الفلسفة التي افتقدناها - زهير جبور- جريدة الاسبوع الادبي
تميل طبائع البشر للهروب من تحمل أخطاء ارتكبوها، ويعملون على تجييرها لسواهم، خاصة فيما هو مشترك بينهم، منهم من يظهر في المقدمة ليحصد النجاح والألق، ويبتعد أو يختفي في حال الإخفاق تهرباً من المسؤولية، وهذا ليس بالتعميم طبعاً.. وتندفع النفوس الضعيفة لممارسة ذلك بالفطرة وعُبّر عنها شعبياً (أسألك نفسي) (كل الأمهات تبكي باستثناء أمي).
يظهر هذا السلوك بالأعمال العادية والكوارث أحياناً، ومعظم الحوادث التي تتطلب خلاصاً فردياً، وبطبيعة الحال فالتضحية ليست مطلقة وتخضع لمعايير نفسية دقيقة وتتطلب قوة إدراك هائلة، وإن تجردنا من الفلسفة سنجد الحياة عبئاً ثقيلاً، والثقافة توضح مضمونها الصحيح دون شك، ولن يكون كل البشر كالذي حمل مصباحه لينير طريق غيره، مع اليقين أننا لا نحتاجه في زمننا هذا فقد استبدل بالطاقة، ولا نحتاج إلى هرقل محطم للأسوار، ومناصر المظلومين، ومحرر العبيد، لأن البطولة ليست متمركزة بفتوة الجسد بل بقوة البصيرة ورجاحة العقل، وهما صفتان من أصل بناء الشخصية إن تمكنت من ممارستها فلسفياً، وهما ينتهيان في حال ضغطة إصبع صغيرة على زناد مسدس لتندفع رصاصة صماء تخترق الجسد، وهي بطبيعة الحال لن تميز بين مثقف، مفكر، شاعر، سياسي، والحكمة هنا تكمن في المواجهة قبل الفعل وبإرادة المستهدف وإمكانيته الخارقة بالسيطرة على الهداف وهذه بحاجة لثقافة ضبط النفس والحكمة وفك الطلاسم الداخلية لمن هو الأقوى حامل السلاح.
وهنا يبرز دور الفلسفة في لحظة حرجة تربطها بأدق التفاصيل لأن أية حركة خارج حدود فهم الحالة تحسم الموقف لصالح الطلقة، وفي التضحية المعاصرة لا يكفي أن ينار المصباح لأن هذا يتطلب معرفة أين تقود الدروب وهي ليست واحدة، ومسالكها ذات تضاريس صعبة وثمة دروب واضحة تؤدي بنهاياتها للهول العظيم، وخيبة الأمل إن فلسفناها سندرك أنها حالة بشرية ويمكننا الاهتداء للسبيل الذي يخرجنا منها لنعيد أملنا دون خيبة وذلك حين نبرر وندرس الأسباب ونحاكم أنفسنا قبل سوانا فقد نكون نحن من جلبها للآخر أيضاً، وإذا ما أصيب شعب ما بالجنون الجماعي وعبر بالرقص والتعري والحركة فهو بالعرف العام الخروج عن المألوف، وما ذاك من خلال سلطة تحمل عصاها وتمارس ساديتها، بل هو جزء من فلسفة يتقنها المصابون بداء الضغط النفسي والاجتماعي، مع العلم أن الجنون ليس جرثومة تنقل بالهواء لتنشر العدوى كما هو الطاعون مثلاً، لكنه أخطر ويصيب الأفراد والجماعات والأمم ولا يكتشفون ماذا ألم بهم من طاعون جنوني يخلق فيما بينهم الفوضى ويبيح لهم ما لم يكن مستباحاً سابقاً، وجنون العظمة حالة ترفضها الفلسفة المتواضعة بعمقها ويحصر محاكاة العقل بأحاديته وتجاهل المحيط والبيئة ولا بأس أن ندرك أن عملية تبادل العقول تقودنا إلى النتائج المقبولة حول ما هو مطروح من قضايا صغيرة وكبيرة، وليس المقصود أن تأخذ عقلي لآخذ عقلك وهذا لن يحدث أبداً، المطلوب خذ من تفكيري وأعطني من تفكيرك كما هو حوار الحضارات، وبسبب غياب فعل التأمل وقد انشغلنا عنه بالزيف والاقتصاد والضجيج بدأ شعورنا بالحيونة الكونية يبرز، والتأمل حالة الاقتراب من الحياة وفهمها كل حسب حاجته إليها وحاجتها إليه، ثقافته في معرفتها ومعرفتها بثقافته، والفلسفة ضرورة وإن تجردنا منها سوف نمشي على قدمين ونمضغ وقد نصل حد الاجترار وكل ما يحيط بنا ينعكس سلباً عما نريد فخيبات الأمل مستمرة وقد ضيعنا الثقافة وزمن التضحيات فر، وبحكم الاتصالات السريعة والأقمار الصناعية وما نتج عنها تحولت الأخلاق إلى طرفة سخيفة والقيم مفهوم لا يواكب التكنولوجيا وها نحن نهبط وإحساسنا بالحيونة يتصاعد، وداء الجنون الجماعي يجرنا إليه وقد نستبدل مستقبلاً الكلام بالرفس ونحن قد ضيعنا فلسفة فيها الحلول التي نريدها ولم نعمل بها، فلماذا؟