بعضاً يؤثر على المجموعة نفسها ويفقدها الاتصال أو التعاون مع المجموعة الأخرى. ذلك لأن هذا الاندماج يعطي الفرصة للمجموعة أن تتواصل بلغتها الأم، وبالتالي تبتعد المجموعة الأخرى التي لم تتواصل بلغتها الأم بل تواصلت باللغة الثانية، وهذا واضحٌ جدّاً في المجموعات ذات الخلفيات المختلفة في صفوف تعلم اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ في الولايات المتحدة، حيث يشكلون مجموعات ويمضون وقتهم يتكلمون مع بعضهم بعضاً خارج الفصول بلغتهم الأم. ويمكننا أن نطلق على المجموعات أو المجموعة التي تنفصل عن المجموعة الرئيسة (الجماعة اللغوية) أو الجماعة الكلامية. ولتوضيح ذلك يعرف هدسونHidson, 1990)) الجماعة اللغوية: على أنها مجموعة اجتماعية قد تكون أحادية اللغة(monolingual) أو متعددة اللغات (multingual) تتماسك جماعة واحدة من تواتر أنماط التعامل الاجتماعي، ويفصلها عن الجماعات الأخرى في المناطق المجاورة ضغط "خطوط الاتصال".
ويرى شومان أن هناك ثلاث استراتيجيات يمكن أن تتبنّاها أيُّ مجموعة تتعلم اللغة: الهضم(Assimilation) والمحافظة(Preservation) والمثاقفة (Acclturation) فإذا ما رغبت مجموعة في هضم اللغة المستهدفة وتمثلها، فستتخلّى عن ثقافتها وتتبنّى ثقافة مجموعة اللغة المستهدفة بما في ذلك لغتها (الهضم). المحافظة وتعني أن المجموعة- التي ستدرس اللغة الثانية- ترفض ثقافة اللغة المستهدفة وتتمسك بثقافتها. أما التثاقف فقد سبق أن تحدثنا عنه حيث إن تشابه الثقافة بين مجموعتين يسهل الاندماج بينهما ويساهم في تعلم اللغة المستهدفة.Izzo,1981)) .
ويؤيد ما ذهب إليه شومان دراسة قام بها كلٌّ من كلاين ودتمار Klien and Ditmar,1979)) فقد أجريا دراستهما في ألمانيا على عدد من العمال الأجانب، 95% من هؤلاء العمال لم يحضروا درساً في تعلم اللغة. وكان عدد من طبقِّت عليهم الدراسة(48) عاملاً، وكلهم من الإسبان والإيطاليين، وكان هدف الدراسة معرفة العوامل التي تؤثر في تعلم اللغة. وخلصا من هذه الدراسة إلى أنَّ هناك ثلاثة متغيرات تُعتبر الأكثر تأثيراً في تعلم اللغة عند أفراد هذه العينة:



§ المتغير الأول: العمال الذين كانوا أكثر احتكاكاً بالألمان الأصليين، كانوا أكثر امتلاكاً واقتداراً باللغة. وأهم عاملٍ كان الاحتكاك أثناء وقت الفراغ.
§ المتغير الثاني: العمر، أي أنّ العمال الأصغر سنّاً كانوا الأكثر اتصالاً.
§ المتغير الثالث: الاحتكاك بالألمان أثناء العمل. أما طول الإقامة في ألمانيا فكان مهماً في السنتين الأولى والثانية، وحسب ما يعترض له العامل من عوامل اجتماعية.



وهناك دراسة أخرى تؤيّد شومان وهي دراسة يوجين ندا Nida, Eugene.1971)) وشملت بعض الأمريكان والإنجليز الذين يعملون في أمريكا اللاتينية، فوجد أن أفراد عينة الدراسة بعضهم يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً ومع ذلك كان لا يتكلم إطلاقاً إلاّ بالإنجليزية. وقد كان ضمن أفراد العينة محامٍ ويرافقه مترجم خاص، وكان المترجم الخاص يقوم بالترجمة للمحامي مع العلم أنّ المحامي يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً. وكان المترجم يمثل رمزاً للهيبة، مما ساعد على وضع الحواجز بينه وبين هؤلاء الأميركيين والإنجليز، مؤكداً على التفوق والكبرياء. ومن جهةٍ أخرى، إذا كانت هناك مجموعة تتعلم اللغة أقلّ مستوىً من المجموعة المستهدفة اجتماعياً، فسيكون هناك اتصال محدودٌ لتعلم اللغة، إلا إذا كانت هناك سلطة مسيطرة تفرضها. وأحسن الحالات لتعلم اللغة وانتشارها عندما تكون الجماعتان متساويتين اجتماعياً.
وفي الحالة الثانية يعني شومان( Schumann,1976b) أن اتجاهات ودوافع التلميذ تعتبر جزءاً مما سُمّي بالبعد النفسي. فمثلاً إذا كان إنجاز الطالب ضعيفاً في اللغة الثانية فهذا يعود إلى عوامل نفسية، ومنها رفضه تعلم اللغة الأجنبية، وأحياناً يرفض تعلمها نهائياً لأنه بتعلمه اللغة الجديدة يحدث له تغيّر جذريّ يمكن رؤيته من خلال تنكره لطبيعته وثقافته. ومهما يكن من أمر، فإن تعلم اللغة بشكلٍ ناقص أو غير كاف، يقف حجر عثرةٍ أمام الاندماج مع ثقافةٍ أخرى، ويعطي الفرد فرصة الاحتفاظ بهويته. من هنا كان للبعد أو الانعزال عن الآخرين وخاصة أصحاب اللغة المستهدفة أثر كبير في تثبيط المتعلم عن اكتساب اللغة الثانية المستهدفة لقلة معايشتها.
ويقول إيرل ستيفك (Earl Stevic, 1976): " هناك العديد من أشكال العزلة، العزلة بيني (أنا) وبين المعلم، وذلك لبعده عن ثقافتي الأصلية وبعدي عن الثقافة المستهدفة. والبعد أيضاً بيني وبين التلاميذ. وينشأ هذا الانعزال من الدفاع الذي نبنيه حول أنفسنا، وهذه الدفاعات التي نبنيها لا تسهّل التعلّم ولكن تثبطه، وإزالة هذا الحاجز يؤدي إلى الاندفاع لتعلم اللغة".
ويؤكد كلٌّ من فرنهام وبوشنر (Furnham and Bochner,1986):
أنّ اتجاهات المتعلّم نحو ثقافةٍ معيّنةٍ لها تأثير كبيرٌ على اكتساب اللغة الثانية، خاصة في مجال ما يسمى بـ" التثاقف". والمقصود بهذا المصطلح المسمّى بـ" Acculturation" أن يصبح متعلّم اللغة الثانية جزءاً من المجموعة الجديدة التي يقيم بينها ويدرس لغتها. أو بتعبير آخر هي تعديلات تطرأ على ثقافةٍ بدائيةٍ نتيجة احتكاكها بمجتمع أكثر تقدّماً. وشأن هذا الأُنموذج ((Acculturation شأن النظريات الأخرى في بداياتها، حيث ذهب بعيداً على اعتبار أنّ النجاح يعود إلى عوامل اقتصادية – اجتماعية، على الرغم من أنّ هناك عوامل أخرى عديدة تشير إلى أن اللغة تتعدى العوامل الاجتماعية والاقتصادية إلى العوامل النفسية التي تؤثر فيها تأثيراً كبيراً.
ويقول بوني نورتون(Bonny Norton,200) إنّ هذه النظرية تقوم على ثلاث فرضيات:
§ الفرضية الأولى:
التي تشير إلى أنه إذا كانت المجموعة التي تتعلم اللغة الثانية أدنى مستوىً من مجموعة اللغة المستهدفة، فإنها ستقاوم تعلّم اللغة الثانية.
§ الفرضية الثانية:
إذا كان أعضاء المجموعة التي تتعلّم اللغة الثانية، قد تنازلوا عن أسلوب حياتها وقيمها، وتبنوا طراز حياة المجموعة الثانية وقيمها، فإنّ اتّصالهم سيزداد بمجموعة اللغة المستهدفة ويزيد تشجيعهم على اكتساب اللغة ((SLA.
§ الفرضية الثالثة:
العلاقة بين مجموعة اللغة المستهدفة والمجموعة الدارسة لها تزداد إذا توافرت الاتجاهات الإيجابية بينهما مما يزيد من الرغبة والاستعداد لاكتساب اللغة الثانية.


إن نظرية شومان تلامس الواقع، فقد لوحظ أن الطلاب العرب الجدد والقادمين من أجل الدارسة في الولايات المتحدة، كان كثير منهم ينتظمون في فصول دراسية معدة لتعلم اللغة الإنجليزية. وأن هناك بعض الجماعات التي كانت متلازمة معظم الوقت مع بعضها البعض، داخل الفصول وخارجها، وترتب على ذلك أنهم كانوا من أكثر المجموعات تأخراً ومكوثاً في برنامج اللغة الإنجليزية، وذلك لعدم تفاعلهم مع مجتمع اللغة المستهدفة، وذلك للخلاف الشديد بين ثقافتيهما.
ويرى الباحث أن ما يراه شومان يتضاءل جميعه أمام رغبة الطالب الوافد بمتابعة دراسته في البلد التي أوفد إليه إذ إن خوفه من الفشل والخزي بين أهله وبني قومه يعد من أقوى الدوافع التي تسهل أمامه كل صعب، فتذلل كل عقبة.

النظريات التفاعلية(Social Interactions)
باستعراض النظريات السابقة نرى أنه لا توجد نظرية واحدة شافية لتفسير اكتساب اللغة الثانية. لذلك دمجت أكثر من نظرية معاً، وذلك لإيجاد تفسيرٍ أكثر قبولاً. ومن هذه النظريات نظرية فيجوتسكي(Vygotsky) الذي يرى أنّ أساس تعلّم اللغة يعود إلى التفاعل الاجتماعي، وهذا لا يتعارض مع أفكار السلوكيين أو الفطريين حول تعلّم اللغة. ولكن في هذه الأيام نرى العديد من علماء النفس يحاولون الجمع بين هذه الأفكار ودمجها، وذلك لتشكيل نظريةٍ مؤلفة مدمجةٍ أطلق عليها اسم التفاعل الاجتماعي (Social Interactions).
وهذه النظرية أوجدها تلميذ بافلوف ليف فيجوتسكي Lev Vygotsky,1962)) وأعاد صياغتها بالكلمات الآتية: " العلاقة بين الفكر والكلمة هو إنسانٌ حيٌّ".(Sc ovel, 2001) ويدور موضوع نظرية فيجوتسكي ضمن نطاق التفاعل الاجتماعي، حيث له تأثير قوي في تطور المعرفة. ويبسط فيجوتسكي (Vegotsky,1978) رأيه بقوله:
"إنّ أي عمل يتعلق بتطور الطفل الثقافي يظهر مرتين: مرةً على المستوى الاجتماعي مع الناس وبينهم، وأخرى على المستوى الفردي في نفسية الطفل وداخله (Interpsyclological)،(Intrapsychological)".
لذلك يعتقد فيجوتسكي أن الأقران عامل هام وأساسي لتطوير الفرد. إن كتاباته تؤكد دور العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية في المعرفة، كما أنه يجادل أن اللغة أهم أداةٍ رمزية وضعها المجتمع. ويقول لفرانكوسLifrancois,1994)): تنطوي نظرية فيجوتسكي على ثلاثة موضوعات، الأول: أهميّة الثقافة، والثاني: الدور الرئيسي للغة، والثالث وهو ما سمّاه فيجوتسكيمنطقة النمو والتطور)،أي((Zone of Proximal Growthand Development).
أي أن هناك فترة زمنية محددة لتطوير المعرفة، والتطور التام خلال هذه الفترة ZPD)) يعتمد على التفاعل التام خلالها. إن مدى التطور الذي تصله المهارات من خلال إرشاد البالغين أو بالتعاون مع الأقران يزداد أكثر مما لو كان وحده. إن نظرية فيجوتسكي ما هي إلاّ محاولة لإيجاد إنسان اجتماعي. كما أن نظريته هي عملٌ تكميليّ لأعمال باندورا (Bandura) حول التعلم الاجتماعي. إن نظرية فيجوتسكي هي إحدى النظريات العامة في مجال تطوير المعرفة، ومعظم أعماله الأساسية أجريت في سياق كيفية تعلم الأطفال اللغة ( (Vegotsky, 1962 وعليه فإن التطبيقات على هذه النظرية هي في ازدياد واتساع. ((Wertsh, J.V.,1985
وترى إلس( (Ellis,1997 أنّ لهذا الأُنموذج تأثيراً كبيراً في مجال اكتساب اللغة الثانية.
وتمتاز النظريات التفاعلية بوجهات نظرها المختلفة فيما يخص تفسير عملية اكتساب اللغة الثانية. لذلك نرى أنّ جفون(Givon 1979,1984) على سبيل المثال، يعتمد النظرية التصنيفية الوظيفية (Functional- Typological Theory) المبنيَّة على دراسة النحو الوظيفي وتغيّر اللغة تاريخيّاً.
أما هاتش(Hatch, 1978) وآخرون فقد اعتمدوا نتائج البحث الاجتماعي والمعرفي وتحليل الخطاب اللغوي(Discourse Analysis) لتفسير اكتساب اللغة، بينما اعتمد غيرهم على نتائج دراسات علم النفس اللغوي والمعرفي للتوصل إلى قواعد تفسير اكتساب اللغة Pienemann and Johnston,1987) ) ويعتبر هاتش (Hatch,1983) وكثيرون من مؤيدي نظرية التفاعل (Theories of Discourse) التي تهتم بالتفاعل مع الآخرين في تعلّم اللغة. فعلى سبيل المثال بناء الجمل يتصوّر بالمحادثة. وقد ذكر فيجوتسكي ((Vygotsky أن جميع العمليات المعرفية بما فيها موضوع اللغة تبدأ من التفاعل الاجتماعي.
ومن أنصار هذه النظرية سوزان غاص وسلنكر (Gass and Selinker,2001). فقد قاما بتفسير طبيعة المدخلات التي تجعلها مفهومة، وأن تكون موصولة مع المخرجات بالتفاعل الاجتماعي.

النظريات الفطرية:



يعتقد أصحاب المذهب السلوكي بأن اكتساب اللغة يتحقق عن طريق البيئة الاجتماعية، وأن عقل الطفل صفحة بيضاء نقية تستقبل ما يرد عليها من الصيغ والعبارات، وأن اللغة هي المخزن الذي يلجأ إليه الطفل عند الضرورة لكي يختار العبارات والكلمات، إلا أن النقلة النوعية والتطور الذي يحصل على اللغة على يد تشومسكي، كان مخالفاً لما تعارف عليه السلوكيون نحو اللغة.
ولذلك فإن تفسيرات أصحاب النظريات السلوكية لكيفية اكتساب اللغة الثانية، وعدم دقتها ووضوحها، قادت الباحثين إلى إيجاد أُنموذج بديل، حيث وجه الباحثون انتباههم صوب العوامل الفعلية التي تشكل التعلم. إنهم لم يذهبوا بعيداً، حيث شهدوا نقلةً في التفكير في مجال علم النفس واللغويات، فرأوا أن الطبيعة تشكل العوامل البيئية للتعلّم. وركّزوا انتباهم ليس على الطبيعة فحسب وإنما على العوامل الفطرية التي تشكل التعلّم، وأطلق على هذه النظرية نظرية العقليين أو الفطريين. وركزوا على الطبيعة(Nature) أي كيف أن القدرات النظرية التي يملكها العقل البشري تشكل التعلم. وهذا الأُنموذج أطلق عليه النظرية الفطرية.
وهذا يعني أن اللغة ليست سلوكاً يكتسب بالتعلم والتدرب والممارسة فحسب، كما يرى السلوكيون، بل هناك حقائق عقلية وراء كل فعل سلوكي، أي أن اللغة تعد تنظيماً عقلياً معقداً لأنها أداة تعبير وتفكير في آنٍ واحد. (Chomsky, 1981).


يشير لينبرغ (Lennberg,1962 ) إلى أهمية الجوانب البيولوجية في نمو اللغة؛ فهو يخالف السلوكيين وينكر مبدأ التعزيز المسيطر على النمو. ويستشهد لينبرغ على ذلك بقوله: إن القدرة على الكلام والفهم لدى الطفل ليست نتيجة التعزيزات الخاصة التي يتلقاها الطفل بعد الكلام، وذلك لأن الطفل إذا ما وصل إلى سن النضج فإنه يستطيع الكلام بالتعزيز أو من دونه.
وأنصار هذه النظرية يعتقدون أن تعلم بعض أوجه اللغة أمر فطري. وهم فريقان: فريق يطلق عليه((General Nativism والفريق الآخر ويطلق عليه(Special Nativism).
يرى الفريق الأول أنه لا توجد آلية لتعلم اللغة، ولكن توجد مبادئ عامة لكنها ليست خاصة باللغة وحدها، بل يمكن استخدامها في أنماط التعلم الأخرى ((Eckman, 1996 .
أما الفريق الثاني فيفترضون أن هناك نظريات خاصة متعلقة بتعلم اللغة، وهناك مبادئ أو أسس خاصة ومحددة تحكم تعلم اللغة، وليس لها أي علاقة بأي معرفة غيرها.
إن الفريقين يريان بأن شيئاً فطرياً يتعلق باللغة موجود في داخلنا ولكن السؤال يدور حول طبيعة هذا الجهاز! سوزان قاص ((Gass,2001وبالنسبة لهذه النظرية فإن:
1-الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تعلم اللغة.
2-العقل البشري مزود بقدرات لتعلم اللغة، يطلق عليها جهاز اكتساب اللغةLanguage Acquistion Device)).
3-هذه القدرات هي العوامل الأولى في اكتساب اللغة.
4-هذه القدرات ضرورية، ولكن فقط من أجل تشغيل عمليات جهاز اكتساب اللغة وتحريكه.
ورأى تشومسكي (Chomsky,1959) أن الأداء اللغوي (Language Performance) هو ممارسة اللغة والتدرب عليها، وأن هدف الدراسة اللغوية هو معرفة الكفاية اللغوية (Language Competence) بالواقع العملي. ولا يمكننا الوصول إلى هذه القواعد أو الأسس إلا عن طريق الكلام الخارجي المحسوس. كما أن لكل بنية لغوية أو قالب لغوي بنيتين إحداهما تحتية، والأخرى فوقية، ولا يمكن الوصول إلى البنية التحتية إلا بوساطة الفوقية.
ويعلق جفري سامسون(Samson, 1998) على رأي تشومسكي بقوله: "ومن أكثر سمات منهج تشومسكي في دراسة اللغة تأثيراً هو التمييز الذي يقيمه بين القدرة اللغوية والأداء اللغوي أو الممارسة، وهو استرجاعٌ للتمييز بين المقدرة والكلام عند سوسير، وتشومسكي نفسه لا يفرق بين المقدرة عنده والمقدرة التي تحدّثَ عنها سوسير. وأجابت هذه النظرية عن بعض الأسئلة المتعلقة باكتساب اللغة، وأطلق عليها اسم((Natives Approach. وهذا المصطلح مشتقٌّ من قاعدة أساسيةٍ هي أن اكتساب اللغة أمرٌ حاصلٌ فطرياً، حيث نولد ولدينا الميلُ لاكتساب اللغة المحيطة بنا.
وبالمناسبة فإن مصطلح " الكفاية اللغوية" الذي ورد ضمن نظرية تشومسكي، عرفه ابن خلدون قبله بمئات السنين تحت مسمى" ملكة اللسان". ومعلوم أن علماء اللغة العرب لم يحاولوا أو يتنبهوا " لتأسيس المصطلح وتقعيده"، ولكنه ليس غريباً عنهم.
ويقول دوجلاس براون(Douglas Brown, 1987):
" إنّ الأطفال يولدون ولديهم الفطرة لتعلم اللغة، وهذه القدرات الفطرية موجودة لدى جميع أفراد النوع البشري" (LAD ).
لذلك نلاحظ السرعة الزمنية التي يكتسب فيها الطفل لغته الأم بشكل لافت للنظر. ففي زمن قصيرٍ يتقن الطفل لغته الأم من دون أن يبذل جهداً متعمداً يذكر في التعرض لها. ففي أغلب الأحوال يلم الطفل -أيُّ طفل-ٍ بالبنى الأساسية للغته، وإدراك العلاقات الوظيفية الأساسية القائمة بين الكلمات في الجمل، وامتلاك القدرة على الكلام وهو في سن لا تتجاوز السادسة وهذا يدعونا إلى التسليم بأن الأطفال يولدون وهم مزودون بأسس بيولوجية خاصة بالجنس البشري تضبط عملية اكتساب اللغة.
إن كل الجهود التي يقوم بها اللغويون أو العاملون في مجال تعليم اللغة تذهب سدىً إذا لم نعرّض الطفل بما فيه الكفاية للغة المستهدفة (Target Language). وهذا ما نفتقده ونحن بأشد الحاجة إليه عند تعليمنا لغتنا العربية الفصحى. فنحن نتعرض يومياً وفي كل لحظةٍ إلى لهجاتنا المحلية، وهي قد تبتعد عن اللغة الفصحى أو تقترب منها حسب المكان الذي نعيش فيه لذلك فجهودنا التي نمضيها في المدرسة لتعلُّم اللغة المكتوبة أي الفصحى على مدار سنوات الدراسة لا تشفع للدارس بأن يتكلم عدداً محدوداً من الجمل بلغته الفصحى، وذلك لقصور معجمه السمعي، نظراً لسيطرة اللهجة المحلية وحيازتها القسط الأكبر من معجمه. ويؤيد هذه الفرضية الفطرية من جوانب متعددة لينبرغ Lenneberg, 1967)) حيث يرى: " أنّ اللغة نوعٌ من سلوكٍ محدودٍ " Species-Specific ) وأنّ هناك أنواعاً من الملاحظة الحسية، تصنّف القدرات والأدوات الأخرى المتعلقة باللغة وهي محددة بداخلنا سلفاً".
أمّا نعوم تشومسكي (Chomsky, 1965) فيرى أنّ: " القوة المركزية التي تقود إلى اكتساب اللغة، هي جهازٌ محدد موجودٌ بداخل دماغ الإنسان"، أي أن تشومسكي يرى أن المبادئ الأساسية الفطرية الموجودة في الدماغ تحكم جميع اللغات البشرية وتقرر ما يمكن أن يُؤخذ منها عند الحاجة. ومن هنا فإن تشومسكي يرفض رفضاً قاطعاً النظرية السلوكية القائمة على مبدأ التقليد، لأن هذه النظرية من وجهة نظره تسوي بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني الذي امتاز عن سائر الكائنات بامتلاك اللغة.
وقبل أن يصل أصحاب النظرية التوليدية إلى سلّم الشهرة خلصت جين بيركو Berko, 1958) Jean) من تجربتها إلى أنّ الطفل يتعلم اللغة ليس على شكل وحداتٍ غير مترابطةٍ ولكن يتعلمها كلاً موحداً. بمعنى أن الإنسان مزوّد فطرياً بالقدرة على تعلّم اللغة بغض النظر عن العوامل البيئية والخلفية اللغوية والبيولوجية وغيرها من العوامل الأخرى. وهو ما يؤكده أنصار هذه النظرية بأن جميع البشر لديهم القدرة ذاتها على اكتساب اللغة ويمتلكون عموميات اللغة (القواعد النحوية): ويطلق على ذلك النحو الكوني " Universal Language".
وهذه العموميات تقع تحت نظرية تسمى: فرضية الرتبة الوظيفية (The Natural Order Hypothesis) وهي إحدى فرضيات اكتساب اللغة الثانية عند كراشنKrashen)). الذي يرى أن اكتساب اللغة يُكتسب ويمكن التنبؤ به وهو متشابهٌ في اللغة الأم(L1) وفي اللغة الثانية(L2) . وأثبتت الدراسات أن دارسي اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ على اختلاف لغاتهم، وقعوا بالأخطاء نفسها بغض النظر عن خلفياتهم اللغوية التي يمتلكونها. إن بعض هذه الأخطاء تشابه الأخطاء التي يقع فيها الأطفال عند تعلمهم لغتهم الأم((L1. وعلى أية حالٍ فإن النقد الموجّه لهذه النظرية، هو أن الدراسات التي أجريت بصددها محدودة، فهناك عدد قليلٌ من الأخطاء النحوية التي تم رصدها ودراستها وتحليلها. والمشكلة الأخرى هي أن الباحثين وعلماء اللغة بشكلٍ عام لا يحيطون بجميع اللغات في العالم لكثرتها لذلك نجد أن نسبة ضئيلة منها تم بحثها ودراستها. كريستينا كونراد(Christina Conrad, 1978) .

نظرية القواعدالعمومية Universal Grammar لدى تشومسكي
إن عملية اكتساب اللغة الثانية((SLA تدين بعمق إلى فرع آخر من اللغويات وهي مرتبطة بقوة بنظرية نعوم تشومسكي " القواعد العمومية". يرى تشومسكي أن اللغة تحكم من قبل مجموعة من المبادئ الموجودة في كل لغة. فالأطفال يتعلمون لغتهم الأولى(L1) معتمدين على معرفتهم وهذه المعرفة التي كانت عند بداية تَشَكُّل هذه النظرية يُشار إليها بجهاز اكتساب اللغة الثانية (Language Acquisition Device) وباختصار (LAD) وهي ما تعرف الآن باسم عموميات القواعد (Universal Grammar) ومختصرها((UG. فنقاش تشومسكي يدور حول المدخلات (input) التي تعرَّف الأطفال عليها، وهي غير كافية لأن تجعلهم قادرين على اكتشاف قوانين اللغة التي يودون تعلُّمها
.
ومن هنا يرى اللغويون التوليديون التشومسكيون اكتساب اللغة الأولى باعتباره نشاطاً ومقدرة خاصين على نقيض معظم أشكال التعليم الأخرى، وهذا النشاط يعتمد على مكون معين موجود في المخ على نحو وراثي، وهو جهاز اكتساب اللغة(LAD) وهو بشكل محدد بجانب القواعد العمومية. وفي ضوء ذلك فإن اكتساب اللغة الأولى الذي ينجزه كلّ الأطفال الطبيعيين من دون ملاحظة غالباً ومن ودون تعليم منظم، يمتاز بشكلٍ محدد عن تعلم اللغة الثانية فيما بعد، وعن الدراسة المتعمقة في المدرسة للغة المرء الأولى، وهي عملٌ يباشره المرء بشكلٍ واعٍ ويتطلب تعليماً من الآخرين، أو هي على الأقل تعليم ذاتي متعمَّد
.((Robins,1997
وقد أثيرت الكثير من الأسئلة حول ما إذا كان اكتساب اللغة الثانية نتيجة عوامل بيئية أو عوامل عقلية تحكم المدخلات التي يُعْرَض عليها الدارس أو من عوامل عقلية داخلية والتي إلى حدٍّ ما تملي كيف يفهم الدارس البنى النحوية. إن اكتشاف الأُنموذج الذي يبيّن كيفية اكتساب المتعلم للغة هو واحدٌ من أهم النتائج التي تمّ التوصّل إليها. وهي تدعم النتيجة التي تمّ التوصل إليها عن طريق دراسة أخطاء الدارس الشائعة، أعني أنّ اكتساب اللغة الثانية يتسم بالتنظيم والعمومية ويعكس الطرق التي تحكم بها الآلية المعرفية الداخلية عملية الاكتساب، بغضّ النظر عن الخلفية الشخصية للمتعلّمين أو الموقف التعليمي. رود إلس (Rod Ellis,1995).

إنّ نظرة التشومسكيين نحو القواعد التحويلية تفترض أنّ المهمة الأولى التي يكتسبها المتعلّم بطريقةٍ فطريةٍ وبالتحديد هي اللغويات والمعرفة وعموميات القواعد. وهذا يعني أنّ هناك مبادئ ثابتة في العقل البشري محدّدة بيولوجياً إلى درجة معينةٍ ومختصةٍ في تعلّم اللغة. وقد صاغها تشومسكي على النحو الآتي: "عموميات القواعد هي مجموعة من البنى والشروط التي تشكل الحالة " الأولية" في تعلّم اللغة التي يرغب في معرفتها وتطويرها".
وهذه المبادئ اللغوية المجردة مهمة وتخضع لها جميع اللغات الطبيعية، وتشمل القدرة الرئيسة الأساسية للغة والتي يتمتع بها كل فرد، ووهبت لهم بشكلٍ موحّدٍ وبالتساوي. ونظرية عموميات اللغة لا تتعلق فقط باكتساب اللغة الثانية، إن تطبيق هذه النظرية في هذا المجال جاء من خلال أعمالٍ جديدةٍ لعددٍ من الباحثين في مجال اكتساب اللغة الثانية. وايت
(White,1985b).
إذا سلّمنا مع تشومسكي بوجود هذه المبادئ فهذا يعني أنه باستطاعة الفرد أن يكتسب أي لغةٍ بشرية ما دام يمتلك عموميات مشتركة موجودة لديه باعتبارها جزءاً من تجهيزه العقلي والفطري. وهذا يوضح لنا مدى أهمية تعلم اللغة شفوياً قبل تعليم القراءة والكتابة
.
وأجرى التشومسكيون دراسات معمقة وذلك في محاولة لتحديد خصوصيات اللغة (UG) وتحديد المبادئ المجردة للقواعد التي تخص مجموعات معينةٍ من اللغات البشرية. وتتألف نظرية عموميات القواعد من قوانين خاصةٍ ليست للغة خاصةٍ بعينها ولكن من مجموعةٍ من المبادئ يمكن تطبيقها على جميع اللغات. باري
Barry,p.82)) .
وهناك طرقٌ وبحوث متعددة أجريت في دراسة اللغويات بشكل عام وفي مجال اكتساب اللغة الثانية بشكل خاص. سوزان قاص
(Gass,1984).
فقام جرين بيرج (GreenBery,p.84) وتلامذته بتحليل معلوماتٍ تمثِّل أنموذجاً للغات العالم من أجل استنباط أنموذج عام. وهناك اتفاقٌ عامٌّ بين جميع اللغويين على هذه العموميات، والسؤال إلى أيّ مدى يمكن أن تختلف هذه اللغات في العموميات فيما بينها وذلك من حيث بناؤها. وركّزت دراسة جرين بيرج على العموميات المشتركة بين جميع اللغات، وعلى الاختلافات الحاصلة بينها
.(Comrie,1981).
وقد أطلق كومري((Comrie, p.84على العموميات المشتركة بين اللغات اسم Absolute universals)) ومثال ذلك وجود حروف العلة في جميع اللغات. تقول فيفيان كوك (****,1991 Vivian): إن أنموذج عموميات اللغة Universal Grammar)) هو أحد نماذج المعرفة الذي يؤكّد أهمية عقل الفرد في اكتساب اللغة الثانية. ويؤكد هذا النموذج أن اللغة جزءٌ من العقل، وقد اقترح تشومسكي هذا الأنموذج في عام 1980م. وقد طوّر أفكاره السابقة حول هذا الأنموذج في عام 1988م، ليتشكل ما يسمّى "الثورة المفاهيمية الثانية" (The second conceptual revolution) وقد استعمل هذا الأُنموذج(UG) ليفسّر كيف يتم تعلّم اللغة الثانية، وبالأخص من يهتمّون بتعلّم اللغة الثانية من رؤيةٍ لغويّةٍ.(P.113) وهناك عالم لغوي آخر سبق تشومسكي في الحديث عن القواعد العمومية وهو(Josef Greenberg) وأطلق عليها اسم التصنيف النوعي العام(Typological Universals) إلا أنَّ قصب السبق كان لمعاصره تشومسكي
.
وأجرى شمدت ((Schmidt,1998 دراسته على حالتين: الحالة الأولى، دراسة مفصّلة حول اكتساب اللغة لدى الكبار، وأجريت على شابٍّ يابانيٍّ عمره ثلاثون سنة ويقيم في أمريكا، والحالة الثانية، أجريت على طفلين مبتدئين في تعلّم اللغة الإنجليزية، أحدهما عمره عشر سنوات وهو برتغالي عمره إحدى عشرة سنة باكستاني الجنسية يتكلّم البنجابية، ولا يستطيع كتابتها. ودرس الطفلان في معهدٍ في لندن، وذلك من أجل تهيئتهما للانتقال إلى إحدى المدارس الثانوية المحلية
.



وخلصت الدراسة إلى ما يأتي:
أولاً: أثارت هذه الدراسة المهمة بعض الأسئلة حول كيفية اكتساب اللغة الثانية وكيفية تدريسها
.
ثانياً: أثارت قضايا تتعلق بوصف لغة المتعلّم
.
ثالثاً: أبرزت بعض المشاكل التي يمرّ بها الباحثون عند محاولتهم شرح عملية اكتساب اللغة
.
وكان من القضايا الأكثر أهمية في هذه الدراسات، ما إذا كان المتعلّم يكتسب اللغة بطريقةٍ منهجيةٍ منظمة(Accuracy Order) ويجب أن ننبّه هنا إلى أنّه ليس جميع الباحثين متفقين مع هذه النتيجة، بأن هناك نظاماً طبيعياً عاماً
. ( Universal Natural Order) .
ومن المنتقدين لهذه النظرية بلومفيلد حيث أكّد التحليل الشكلي المفصل للغات المختلفة، وهذا هو الذي حدد رأيه في العموميات اللغوية أو القواعد العمومية، بوصفها ممارسة استقرائية بشكل خالص يجب أن تتبع فقط على أساس المعلومات المتراكمة، من أعداد ضخمة من اللغات أكثر كثيراً مما تم إنجازه حتى الآن. من هنا كانت معالجته الرافضة بعض الشيء للموضوع بوصفها مخالفة لتحديد تشومسكي للقواعد العمومية، وذلك لأنها الفرضية المركزية لفهم بنية اللغة ومقدرتنا كلنا على أن نكتسب أو" ندخل في ذواتنا هذا النظام الغني المركب للقواعد من التعرض سنوات قليلة لكتلة عشوائية ومحدودة جداً من المادة اللغوية" .بلومفيلد
((Bloomfield,1935
ويرى كل من صمادي وعبد الحق(Sumadi & Abdullhug, 1998) أن الدليل على وجود هذه القواعد مستمدٌّ من مصدرين
:
أ‌-المصدر النظري Theory-driven وفيه يجادل تشومسكي بضرورة وجود معرفة لغويّة كامنة سابقة تفسّر سرعة اكتساب اللغة ومنطقية ذلك الاكتساب ضمن أطر ومراحل مطّردة
.
ويضيف تشومسكي بأن المؤثرات اللغوية الخارجية التي يتعرّض لها الإنسان لا تكفي، وغير ملائمةٍ وحدها لتفسير اكتساب اللغة وتوليدها وفق قواعد اللغة السليمة. وقد تمّ استخلاص القواعد العمومية بعد دراسة الخصائص اللغوية الخاصة بلغةٍ معيّنةٍ ولغاتٍ أخرى. فهي مبادئ مجردة تقيّد استعمال اللغة وتتألف من قواعد خاصة بلغةٍ معيَّنة وقواعد عامةٍ تشترك فيها كلّ اللغات الإنسانية، ومن الجدير ذكره أنها قواعد بسيطة محدّدة لكنّها تفسّر ظواهر لغوية معقدة
.
ب‌-المصدر التجريبي (Data-driven) ويهتم هذا المنحى بدراسة البنى السطحية للغاتٍ شتى لتحديد تباينها واختلافها واستخلاص قواعد خاصةٍ وعامةٍ بها تفسّر هذا التباين. جرين بيرج
((Greenberg 1966,1974.
ويلحظ تكامل المصدرين السابقين، حيث إن المصدر التجريبي يدعم المصدر النّظري بنتائج عمليةٍ واقعيةٍ كما أنّ الإطار النظري يساعد في تفسير هذه النتائج وفهمها. وهذا العجز يعزَى إليه ضعف المثير (Poor of the Stimulus). ومن وجهة نظر تشومسكي فالأطفال عادةً يتلقون دليلاً إيجابياً (Positive Evidence) حيث إنَّ آباءهم لا يصححون لهم أخطاءهم اللغوية
.
ولذلك اعتبرت المدخلات(input) مفيدة للتعليم، وبعبارة أخرى فإنها لم تقدم المعلومات الضرورية الرديفة للتعلم الناجح. وفي حالة اكتساب اللغة الأولى (L1) هناك مسألة منطقية، كيف يتعلم الأطفال بثبات القواعد الكاملة للغتهم الأم، عندما تكون المعلومات التي يحتاجونها غير متوافرة في المدخلات؟
الجواب عند تشومسكي، أن الأطفال يجب أن تكون لديهم معرفة سابقة لما هو ممكن أو غير ممكن من القواعد، وهذا يعود إلى ما وهبهم الله من امتياز في ذلك
.
ومن التطبيقات التربوية ذات الصلة بنظرية تشومسكي
:
1-كان لهذه النظرية أثر حاسم في تقدُّم تعليم اللغات، فإن ما قدمته نظرية تشومسكي يقع خصوصاً على مستوى التحليل اللغوي، فقد توصلت إلى فهم أفضل لطبيعة اللغة وعملها واللغات بصفة عامة
.
2-إن هناك نظاماً موروثاً لتوليد النحو، وهذا النظام أو الاستعداد الفطري ليس كافياً ولا يحقق مهماته إلا إذا عرّضناه لمادةٍ لغويةٍ في حدها الأدنى
.
3-كان تشومسكي يرى بأنه عند تدريس النحو يجب التمييز بين نوعين من النحو، النحو العلمي والنحو العملي أو النحو التربوي. أي اختيار نمط خاص يتكون من مادةٍ مختارةٍ من النحو العلمي المفصل على أن يطبق معايير تتوخى السهولة والفائدة العلمية. وهذه الطريقة تسهّل تدريس النحو وتحقق المنشود دون التعبير عنه صراحة
.
4-يقدم تشومسكي عرضاً مباشراً للبنية السطحية مع الإفادة في الوقت نفسه من الرؤية التحويلية
.
5-حذف قدراً كبيراً من المعلومات التفصيلية كي يناسب الاستخدام الوصفي.


الطريقة الوظيفية(Functional Approach):
ما زالت هناك بعض الأسئلة التي لم تستطع النظرية الفطرية الإجابة عنها، ولكن في أواخر الستينيات حدث تطورٌ في البحوث ولكن ليس بعيداً عن الجانب المعرفي أو التوليدي حيث إن توصيفه كان أفضل وأكثر عمقا. فالقوانين التوليدية التي اقترحت في إطار النظرية الفطرية كانت مجردةً وواضحة ومنطقية جدا. إنها تتعلق بشكل خاصٍّ في سطحية اللغة، وليس بالتعمق فيها، وهذا المستوى هو المعنى والإدراك والتفكير والعاطفة، جميعها تتداخل بعضها ببعض وتكون منظمة في البنية الفوقية لدماغ الإنسان. دوجلاس براون (Douglas Brown,1987). بالتعمق فيها، وهذا المستوى هو المعنى والإدراك والتفكير والعاطفة، تتداخل جميعها بعضها على بعض وتكون منظمة في البنية الفوقية لدماغ الإنسان. دوجلاس براون
(Douglas Brown,1987).
وأوضح لويس بلوم((Lowis, Bloom,1971 بشكلٍ لا يقبل الشك بنقده لقواعد اللغة، أنّ العلاقة التي تحدث بنطق بعض الكلمات الموجزة ظاهريا تكون متشابهة. إنّ بحث بلوم (Bloom) مع جين بياجيه (Jean Piaget) ودان سلوبن(Dan Slobin) وغيرهم، مهدت الطريق لموجةٍ من الدراسات الجديدة للغة الطفل، حيث تمّ التركيز آنذاك على الخلفية المعرفية للسلوك اللغوي. ولخص لويس بلوم (Lois Bloom,1976)هذا الانتقال بتأكيد أن هناك محاولتين قويتين رئيسيتين لتفسير كيفية تعلم الأطفال الكلام، فالأولى افترضت أن عملية تطور اللغة تعتمد مباشرة على طبيعة نظام اللغة، وبتعبير آخر على طبيعة مظاهر اللغة التي يجب أن تكون عامة وممثلة في الداخل، ويتوافر جاهز لتعليم هذه اللغة
.
والمحاولة الثانية، بروز دليل بدا واضحاً لدعم الفرضيات المختلفة التي تؤكد التفاعل الذي ينمِّي قدرة الطفل الإدراكية والمعرفية مع الأحداث اللغوية وغير اللغوية في بيئته
.
ويقول هربرت كلارك وإيف كلارك
(Clark,H.&Clark,E.1987):
إن تشومسكي أكد أنّ الطفل يولد ولديه ميلٌ ومعرفة فطرية باللغة، وأن هذه الخاصيّة الفطرية عامة لدى جميع الأجناس البشرية ويطلق عليهاLanguageAcquisition Device)) ووصف مكنيل (McNeil,1966 ) أنّ جهاز اكتساب اللغة له أربع خاصيات
:
1-القدرة على تمييز أصوات الكلام من الأصوات الأخرى في البيئة
.
2-القدرة على تنظيم الأحداث اللغوية في صفوفٍ مختلفة، ومن ثمَّ تصنيفها فيما بعد
.
3-التمكن من معرفة بعض الأنظمة اللغوية، وليس جميعها
.
4-القدرة على المشاركة في تقويم فوريٍّ لتطوّر النظام اللغوي، حتى أنّه يبسطها إلى أسهل نظامٍ ممكن، وذلك بوساطة البيانات
.
ويرى بيرت ودوليه
(Burt&Dulay.p,55 ):
أن ما نعلمه الآن أن الكبار والأطفال سيّان، يبدو أنّ لديهم القدرة على اكتساب اللغة في أيّ سن، ولكن إذا وجد شخصٌ لم يستطع اكتساب اللغة بنجاح، فإن ذلك قد يعود إلى متغيراتٍ طارئةٍ أو مؤثراتٍ خارجية، وليس بسبب هبوط قدراته الفطرية
.
يتبين لنا من هذه الدراسات اللغوية إنها جميعاً تندرج تحت موضوع مهم وجديد يطلق عليه " علم اللغة" (Linguistics). وهو يرجع في حقيقته إلى تشومسكي.

النظريات المعرفية:
تؤكد هذه النظريات دور العمليات العقلية الداخلية ودور السلوك الخارجي. وتهدف إلى تفسير ثلاثة جوانب للتعلّم:
1-كيف تؤسس المعرفة.
2-كيف تصبح المعرفة أوتوماتيكية أو تلقائية.
3- كيف تمتزج المعرفة الجديدة وتدخل في نظام التعلّم المعرفي. رود ألسEllis,1998)):





والنظريات المعرفية كانت نتيجة إجراء بحوثٍ مكثفةٍ حول الأثر الذي تتركه العمليات العقلية في التعلّم. وهذه خلاصة البحوث التي تمّ التوصّل إليها:
1- تزودنا النظريات المعرفية بمعلوماتٍ ملائمةٍ حول كيفية ضبط المتعلم في تحصيل اللغة الثانية واكتسابها. فالتدريب الحرّ يجعلنا قادرين على ضبط عملية التعلم، حتى تصبح أوتوماتيكية أو آلية، كذلك يحتاج المتعلم إلى فرصةٍ مناسبة، وذلك لتفعيل الإستراتيجيات من أجل تحصيل المعرفة.
2- تزودنا ببعض الرؤى حول كيفية إعادة بناء المتعلمين في اكتساب اللغة الثانية، من أجل جعلها قابلة للاستعمال في واجباتٍ متعددةٍ.
3-النظريات المعرفية غير قادرةٍ على تفسير تتابع الاكتساب للبنى النحويّة.
4- النظريات المعرفية غير قادرةٍ على تفسير الدور الذي تلعبه المعرفة الواضحة وكذلك لا تستطيع تفسير كيفية اكتساب اللغة الثانية عن طريق التعليم الرسمي.
وتعتبر هذه النظرية الأساس لأكثر طرائق التدريس الحالية، كونها انبثقت من بحوث وتجارب علم نفس اللغة "Psycholinguistics".
يرى ديفيد كرستال((David Crystal, 1998 أن الخيار الرئيسي ذا الأهمية هو اكتساب اللغة، ويجب أن ينظر إليه ضمن تطور الطفل العقلي. فالبنى اللغوية تنشأ فقط إذا كانت هناك قاعدة معرفية. فعلى سبيل المثال، قبل أن يستعمل الأطفال تركيب المقارنة " هذه السيارة أكبر من تلك السيارة"، يجب أن يطوّروا مفاهيمهم عن الحجم حتى يستطيعوا إعطاء حكم معقول.
وقد توصل العديد من علماء اللغة إلى أنّ هناك نوعاً من العلاقة موجوداً، ولكن الأكثر تأثيراً وأهمية ينشأ من أنموذج تطوير المعرفة المقترح من قبل جين بياجيه(Jean Piaget). إن عناصر المعرفة لدى بياجيه هي: الشخص ونشاطه أولاً، ثم الإثارات المحتملة من المحيط، وأخيراً آليات التفاعل بين هذا الشخص ومحيطه.(Sam Ammar,2002).
وعلى الرغم من أن نظرية بياجيه من أعظم نظريات المعرفة التي حاولت تفسير النمو المعرفي عند الأطفال، إلا أن هناك عدداً من الجوانب التي اتجهت نحوها انتقادات العلماء والباحثين. يقول بعض الباحثين: إن نظرية بياجيه قللت من قيمة القدرات العقلية لأطفال مرحلة ما قبل المدرسة وبالغت في الوقت نفسه في عمليات التفكير المجردة للمراهقين والبالغين. وقد تكون الطريقة الإكلينيكية التي اتبعتها وراء ذلك.((Abo Jado, 1998.
وهناك خلاف بين نظريتي بياجيه وتشومسكي، ومرد هذا الاختلاف يرجع إلى تصور طبيعة بنى المعرفة لا إلى وظيفتها. يرى تشومسكي أن هناك بنى خاصة بالاكتسابات اللغوية، وفطريتها مرتبطة بالطابع الفريد للغة البشرية. أما بياجيه فيرى أن بنى المعرفة عامة، وأنها تجد أساسها في بنى بيولوجية، ولكن لا توجد وراثياً. إنها بنية مخصصة لاكتساب الوظيفة البشرية النوعية التي هي اللغة Sam Ammar,2002)).
إن بياجيه يرفض مبادئ النظرية الفطرية وكذلك يرفض نظرية التعلم والاكتساب القائمة على التقليد. فاللغة بالأساس عند بياجيه هي عمل إبداعي، أما التقليد فله دور هامشي في اكتسابها. كما أن هناك خلافاً جوهرياً بين السلوكيين والمعرفيين حول دور العقل في اكتساب اللغة. فالمعرفيون يرفضون الرأي القائل بأن التعلم يحدث نتيجة لمؤثرات خارجية فقط، ويرفضون كذلك فكرة أن عقل الطفل صفحة بيضاء تؤثر فيها البيئة. أما المعرفيون فيرون أن اكتساب اللغة يتم بمهارات عقلية معقدة مرتبطة بكل من المؤثرات الخارجية. أما السلوكيون فيرون أن اكتساب اللغة يتم من خلال مهارات عقلية معقدة مرتبطة بكل من الذاكرة قصيرة الأمد "Short-Term Memory"، والذاكرة طويلة الأمد " Long-Term memory"Osaily,2003) )
وأجريت العديد من الدراسات لملاحظة العلاقة بين مراحل التطور المعرفي المقترحة من قبل بياجيه وبين المهارات اللغوية. وخلصت الدراسات إلى وجود علاقة عندما يكون عمر الطفل حوالي(18)شهراً. وعلى أي حالٍ من الصعب أن تظهر علاقة دقيقة بين سلوك معرفي محدد والعناصر اللغوية في هذه السن المبكرة. إن هذه القضية مثيرة للجدل وتزداد تعقيداً وخاصة كلما تقدم الأطفال معرفياً ولغوياً.
ومن وجهة نظر بياجيه فإن هناك وظيفتين أساسيتين للتفكير ثابتتين لا تتغيران مع تقدم العمر. وهما التنظيم (Organization) والتكيف. ((Adaptation. وتمثل وظيفة التنظيم نزعة الفرد إلى ترتيب وتنسيق العمليات العقلية، أما وظيفة التكيف فتمثل نزعة الفرد إلى التلاؤم والتآلف مع البيئة التي يعيش فيهاToug and Adas,1984) ).





ومن بعض المبادئ التربوية المستمدة من نظرية جين بياجيه ما يأتي:
1-ضرورة الاستفادة من أخطاء الطلاب في بناء مواقف تعلّميةٍ –تعليمية، نتجاوز بوساطتها جوانب الضعف في أدائهم.
2-إتاحة فرصة التفاعل بين الطفل وبيئته الطبيعية أو الاجتماعية يساعد كثيراً في تطوره المعرفي.
3-يجب علينا ألاَّ نصنف إجابات الأطفال عن أسئلتنا إلى إجابات صحيحة وإجابات خاطئة، لأن كثيراً مما نعتقده إجابات خاطئة، يعتبر صحيحاً بالإشارة إلى الإطار المرجعي لتفكير الأطفال.
4-يجب ألا نواجه الطفل بمشكلات تتطلب عمليات عقلية عليا تتفوق كثيراً على مرحلة تطوره المعرفي، كما يجب أن نوفر له الفرصة لممارسة النشاطات التي يؤهله نموه المعرفي لممارستها.
5-ضرورة بناء مواقف تربوية تتسم بالتحدي المعقول لقدرات الأطفال المعرفية، بحيث لا تصل مواقف التحدي هذه إلى درجة تعجيز الطلبة، وشعورهم بالتالي بالإحباط والفشل.
6-إن الطفل لا يفكر بالمستوى نفسه أمام جميع المواقف.
7-يلعب التفاعل مع الآخرين دوراً تعليمياً وتعلمياً بارزاً في المجال المعرفي الوجداني الاجتماعي.((Abo Jado,p.93-94.





وأجرى دريك بكرتن(Bickerton,1981) دراسة مهمة حول اللغات وخلص إلى أنّ هناك مجموعة من اللغات تربط فيما بينها أنماط لغوية وتطور معرفي، حيث افترض أن البشر هم" مبرمجون بيولوجياً" لاجتياز مرحلةٍ تلو الأخرى.


لم تتوقف الدراسات حول كيفية تعلم الطفل اللغة، وأجريت أبحاثٌ هائلة من قبل جميع أصحاب النظريات وأتباعهم. ففي مجال علم نفس اللغة قام روجر براون Roger Brown)) من جامعة هارفرد ودان سلوبن (Dan Slobin) من جامعة بيركلي بملاحظة سلوك الأطفال أثناء تعلمهم اللغة الأولى. وكان همهم البحث عن مدى صحة دليل تشومسكي "البناء العقلي" (Mental Structure) ومدى اتساقه في السلوك اللفظي في لغة المتعلمين.
ولقد تابعا حالة طفلين أحدهما عمره سنتان والآخر عمره ثلاث سنوات، وأبواهما حولهما وذلك لعدة سنوات، مستعملين أجهزة التسجيل، ليلمسا التعبيرات في المواقف المختلفة.
وجد عالما النفس اللغوي دليلاً قوياً، وهو أن بعض سلوك التعلم عام لدى جميع الأطفال بغض النظر عن اللغة التي يتعلمونها. وكانت هذه بداية جيدة لتأسيس وتطوير علم النفس اللغوي. ومعنى ذلك أنّ الأطفال الذين يتعلمون لغتهم أثناء طفولتهم، يستعملون أنواع البناء اللفظي نفسه، ويرتكبون الأخطاء نفسها، ولكن كل طفل بلغته.
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان إذ إن أي طفل في العالم يبدأ التفاعل والتناغم مع لغته " لغة الأم" إذ هي التي تبدأ تلقينه اللغة.




أُنموذج بيالستوك(Bialystok):
يعتبر بيالستوك من أشهر من فعّلوا النظرية المعرفية في تدريس اللغة الثانية (Biolytic, 1979, 1981, 1982, 1983, 1988, Bialystock and Sherwood smith, 1985).
ولقد تغيرت نظريتها مع الأيام مرات عديدة، مع تغير مصطلحاتها في آن واحد. إلا أن مبناها الأساسي لم يتغير. ترى بيالستوك ما يراه غيرها من العلماء مؤيدي هذه النظرية الذين تعرضوا إلى تعلم اللغة الثانية، فهي تؤكد بكل صراحة المبدأ الذي يقوم على أساس أن اللغة يجري تعامل العقل البشري معها بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع بقية المعلومات. والكفاية اللغوية يمكن تقديرها ببعدين: الأول البعد التحليلي(Analytical)، والثاني البعد الآلي (Automatically). Bialystok,1988:32) ).




نظرية كراشن:
إن نظرية كراشن(krashen,1987) في اكتساب اللغة الثانية قائمة على خمس فرضيات:
1- فرضية الاكتساب والتعلم A-The Acquisition-Learning hypothesis,
2- فرضية المراقبة B-The Monitor hypothesis,
3- فرضية الرتبة الوظيفية C-The Natural Order hypothesis,
4- فرضية المدخلات D-The Input hypothesis
5- فرضية الراشح الانفعالي E- And the Affective Filter hypothesis
يرى كراشن أن هناك ثلاثة عوامل توضح كيف يتعلم الناس اللغة الثانية؛ عاملان من خارج نطاق الوعي، وهو ما نطلق عليه المصفي أو الرّاشح (Filter) والثاني المنظّم((Organizer والثالث ضمن نطاق الوعي ويسمّى الموجّه (Monitor) (Dulay,Burt,and Krashen,1982).




أ‌-فرضية الأُنموذج المراقبأو الموجه(Monitor Model):
هذه الفرضية ترينا العلاقة المتبادلة بين الاكتساب والتعلّم. وترى بأنننا في طلاقتنا في إنجاز اللغة الثانية مدينون إلى ما اكتسبناه وليس إلى ما تعلمناه. إنّ التعلم موجودٌ كموجهٍ أو مرشد، ونلقن النطق عن طريق مقدرتنا المكتسبة، ثم نعود إلى قوانين الإدراك فيما بعد، ونستعمل الإدراك لتصحيح المخرجات من النظام المكتسب. وهذا يحدث قبل أن نتكلّم أو نكتب، أو من الممكن أن يحدث فيما بعد، وهو ما يطلق عليه مصطلح التصحيح الذاتي((Self-correction. أما مهمة المراقب اللغوي الرئيسة فتتلخص في تنظيم التعلّم وتقويمه بصورةٍ شعوريةٍ في المراحل المتقدمة من تعلّم اللغة الثانية . أما مدى استخدام التوجيه والإرشاد (Monitor) فيعتمد على الأمور الآتية:
1-عمر المتعلم.
2- كمية التعليمات الرسمية التي خبرها المتعلم.
3- الطبيعة والتركيز المطلوب عن طريق الأداء الشفوي الذي تم إنجازه.
4-شخصية المتعلم المتفردة. دوليه (Dulay,p.59)
وهذا ما يشار إليه " بالفروق الفردية" بين المتعلمين.
وقد أثبت حديثاً أنّ هناك ثلاث حالاتٍ ضرورية لنجاح المرشد والموجه "Monitor" وهي:-
الحالة الأولى: نحن بحاجة إلى وقتٍ للتعرف على القواعد ووضعها في حيّز التطبيق.
الحالة الثانية: نحن بحاجةٍ إلى التركيز على الأسلوب أو التفكير الصحيح.
الحالة الثالثة: نحن بحاجة لمعرفة القوانين. (بيرت ودوليه)Burt&Dulay,1978))




ب‌-فرضية المدخلات(Input Hypothesis):
يرى كراشن(Krashen,1976) أنّ المدخلات(Input) يجب أن تكون ذات معنىً وملائمة لحاجات التلاميذ ليُصار إلى فهمها وإدراكها. وهذه الفرضية تحاول أن تجيب عن سؤال مهم هو كيف نكتسب اللغة؟ وليس بمقدورنا أن نكتسب اللغة إذا لم نفهم المعنى المتضمّن في المدخلات، والمدخلات إذا لم تكن واضحة فهي خلط وإرباك. وتدخل في ذلك تطبيقات كثيرة، فمثلاً نستطيع أن نطلب من التلاميذ المبتدئين أن يمضوا بعض الوقت في مشاهدة التلفاز باللغة المستهدفة أو أن يستمعوا للمحادثة والتي يمكن أن تكون أعلى من مستوى فهمهم، ويمكن أن يستفيدوا من ذلك قليلاً.إن العالم خارج الفصل لا يستطيع أن يقدّم الأفضل، لذلك يفضل في البداية الانتظام في فصولٍ ولا سيما كبار السن لأن ذلك أفضل لاكتساب اللغة. وأكدَّ كراشن (Krashen,1985) أهمية تبسيط المعلم للمدخلات، لإمكانية تيسيرها وفهمها.
وناقش كل من تارون وليو((Tarone and Liu,1995 بموجب المعلومات التي توافرت لديهما بدراسة أجرياها ضمن ثلاثة مواقف، بأن تفاعل الدارس في مواقف متعددة يؤثر في عملية اكتسابه اللغة وسرعتها، ولكن بطرق ودرجات متفاوتة. بمعنى آخر "إن المدخلات وحدها غير كافية لاكتساب اللغة، لأن أي فرد عندما يستمع إلى اللغة، بإمكانه أن يفسر المعاني دون أن يفكر في قواعدها. فعلى سبيل المثال: إذا سمع أحد كلمة كلب ويعض وبنت، بغض النظر عن ترتيبها، فعلى الأرجح أن المعنى عض الكلب البنت. والأمر ليس كذلك في حالة المخرجاتOutput)) وذلك لأن الفرد مجبر على أن يضع الكلمات على الترتيب. لأن استخدام اللغة يجبر الدارس أن يتحرك من عملية دلالات الألفاظ إلى تركيب الجملة" ((Swain,1985. وباختصار يمكننا القول بأن المدخلات (Input) تتعلق بكيفية اكتساب اللغة الثانية، وليس في عملية تعلمها.
ويؤكد واجنر وقوف وهاش( (Wagner,Gough& Hatch,1975 ذلك بقولهم: "إن العالم الخارجي عاجزٌ عن تقديم مدخلاتٍ مفهومةٍ للبالغين في اكتساب اللغة الثانية بينما في الفصل يستطيع أن يقدم أفضل ". ومن المميزات الأخرى للمدخلات الجيدة، أن تكون ملائمة وذات معنى. إنه ليس من السهل في الوقت الحاضر أن يتبع الإنسان طريقة أو أن يتبنَّى نظرية من هذه النظريات، لأن النتائج التي تمّ التَّوصُّل إليها رغم إيجابية بعضها فهي لا تعطي حلاً شاملاً حول قضية " اكتساب اللغة". ومع ازدياد التجارب واستمرارها، وتدفق المعلومات وتحليلها، ، لم يتم التوصّل بعد إلى حقائق مؤكدة تغطي ما يرغب الإنسان في فهمه ومعرفته حول الأطفال، إننا بحاجةٍ إلى دراسات أكثر في المستقبل".
ويعتبر كراشن من أكثر المتحمسين والمؤيدين لأولوية المدخلات(Input) في اكتساب اللغة الثانية. ويؤيده كثيرون، منهم على سبيل المثال: بروفت ولارسن –فريمان ولونج، يرى بروفت (Brufit,1994) و(Larsen-Freeman&Long,1991):"أن المدخلات المكثفة ضرورية للنجاح في اكتساب اللغة الثانية. ولكن بشرط تبسيط هذه المدخلات حتى يتم استعمالها بفاعليةٍ من قبل المتعلّم، ليتحقق له اكتساب اللغة وإتقانها".
وفرّق كراشن(Krashen,1981 ) بين الاكتساب وعمليات التعلّم، فالأول يتعلّق بالفهم والتواصل أما الآخر فهو الوعي الموجه لاستعمال اللغة. وناقش كراشن أن عملية الاكتساب أكثر أهميّة من عملية التعلّم، ويجب أن تشجّع بالأَنشطة التي تمارس المحادثة لا تمارين القواعد النحوية أو المفردات. وهناك العديد من الباحثين في مجال اللغة يؤكدون تبادل العلاقات عن طريق مهارات اللغة الأربع:- الاستماع والتحدث والقراءة وعمليات الكتابة. كوهين(Cohen,1995).
ولكراشن كتابٌ عنوانه فرضية المدخلات: " Input Hypothesis " وعلّق سكوفل(Scovel,2001) على الكتاب بالقول:" إنّ هذا العنوان غير مناسب".
ويقرّر كراشن أنّ مستوى الصعوبة في مدخلات اكتساب اللغة الثانية، يجب أن يكون أعلى بقليل من مستوى المتعلّم وقدرته الاستيعابية للغة الثانية. وقد رمز لها بالمعادلة الآتية: i+I
أي إنّ المتعلّم يتحسّن باستمرار لأنّه يعطي اهتماماً للفروق بين المدخلات التي يفهمها (i) والفروق الأعلى مستوىً نسبياً في المدخلات التي يحصلّها (+I). وقد انتقد هذه النظرية كثيرون، وخلصوا إلى أنّ المزعج في الأمر أنّ كراشن قدّم هذه المعادلة، من دون أن يشرح بوضوح كيف تكون المدخلات ملائمة لتعلّم اللغة (Scovel, p85).
وقد رفض كلُّ من قاص وسيلنكر (Gass and Selinker,P.215) قول كراشن بأن المدخلات الكثيفة هي العامل الوحيد المؤدي إلى اكتساب اللغة الثانية. ويريان أن هناك خمس مراحل ضرورية للطريقة التي يتم بوساطتها تحويل المدخلات إلى مخرجات: 1- مدخلات مترابطة. 2- مدخلات مفهومة.3- موصل لهذه المدخلات.4- التكامل.5- المخرجات.


ج- الراشح الانفعالي(Affective Filter):
تجسّد هذه الفرضية وجهة نظر كراشن بأنّ هناك عدداً من المتغيّرات الانفعالية، تلعب دور الميسر لا السبب في عملية اكتساب اللغة، وهذه المتغيرات تشمل: الدافع، الثقة بالنفس، القلق. كراشن (Krashen, 1988).
ويعتبر كراشن (Krashen,1982) أن جميع مدخلات اكتساب اللغة الثانية تمر بوساطة مصفاةٍ يطلق عليها اسم الراشح الانفعالي (Affective Filter) وهو يستطيع أن يقلّص تدفق مدخلات اللغة إلى المتعلم، وذلك تبعاً لحالة القلق " Anxiety" التي تساوره. أي أنه كلما زاد القلق لدى المتعلّم قلّ لديه اكتساب اللغة، وكلما قلّ القلق ازداد تدفق اللغة الثانية واكتسابها، سواء أكان هذا القلق ناتجاً عن ظروفٍ شخصيّةٍ أو صفّيّةٍ.
لذلك فإن الرّاشح الانفعالي يعيق تعلم اللغة عندما يكون نشيطاً، أي عندما يكون الدارس في وضع انفعاليٍّ سيئ كالقلق والخوف، وانعدام الحافز والدافعية، والتهيّب وعدم الثقة بالنفس. وهذه الأوضاع العاطفية السلبية ترفع مستوى الراشح الانفعالي، وتقوي سماكته، فيعمل سداً يمنع وصول الدخل اللغوي إلى الدماغ. (AL-Abdan&Darweesh,1997).
ويرى الباحث أن تخفيف حدة هذا الدافع يعود إلى المدرس وما لديه من قدرات على تهوين هذا الأمر وتبسيطه لدى الدارس. ولقد ثبت أن العاطفة مصدر رئيسي للتعلم، والتعلم الجيد لا يستبعد العواطف عن عملية التعليم. ويرى بيرت الحائز على جائزة علماء الأعصاب، أنه عندما يفسح المجال للتعبير عن العواطف فإن أجهزة الجسم كلها تتحد، وعندما تكبت العواطف فإن شبكة الطرق السريعة في الدماغ تغلق، موقفةً بذلك سيلاً من المواد الكيماوية الإيجابية مثل السيروتونين والدوبامين التي هي جزءٌ من نظام المكافآت الداخلي الذي يعيق كثيراً من الأعمال البيولوجية والسلوكية في الجسم.((Pert,1997
إن الأبحاث الميدانية في أواخر القرن الماضي، بدأت تُظْهِرُ نتائج مخالفة للتوجهات السابقة. ففي رأي لي دوكس((Doux,1994 أن العواطف تثير الانتباه وتصنع المعنى، وأن لها مساراتها الخاصة في الدماغ. وأما كاغانKagan,1994,39)) فيرى أن الاعتماد على المنطق وحده من دون أخذ العواطف بعين الاعتبار قد يؤدي بمعظم الناس إلى القيام بأعمالٍ سخيفةٍ أو مربكة. إنه لا يوجد فصل بين العواطف والعقل، فالمنطق يمكن أن يساعدنا في تحقيق الهدف. ولكن الذي يوجه القوى ويسوق الجسم بإمكاناته لتحقيق ذلك الهدف هو العواطف والمشاعر. جانسن(Jansen, 1999,P.72)
ويقف سكوفل(Scovel,1978) في الصفّ المعارض لكراشن فيقول: "القلق كعدوّ لاكتساب اللغة أمرٌ غير معقول وغير دقيق ولا يمكن تبريره". ويشاركه علماءُ آخرون في وجهة نظره، ونصحوا بإعادة دراسته دراسةً موسّعةً. ومن هؤلاء العلماء إهرمان(Ehrman,1996 ).
ويرى الباحث أن الإنسان: جسم، وعقل، وروح. وأن على المربي أن يعالج هذه الجوانب مجتمعة ولا ينظر إلى كل واحدةٍ منها على حدة. وأن ترسيخ الإيمان عند الدارس كفيل وحده بالتغلب على القلق إذ إنّ القلق ينافي الإيمان والتوكل.


د- فرضية الاكتساب- التعلم: ( The Acquisition-Learning hypothesis )
إن هذه الفرضية من أهم فرضيات كراشن وأكثرها تأثيراً في نظريته، وأوسعها انتشاراً بين اللغويين ومتدربي اللغة. ويرى كراشن أن هناك نظامين مستقلين بخصوص اكتساب اللغة الثانية: النظام المكتسب ونظام التعلم. إن النظام المكتسب أو " الاكتساب "، هو نتاج ما وراء الوعي، وهو كثير الشبه بعملية اكتساب الأطفال لغتهم الأولى. والتي تتطلّب تفاعلاً ذا مغزى باللغة الأم بالتخاطب المنساب طبيعياً، حيث يركّز المتكلِّمون على التواصل لا على شكل النطق. أما بالنسبة لنظام " التعلّم " فهو نتاج التعليم الرسمي. ويجري ضمن نطاق الوعي، ونتيجته تتعلق بمعرفة اللغة والوعي بها، كمعرفة قواعد اللغة على سبيل المثال.
وبالنسبة لكراشن فـ " التعلّم " أقلّ أهميةً من الاكتساب " ((Schutz,2002.


5- نظرية بلياييف:
تجمع نظرية بلياييف العالم الروسي(Belyayev,1963) بين النظرية السلوكية والنظرية العقلية (Mentalist and Behaviourist). ويميّز بلياييف بين المعرفة والمهارات والعادات. وفيما يتعلق باللغة تتألف المعرفة عنده من حقائق مؤكدة حول قوانين لغوية. أما العادات فهي أفعال يمكن إنجازها من دون وعي فكري، وذلك كلفظ صوتٍ معيّنٍ أو كاختيار كلمات من المعجم. أما المهارات فهي مهارات اتصال تجري بوعي، مثل بعض أساليب استعمال اللغة تحت تأثيراتٍ خاصةٍ. وقد انتقد بلياييف التعليم القائم على شرح القوانين والقواعد المتعلقة بالتعليم Communicative Language)). ويرى أن التدريس يمكن أن يدفع المتعلّم للأمام إذا كان متضمناً لأنشطة تختار خصِّيصاً لتطوير هذه الجوانب الثلاثة. إلس(Ellis,p28)


-نظرية ديفيد أوزابل (David Ausabel):
تعتبر نظرية أوزابل إحدى النظريات التعليمية التي تعتمد على البنى المعرفية في تفسيرها لعملية التعليم والتعلم، فالتعلم يكون ذا معنىً لدى المتعلم إذا ارتبط ببنيته المعرفية المخزونة لديه. ويعد أوزابل البنى المعرفية إطاراً يشمل الحقائق والمفاهيم والتعليمات والقضايا على شكل تنظيمٍ هرمي، أعلاه المفاهيم الأكثر شمولاً وعمومية، ثم ينحدر تدريجياً مع التناقص كلما زاد الانحدار نحو قاعدته. Lawton,J.andWanska,S.1979)).
إن هذه النظرية المعرفية يمكن فهمها على أكمل وجه بالمقارنة بين الاستظهار من غير فهم مع التعلّم ذي الهدف المحدد. ويصف أوزابل التعلم عن طريق الاستظهار بأنه عملية احتواء للمادة تشتمل على وحداتٍ منفصلةٍ لا يربطها رابط، تتصل بالبناء المعرفي بطريقةٍ اعتباطيةٍ، دون أن تسمح بتأسيس علاقةٍ ذات معنى. أوزابل (Ausabel,1968).
وتهتم هذه النظرية بالعوامل الداخلية المنظمة وخاصة بدور العمليات المعرفية الفعلية في اكتساب اللغة وتعلّمها. وطبقاً لمفهوم هذه النظرية فإن التعلم ذا المعنى يساعد في تقبل المعلومات الجديدة وإضافتها إلى المخزون أو البنية السابقة. وقد قامت هذه النظرية على نتائج الدراسات والأبحاث في ميداني علم النفس وعلم النفس اللغوي. ومن مبادئ هذه النظرية الأساسية ما يأتي:
1-إن التعلم مهارة معرفية معقدة تتضمن استعمال أساليب متنوعة للتعامل مع المعلومات للتغلب على المحدودية اللغوية.
2-إن تعلم لغةٍ ثانيةٍ يعني تعلّم المهارة اللازمة لذلك، ويتطلب ممارسة جميع جوانب هذه المهارة حتى تصبح متكاملة كأداءٍ لغويٍّ طلقٍ وسليم إلى أن يصبح الأداء آلياً. وفي حال اكتساب اللغة فإن هذا التمَّثل يعتمد على نظام لغويٍ يشمل إجراءاتٍ لاختيار المفردات والتراكيب والمعاني المناسبة التي تحكم الاستعمال اللغوي ((Sumadi and Abd Al hug ,1998.


نظرية اللغويات- النفسية(Psycholinguistics Theory):
استخدم مصطلح علم النفس اللغوي((Psycholinguistic لأول مرة منذ الخمسينيات، وهو يتناول المناهج اللغوية لوصف المخرجات(Output) بالنسبة لمستخدمي اللغة، وعلى وجه الخصوص تحليل الوحدات اللغوية. ويدلنا هذا المصطلح على نقلة نوعية وتغيير في اتجاهات علماء النفس نحو السلوك اللغوي. ويطلق على هذه النظرية اسم(Holo Dynamic Model) وباختصار(H. D .M) وهي قائمة على فكرةٍ مفادها أن تعلّم اللغة الثانية يتحقّق من تفاعل عناصر ذات طبيعةٍ سيكولوجيةٍ ومعرفيةٍ، والتي تكون تحت سيطرة الصفات الشخصية للمتعلّم. وشخصية المتعلّم يجب أن تكون عنصراً أساسياً في تعلّم أيّ لغة، كما يجب أن تكون عنصراً رئيسياً من عناصر أي نظريةٍ من نظريات تعلّم اللغة الثانية. (Salma- Cazaco,1961).
والمقصود بالشخصية نظام العلاقات المفتوحة الذي يربط ما في داخل الفرد مع المحيط الخارجي. ويقول نوتن(Nuttin, 1968): الشخصية " هي تفاعل النفس(Ego) مع العالمWorld))". " إن الجمع بين الشخصية والبيئة يشكل نظاماً مفتوحاً" كما يقول بيرتنالفي Bertanalffy,1950)).
ويتألف هذا الأنموذج من ثلاثة مستويات مرتبة على شكلٍ هرميٍّ: الأعلى ويطلق عليه (Tactic Level): وهو السطح الأول في البناء اللغوي. والمستوى الثاني ويطلق عليه: (Strategic) وفي هذا المستوى يبدأ الفرد باستنتاج القوانين، ويختار ما يناسبه من الأحداث اللغوية. إن كل ما يقوم به المتعلّم هو أمر عقلي ومعرفي بطبيعته. أما المستوى الأخير فيطلق عليه:
( (Ego-dynamicوهذا المستوى يتكون من المتغيّرات الشخصية، كالخبرة، والاتجاهات والحالات الانفعالية، وأسلوب التعلم، والوعي العقلي. وهذه المظاهر جميعها تنسق وتضبط المستويين الأوّل والثاني، وأكثر من ذلك فهي تربطهما بالعالم الخارجي.(Titone,1981).

الخلاصة:
إنّ استعراضنا لنظريات اكتساب اللغة نابع من شعورنا بأهمية اللغات في عالم اليوم، وهي ضرورة يفرضها الأمر الواقع. وقد أخذت به معظم الأمم المتقدمة منها والنّامية. وذلك لمواكبة التطوّر، وتوسيع المدارك والاطِّلاع على تجارب الآخرين، وصدر بيان عالمي عن الأمم المتحدة عام 2001 يبين أهمية تعلم اللغات في عالم اليوم.
-إنّ تدريس اللغة الثانية لا يعني امتياز هذه اللغة أو تفوّقها على اللغة العربية، ولكن ينصح بتدريسها في مرحلةٍ متأخّرةٍ، وذلك بعد أن يكون التلميذ قد استوعب أساسيات لغته الأم، وأتقن فعالياتها وتشبع بثقافته الوطنية، ويكون ذلك في صالح اللغتين(الأم والثانية).(Beadsmore,1982).
-إنّ تدريس اللغة الثانية يساعد في تطوير لغتنا العربية، سواء أكان تدريسها كلغةٍ أولى أو كلغةٍ ثانية. ومعلوم أنّ هناك ملايين المسلمين من غير العرب لا يتقنون العربية لغة القرآن الكريم وهم بأمسّ الحاجة لتبسيطها وتسهيل انتشارها، لذلك أصبحت الحاجة ماسّة للاستفادة من تجارب الآخرين، الذين سهلوا استيعاب وانتشار لغتهم حتى أصبحت اللغة الأولى في العالم. ولقد سجل علماؤنا سبقاً بعيداً في هذا المضمار، فالإمام الشافعي قال: أرى أن لا يجري عقد زواج بين مسلمٍ لا يتقن العربية ومسلمة تتقنها إلا إذا عرف من اللغة ما يعنيه عقد الزواج.
-إنّ الاطلاع على نظريات اكتساب اللغة الثانية يساعدنا في إعادة النظر في لغتنا؛ مفهومها ووظيفتها، حيث طرأت ظروف وأهدافٌ جديدةٌ وكذلك طرقٌ حديثة لتعلّمها وتعليمها.
-إنّ دراسة نظريات اكتساب اللغة الثانية، ستجعل المدرّسين قادرين على أن يحدّدوا فرضياتهم حول تعليم جيد، ويتمكنوا من تطوير أفكارهم الخاصة فيما يتعلّق بالمتعلّمين الذين يدرسونها وكيف يكتسبون اللغة الثانية.
-تزوِّد المسؤولين والقائمين على إعداد المناهج وتطويرها بالمعلومات ووجهات النظر المختلفة التي تمكنهم من استخدامها عند اتخاذ قراراتهم التربوية، وتساعدهم في تكوين فرضياتهم الخاصة بهم، بما يعود عليهم وعلى لغتهم بالخير.
-تقدّم الدراسة بعض المؤشرات والمعلومات التي تساعد على تكوين مشروعات تفيد في صياغة تعليم اللغة الأجنبية، وذلك على أسس علميّةٍ سليمةٍ.
-تقر هذه الدراسة بأن الأَطفال أسرع في تعلّم اللغات وفي إتقان ألفاظها من الكبار، ولكنهم أبطأ من الكبار في تعلم النحو والبنى اللغوية على الأقل في المراحل المبكرة من التعلّم. تشومسكي (Chomsky) وقد ضرب العرب بهذا الأمثال كقولهم:" العلم في الصغر كالنقش في الحجر". وقال شاعرهم:
إذا المرء أعيته المروءة يافعاً فمطلبها كهلاً عليه عسير
-تلعب عدة عوامل دوراً كبيراً ومؤثراً في اكتساب اللغة، مثل العوامل الاجتماعية والعمر والجنس والعوامل الشخصية الأخرى كالذكاء والدوافع والاتجاهات. لذلك وجب على التربويين وأصحاب القرار التربوي والمدرسين مراعاة ذلك، عند وضع المناهج والخطط وتطبيقها في حجر الدراسة.
-لقد اتضح من الأبحاث المتعلقة باكتساب اللغة بعامة، وعلم النفس المعرفي بخاصة، أنّ اللغة ليست وسيلة للتخاطب الخارجي فقط، بل هي النظام الأساسي الذي يستخدمه الإنسان في التفكير حيث إن للغة دوراً في صياغة التفكير، والمساهمة في التشكيل الثقافي والارتباط بالجذور، وتحقيق النقلة الثقافية المناسبة.
-إن الطلاب في البرامج ثنائية اللغة عندما يقارنون بطلاب أحاديي اللغة، تكون نتائجهم أفضل بشكل خاص في القراءة، والرياضيات والإنجليزية، بالإضافة إلى جوانب تحصيلٍ ذات دلالة في مهارات الاستماع والقراءة والكتابة والاتجاهات نحو المدرسة.
وفي هذا يقول الشاعر:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه
وتلك له عند الشدائد أعوانُ


فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا
فكل لسانٍ في الحقيقة إنسانُ


-الاستفادة من خبرات وتجارب المعلمين في البرامج ثنائية اللغة، وذلك لاستعمالهم الكثير من المهارات الفعالة في تدريس اللغة، نظراً لتطور الوسائل المصاحبة لتدريس هذه اللغة، والتي خضعت لملايين البحوث من قبل أصحاب هذه اللغة وغيرهم. وهذا عكس واقع اللغة العربية حيث أهملها أبناؤها. مع العلم أنّ هناك عشرات البحوث للمختَّصين والمهتمين من العلماء والبحاثة العرب تهم وتخص اللغة الإنجليزية.
-لا توجد نظرية واحدة يمكن الاعتماد عليها في مجال اكتساب اللغة، ويمكن الإفادة من مبادئ وفعاليات المنهاج التكاملي. ويمكن الاستفادة أيضاً من توليف جوانب متعددة ظهرت إِثر عرضنا لهذه النظريات في ثنايا هذا البحث المتواضع.
-ما نستخلصه من النظريات السابقة لا يشكل لدينا طريقة مفصلة لتعليم لغتنا العربية، ولكن بحذاقة المختصين بالتعليم وإخلاصهم يمكن أن ينجحوا في اختيار الطرق المناسبة لنجاحهم في مهمتهم.
يلاحظ أن الدراسات المتعلقة باللغة عامة غربية المصادر، ولا يوجد أي إشارة أو اهتمام بالدراسات اللغوية عند العرب رغم أسبقيتهم بمعرفتها منذ مئات السنين.
ويرى الباحث أن أسباب إحجام اللغويين الغربيين عن ذلك، هو ارتباط اللغة العربية بالنص القرآني، وبالقيم الحضارية للعرب. ولو أن الغربيين وغيرهم وظَّفوا جانباً من اهتمامهم ودراساتهم نحو الدرس اللغوي عند العرب، لوجدوا فيه فيضاً من العطاء ووفروا جهداً كبيراً وخدموا اللغات وأنصفوا علماء اللغة العرب.

مراجع :
د. موسى رشيد حتاملة
كلية الدراسات العربية والإسلامية- دبي
مجلة مجمع اللغة العربية الأردني
العدد(70 ) عام(1427هـ) من الصفحة 69إلى 90




- شرح تنصيب نظام أندرويد على الآيفون 2g و 3g , فيديوا يشرح تنصيب الاتدرويد عالآي فون
- تنبيه
- حدث في مثل هذا اليوم
- رد لمدونتي الخاصة لكن بشكل مختلف
- بشروه اني أبرحل ، رواية رائعة تستحق المتابعة ، رواية حزينة جداً







   رد مع اقتباس

قديم December 8, 2011, 05:36 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عاشق التحدي..
الحمد لله





عاشق التحدي.. غير متصل

رد: بحث كامل حول نظريات إكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية





- حـــآن الأن موعــد آذان ...... ((متجــدد)) ۞
- اضغط على اسم الدولة وسافر
- دمعات فى حب الرسول صلى الله عليه وسلم
- ابتسم أنت في دولة عربية
- لماذا تتجعد الأصابع في الحمام عندما يطول وضعها بالماء؟







   رد مع اقتباس

قديم December 11, 2011, 10:16 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
slimane47
مبتسم VIP






slimane47 غير متصل

رد: بحث كامل حول نظريات إكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية


شكرا على البحث الرائع


- عضو جديد







   رد مع اقتباس

إضافة رد

بحوث علمية

بحوث علمية



مواقع النشر (المفضلة)
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مفاجأة لكل من يرغب في تعلم اللغة الانجليزية بشكل كامل سأبتسم تعليم اللغات الاجنبية 10 September 5, 2011 11:29 AM
نتائج مقرر اللغة الانكليزية 3 ][ لطلاب الهندسة المعمارية السنة الثانية ][ جامعة البعث مُصعب مجلة العلوم الهندسية 2 February 23, 2011 02:54 PM
كتاب الموترات (تنسور) وتطبيقاتها عربي غريب محمود كتب العلوم الطبيعية 1 October 15, 2010 03:35 PM


الكلمات الدلالية (Tags)
إكتساب ، لغة ثانية ، نظريات ،
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


معلومات عن الحيوانات كلمات عن الحياة تحميل برنامج محول الصوتيات كيفية الوضوء علاج الاكتئاب تحميل برنامج الفوتوشوب قصص مضحكه كلام عن الحب مجلة لها فوائد العسل ملابس محجبات ديكورات حوائط تحميل كتب مجانية تحميل افلام ابل اندرويد بلاك بيري كتب طبخ حواء صور السوق الالكتروني العاب تلبيس منتديات اسماء بنات جديدة وكالة ناسا


الساعة الآن 09:43 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر