بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دير ياسين.. ذاكرة تأبى النسيان

[في التاسع من نيسان ؟ كل عام ؟ وبينما تعد اسرائيل العدة للاحتفال بعيد الاستقلال يحيي الشعب الفلسطيني ذكرى مجزرة دير ياسين التي قتل اهاليها برصاص العصابات الصهيوينة في اليوم التالي لاستشهاد القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في معركة القسطل التي قاد سقوطها ومن ثم مذبحة دير ياسين، إلى سقوط القدس وقيام إسرائيل، باعتراف المسؤول المباشر عن المجزرة مناحين بيغن زعيم منظمة "الأرغون"
دير ياسين
قرية عربية من قري القدس - 5 كم غرب القدس
إسم البلدة عبر التاريخ
ويرجع أصل التسمية إلى كلمة (دير )نسبة إلى دير بناه راهب كان قد سكن القرية في القرن الثاني عشر للميلاد، وقد دعت قديما (دير النصر)، أما كلمة (ياسين) فهي نسبة إلى الشيخ ياسين إمام مسجد القرية
عدد السكان عام 1948 - 775 نسمة ينتمون الي ثلاث حمايل - شحادة - حميدة - عقل يمتلكون 1700 دونما من الاراضي الزراعية نصفها لزراعة الحبوب والنصف الاخر للاشجار المثمرة كالعنب والتين والزيتون
بعضهم مزارعون والبعض الاخر تجار ومقاولون
وتعتبر القرية ذات موقع أثري يحتوي على جدران وعقود من العصور الوسطى، ومدافن ، ويقع إلى الغرب منها (قرية عين التوت) وهي أيضا بقعة أثرية تحتوي على أنقاض معقودة، وصهريج ومدفن
المنظمات الصهيونية تتنافس:
وصل التنافس في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1948 بعد قرار التقسيم ذروته بين منظمة الهاغانا من جهة والمنظمتين الإرهابيتين الأرغون ("ايتسل") والشتيرن ("ليحي") من جهة أخرى ذلك أن الأولى كانت تمثل التيار "اليساري" العمالي الحاكم بقيادة بن غوريون في المجتمع اليهودي الفلسطيني والآخرين التيار اليميني المتشدد بتعاليم فلاديمير جابوتنسكي البولوني (1880-1940) الذي كان أبرز قادته مناحيم بيغن (البولوني أيضا) خليفة جابوتنسكي.
وكان أهم مجال لهذا التنافس المجال العسكري أي العمليات العسكرية والإرهابية ضد الفلسطينيين التي حلت محل مثيلتها ضد البريطانيين في الفترة السابقة لقرار التقسيم، وكان أخطر مسرح لهذا التنافس مدينة القدس وريفها لما تمثله القدس من أهمية رمزية وتاريخية ودينية وسياسية واستراتيجية. وكان حصاد هذا التنافس المرتجى مكاسب سياسية لدى الرأي العام اليهودي في فلسطين تحدد موقع كل من التيارين على الخريطة السياسية للدولة العبرية المرتقبة الولادة فور انتهاء الانتداب في 15 ايار (مايو) 1948 بعد أن حصلت على الضوء الأخضر في قرار التقسيم.
وكان هامش المزايدة لمصلحة "ايتسل " و "ليحي" في القدس على الهاغانا واسعا رحبا ذلك أن موقفهما السياسي المعلن دونما لبس أو حرج بالنسبة للتقسيم كان الرفض القاطع المطلق له من حيث المبدأ والدعوة الصريحة لمناهضته بقوة السلاح لاستثنائه مناطق من الكيان الصهيوني الكبير في نظرهم "منحت" للدولة العربية بموجب قرار التقسيم وهو القرار الذي استثنى أيضا مدينة القدس وريفها من كل من الدولة العبرية والدولة العربية كما نص على إنشاء وضع خاص منفصل (Corpus Separatum ) لهما أي للقدس وريفها تحت الوصاية الدولية، وبالمقابل كان موقف القيادة الصهيونية المتمثلة بالوكالة اليهودية بقيادة بن غوريون الرسمي المعلن هو القبول بالتقسيم باستثنائاته جميعا بما في ذلك مدينة القدس وريفها وهو الموقف الذي جعل من الممكن أصلا استحصال هذه القيادة على قرار التقسيم، إذ أن الدول اللاتينية الكاثوليكية لما كانت صوتت في حينه في هيئة الأمم تأييدا لمبدأ التقسيم لو كان تضمن إدخال مدينة القدس في الدولة العبرية.
بيد أنه إذا كان موقف القيادة الصهيونية القبول اللفظي الظاهر باستثناء القدس من الدولة العبرية المرتقبة فإن سياستها الفعلية الباطنة المجسدة في خطة الهاغانا الاستراتيجية الكبرى (خطة دالتا Plan Delta) السرية كانت ضم القدس وما أمكن من غيرها من المناطق العربية (داخل الدولة العربية) إلى الدولة العبرية بقوة السلاح، وبالفعل باشرت قيادة الهاغانا بتنفيذ الخطة دال في الأسبوع الأول من شهر نيسان (أبريل) عام 1948 عندما قدرت ارتخاء القبضة البريطانية على البلاد وصلت مرحلة تتيح لها الفرصة بالبدء بتنفيذ خطتها الكبرى وهكذا شرعت في افتتاح خطة دال بعملية "خشون" التي حشدت لها 1500 من مقاتليها وهو ما أشرنا إليه سالفا.
المحادثات بين الهاغانا وبين "ايتسل" و" ليحي" عشية الهجوم على دير ياسين :
كان الطرف الأقوى بين المنظمات الثلاث في القدس الهاغانا التابعة للقيادة العمالية بزعامة بن غوريون وكان عداد قواتها في المدينة 5335 جنديا وحارسا وذلك في أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1957 قبيل صدور قرار التقسيم. وكان أهم هذه القوات التي نمت وتطورت بعد قرار التقسيم وحدات جيش الميدان ووحدات البالماخ الضاربة. وانقسمت وحدات جيش الميدان إلى كتائب ثلاث: كتيبة "مخمش" وكتيبة "موريا"، وكتيبة "بيت حورون" وتمركزت سرايا البالماخ في المستعمرات القريبة من قرية القسطل على طريق تل أبيب - يافا - القدس الرئيسية كما تمركزت وحدة منها في معسكر شنلر في ضاحية غربية من القدس على بعد كيلومترين إلى الشرق من دير ياسين.
وفي 14 شباط (فبراير) 1948 عين بن غوريون قائد جديدا (للهاغانا في القدس أي للأحياء اليهودية منها) هو ديفيد شلتئيل وزوده بتعليمات فحواها أن عليه انتهاج خطة على مرحلتين في المدينة. المرحلة (1) إلى حين خروج البريطانيين في 15 أيار 1948 والمرحلة (2) مباشرة بعد الجلاء البريطاني، وفي المرحلة الأولى على الهاغانا التحصن وإعداد المدينة ومداخلها للدفاع، منع هجر الأحياء اليهودية الحدودية، تأمين المواصلات بالمستعمرات المجاورة، منع إخلاء البلدة القديمة من اليهود، السيطرة على طريق القدس - باب الواد المؤدية إلى الساحل والسيطرة في كل فرصة عسكرية وسياسية على أحياء العرب بهدف تأمين تواصل المناطق اليهودية في المدينة جغرافيا، وفي المرحلة (2) بعد الجلاء البريطاني، تلخصت الأوامر بجملة مقتضبة:"تحرير البلدة القديمة والقدس بأكملها".
كان شلتئيل ألماني الأصل خدم في الفرقة الأجنبية الفرنسية وعمل رئيسا لاستخبارات الهاغانا قبل توليه منصبه بالقدس وكان رئيس "الايتسل" في القدس مردخاي رعنان بينما كان يهوشع زطلر رئيس "ليحي". وعندما بدأت الهاغانا بعملية "نحشون" في 4 نيسان لاحتلال القرى العربية الواقعة على جانبي طريق يافا - القدس في السهل الساحلي واحتدمت معركة القسطل في جبال القدس بعد احتلالها في اليوم نفسه من قبل قوات البالماخ ضمن إطار عملية "نحشون" ذاتها شعر قائد "ايتسل" و"ليحي" في القدس بالحرج تجاه هذا التحرك الواسع النطاق من قبل الهاغانا فقررا أن يقوما بعمل "يضاهي" ما تقوم به الهاغانا. ويقول إسحاق ليفي رئيس استخبارات الهاغانا في القدس في حينه في مذكراته إنه نظرا لقلة مواردهما نسبيا ولعجزهما عن القيام بعملية واسعة النطاق على غرار الهاغانا وخشية أن يتم "عزلهما" لدى الرأي العام اليهودي المقدسي وقع اختيارهما على دير ياسين وكان ذلك في 6 نيسان.
ويقول مئير بعيل الذي كان يعمل في استخبارات البالماخ "إن قادة "ايتسل" و "ليحي" جاؤوا إلى شلتئيل طالبين منه الموافقة على الهجوم على دير ياسين فقال لهم: لماذا دير ياسين؟ هذه قرية هادئة ويوجد اتفاق عدم تعدي بين غيفعات شاؤول (المستعمرة الأقرب إلى دير ياسين) وبين مختارها والقرية لا تشكل أي خطر أمني علينا ومشكلتنا هي المعركة الدائرة في القسطل والذي اقترحه أن تندمجوا في معركة القسطل وسأعطيكم مستعمرة بيت فيغان كقاعدة للهجوم على قرية عين كارم التي تتوجه عبرها النجدات العربية إلى القسطل. فأجاب قائدا "ايتسل و ليحي" بأن الهجوم على عين كارم عملية في غاية التعقيد فقال شلتئيل: أعطيكم عملية أهون منها، خذوا مستعمرة موتا قاعدة لكم للهجوم على قرية قالونيا "القرية الأقرب إى القسطل": حيث يمكنكم أن تفعلوا ما تشاؤون ( Control, Destroy, Demolish) لأن القوات العربية تتمركز فيها (أي في قالونيا)".