الحاجة إلى الحلم - خيري الذهبي- جريدة الاسبوع الادبي
من يتابع مسيرة الحضارات في صعودها وانحلالها لابد له أن يتساءل: فما الذي يجعل حضارة ما قادرة على النضال، والتحمل، والتماسك حتى تحقيق المثال-النموذج الذي تحلم به، وما الذي يجعل حضارة أخرى سكونية، مسترخية لا تبالي بما يفعل الآخرون في حدودهم، بل حتى حين يدخلون مجالها وحدودها، فهي حضارة تتراجع وتتمنى ألا تبالغ الحضارة الأخرى في تمددها وهجومها، وهكذا حتى تندثر حضارة وتحل الأخرى محلها، ثم تدور الدائرة مرة أخرى.
ما جعلني أفكر ويلح التفكير علي في هذا الأمر هو ما أراه على حضارتنا المسماة بالعربية الإسلامية، فالآخرون يهاجمون، ويتطورون، ويندفعون، ونحن نتفرج. قد نعلِّق، وقد نثرثر، وقد نلعن، وقد نبارك إن رأينا في لحظتنا أن حركة الآخرين ربما تفيدنا في إعاقة تحرك آخر آخر، أو في تأجيل تمدده ولكن.... ماذا بعد...
كنت أتابع تاريخ الدولة العباسية وهي التي يعدها الكثيرون أزهى مراحل حضارتنا، ففيها تفتقت العقول، وظهرت أحلى الأسماء التي نفاخر بها شعراً، وفلسفة، وكلاماً، ونظريات إبداعية، وأحزاباً سياسية، سنسميها فيما بعد طوائف دينية حين تفقد اندفاعها وتتكلس قبائل مغلقة تملك الحقيقة كاملة، ولا حقيقة خارجها.
كنت أتابع تاريخ الدولة العباسية فأرى تداعيها السياسي والعسكري بعد المعتصم ومجيء الخلفاء الضعاف، والضعف كالمغناطيس يجذب إليه القوة، فجاء الترك وصاروا المركز، وصار الخلفاء توابع، وأقماراً تابعة تدور في فلك العسكري التركي القوي...... وأخيراً جاء المعتضد وكان رجلاً يفترض أن لديه القوة، وكان قوياً، وكان صارماً، وكان ذا مشروع سياسي كبير يحلم باستعادة الخلافة دورها، ولكن... كيف له أن يفعل ذلك والدولة فقدت الأندلس للأمويين، وفقدت المغارب للأغالبة، وفقدت مصر والشام لابن طولون وابنه، وفقدت الأمن الداخلي في العراقين نفسيهما، عراق العرب، وعراق العجم = إيران المعاصرة، فبابك الحزمي أنهكها في أذربيجان، والزنج أنهكوها بثورتهم الطويلة في العراقين، والقرامطة أنهكوها في العراق والشام، والجزيرة العربية والخوارج=الشراة أنهكوها حيثما حلوا....
وقام الموفق أبو المعتضد بتحطيم الزنج والقرامطة والشراة، ومالية الدولة وجاء المعتضد، وكان يمكن له إقالة الدولة لو لم يرث هذا التاريخ المرهق ويرث –وهذا هو الأهم- السأم... شعب بأكمله سئم من الحروب، وسئم حتى ضاع منه الحلم، وهل يمكن لأمة أن تعيش بلا حلم... أنا أعتقد أن الأمة العربية الإسلامية قد فقدت الحلم منذ العصر العباسي الثاني، فقدت الحلم الذي جاء به الإسلام، ثم تحول على يد جبابرة بني العباس إلى دولة القتل والسجن والمطامير=الزنانين المنفردة لا ترى النور تحت الأرض. قد فقدت الحلم بدولة العدل والمساواة أمام القانون الإلهي، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، و.... الخلق عيال الله، وأحبهم إليهم أنفعهم لعياله... فقدت الحلم منذ انفصل السلطان عن الخليفة، وفقدت الحلم منذ قبل يحيى بن أكثم القاضي الشهير الرشوات، ففسد ملح الأرض.
منذ ضياع الحلم بالعدل جاء حالمون آخرون، الحالمون بالقوة، العسكر الترك الأقوياء بعصبيتهم وشهوتهم للحياة التي لا يوقفها الخوف من الموت. وكان العرب المسلمون قد فقدوا الشهوة للحياة مذ جعلوها معبراً لما بعد الموت فصار الموت الرعب فتركوا الموت وعاشوا الخوف منه حياة.
منذ ذلك اليوم وحتى اليوم وحضارتنا تعيش الحياة معبراً لما بعد الموت فجاء العسكر الترك بأسمائهم المختلفة حتى صار اسمهم أميركا وتكنولوجيا وتسلحاً حديثاً ليفعلوا، ونتأمل فعلهم مذعورين...
أليس من موقف لهذه الطاحونة يعيدنا إلى الحياة في يومنا وفي عصرنا تاركاً مابعد الموت لما بعد الموت.