"حركة اليدين، والرأس، وتمتمات بين الشفتين وعلامات دلت على أن قولي السابق لم يجد الصدى الطيب لديها، ثم أرفقت تلك العلامات التي ظنت أنني لم أتبين معناها... بهذه الكلمات: "في هذا يا(دكتور) أنت جاهل جداً!! العلاقة السيئة بين أبيك وعبد الناصر، وبين بلادك ومصر، كانت من الأسباب المعلنة التي ادعى تجمهر الأمراء في مجلس الوزراء وفي خارجه أنها أساءت إلى المملكة. هذا الجمع لم يكن وليًّ عهد أبيك، بعيداً عن التأثير عليه... ولو من بعيد؛ صحيح أن هذا التجمع، يتفق مع والدك على ضرورة التصدي ل(عبد الناصر) ومريدية في الداخل من العسكريين والمثففين.. وحتى من الذين ادعوا أنهم أمراءً أحرارٌ! لكن نفس هذا التكتل، الذي له نفوذ كبير جداً في قطاعات واسعة داخل العائلة المالكة، وفي أوساط الطبقات الفنية والتجارية في المملكة، الخائفة على ثرواتها ومكتسباتها، كان يأخذ على والدك اتخاذه لأساليب غير ناجحة، بل ومثيرة لمشاعر الغضب الجماهيري في العالم العربي ضد المملكة، كأن ينيط تنفيذ هذه الطرق الصدامية مع الخصم بأناس جهلاء غير مدركين لتبعات أعمالهم؛ بل ويمكن أن يتسلل بينهم، كزيادة في بلّة الطين، عملاء ل(عبد الناصر)؛ مما سيؤدي إلى حرجً للحكومة السعودية ونظامها، حتى لو كان هذا النظام المحافظ، هو الذي هوجم أولاًَ واستفزّ بداية... لا يمكن، يا بني، أن نتحدث عن عصر الملك سعود وتاريخه، بدون أن يتداخل معه عصر وتاريخ (عبد الناصر). وعندما (تحاول) أن تكتب رواية أو مقالة عن تلك المرحلة التاريخية، فأعلمني كيف تستطيع الفصل بين تاريخ الرجلين... منك نتعلم؟!. حاولت أن أهدئ من غضبها الممزوج بكمية كبيرة من التهكم الواضح، عندما قلت بنبرة (المعترف) بجهله وخطئه: "هو ذاك يا أمي، لا يمكن، حقيقة، أن نمر على تلك العلاقات المتوترة مرور الكرام. ولا يمكن أن نحلل أسباب سوء عاقبة فترة حكم (الملك سعود)، إلا عندما تتعمق في طبيعة ما كان يغلف العلاقة حكم (الملك سعود)، إلا عندما نتعمق في طبيعة ما كان يغلف العلاقة السعودية المصرية من توتر وصدام، ومحاولات من كلا الطرفين لكسي هيبة ونفوذ الطرف الآخر. العجيب في الأمر هو أن أخطاء تعامل (الملك سعود) مع (عبد الناصر) ونزعاته، منذ أواخر الخمسينيات وحتى آخر يوم له في الحكم، كانت أسباباً رئيسة للانتهاء المأساوي لعهد الملك. مع أنني لا أعرف، حتى الآن، معنى ما يقصدون، هل كانوا ينصحون، مثلاً، أن يكون (= الملك سعود) أكثر شدة في تعامله مع عبد الناصر؟ أو أنهم كانوا يعتقدون أن تخالفه المفترض، غير المنطقي، مع الزعيم العربي الشهير المختلف معه في كل شيء، كان يمكن أن يغير من نتائج السقوط والارتقاء في داخل منظمة صنع القرار السعودي.. لا أعرف!". مواجع وأحزان تلك الديار البلوشية جعل الحنين المكبوت داخل تلك المرأة الآتية من هناك يدهمها... وأطياف غمرت روحها وأعادتها إلى الجذور... إلى بلوشستان. أحداث تناوبت عليها ولم تكن تدري بأن المقادير ستأخذها بعيداً إلى حيث القصر الأحمر الذي غدت فيه واحدة من سراري الملك لتتحول إلى زوجة بعد إنجابها ابنتها الأولى، وتفاصيل تسوقها مريم التي أصبح اسمها نائلة تزخر بالإيماءات السياسية والاجتماعية التي ترافقت والأحداث السياسية إبان الخمسينات. وسرديات التغريبة البنقلانية حولها السامع إلى رواية، وهو لم يكن يميل إلى تحويل أحداث ووقائع وشخصيات القصة إلى حجر (دراسة) لظاهرة إنسانية تاريخية، تحاول استرداد ما كان في الزمان الماضي، أو التحق من مجريات الأحداث المنصرمة، كما لم يكن السامع راغباً، من جهة أخرى، في تحويل شجن القادمة من أرض البلوش، إلى مجرد كتاب يضج بالحكايات المسلية، إلا أنه كان عازماً، ومنذ البدء، على الأخذ بمنحى تأليفي مختلف، معرفة كل تفاصيل التغريبة البلوشية، من مصدرها المعني أولاً، ومن ثم تصوير الأحداث والشخصيات الماضية، بشكل روائي، لعل ذلك يبعث في الأحداث والشخصيات المعنية نوعاً من الحياة الجديدة؛ في محاولةٍ لفهم كيف جرت وقائع سطر صغير في سِفْر التاريخ الضخم، الذي لا تزال صفحاته تزداد بإطراد.
الناشر: لا يمكن حساب منبع ومصب تغريبة تلك الفتاة الصغيرة التي تلقفتها صحراء الجزيرة العربية أو أواخر أربعينات القرن الماضي بعد انتزاعها من أرض بلوشستان، من خلال تعداد المسافات والأزمنة، بل من خلال الدمع الذي ذرف، والنشيج الذي سمع، والآهات التي اختبأت بين فواصل الأحزان الكثيرة، والضحكات النادرة. البلوشية التي هرمت شهدت-دون أن تقصد-التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أرض المملكة العربية السعودية أبان حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أسعدتها تلك التغيرات حيناً، وأعادتها إلى مربع الأسى الأول أحياناً كثيرة، ورغم زمن (التوطين) الطويل اللاحق الذي آنسته... لا زال الحنين إلى أرض في بلوشستان تسمى (بنقلان) مصطخباً في الأعماق. شخصيات الرواية يستحضرون الماضي، وينتقدون الحاضر، ويتوجسون-كما غيرهم- من غياهب القادم.
آخر تعديل المقدام يوم August 29, 2008 في 03:59 PM.