كان العرب، وما زالوا،يعانون من الإزاحة والإسقاط؛ وتعليق إخفاقاتهم وعيوبهم على مشجب المؤامرة وتكالب الأعداء والحاسدين...؛ لا بل قد يخونهم التعبير، وتخذلهم الظروف، ويفوتهم الزمن، وتدور عليهم الدوائر؛ بدون أي تقصير منهم .. أما العنب الطلي الشهي، الذي عجزت حيلة العرب – لا العرب أنفسهم - عن الوصول إليه، فهو بالتأكيد عنبٌ حامضٌ، مزٌ خمطٌ صمقرٌ...!!
***
خاض معالي د. غازي القصيبي، عام 1999م، غمار المنافسة للفوز بمنصب المدير العام الثامن لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم: اليونسكو UNESCO. وفي ذروة التنافس الحامي، وُجّه سؤال إلى القصيبي، عمّا سيفعله إن لم يفز بالمنصب، فكانت اجابته: "كتابة رواية!". وقد أسفرت الليالي، عن اختيار أستاذ القانون والدبلوماسي الياباني "كوتشيرو ماتسورا"، من قبل المجلس الأعلى لليونسكو، مديرا عاما للمنظمة لمدة 6 سنوات، اعتبارا من 12 نوفمبر 1999م؛ أما القصيبي فقد أصدر روايته عام 2000م، بعنوان "دنسكو" !!
و"دنسكو" ككثير من روايات القصيبي ومقالاته؛ صُبّها في قالب ساخر من الطرافة والتنكيت والتصوير الكاريكاتوري، مغلفا إياها بطبقة رقيقة من الرمزية الواضحة والمباشرة، بعيدة عن التعقيد والترميز المركّب العصي على الفك والتحليل إلا للنخب المثقفة. ويبدو أن القصيبي يميل إلى النهج الذي يرى في تعقيد الرواية أو القصة – تحديدا - وترميزهما بأكثر من المعقول، خروجا بفنون السرد عن أهم مراميها، وهو إمتاع المتلقين من عامة القراء، وتمرير الفكرة بسلاسة ووضوح، من ذهن الكاتب إلى وجدان القارئ العادي. إن لم يكن هذا هو مرمى القصيبي من الترميز البسيط في سردياته، فليس هنالك من شك، بأن القدرة على الترميز المتقدّم تعوز القصيبي .
"دنس" كو.. الواقع والخيال:
دنسكو في رواية القصيبي منظمة دولية خيالية تسمى بالإنجليزية:"Department Of Archeology, Nature, Sociology, Knowledge, and Organization". وتعرف بالمختصر: ""DANSKO . وتسمى بالعربية: "إدارة الآثار والطبيعة والمعرفة والتنظيم"، وتعرف باسمها المختصر "دنسكو". ولا حاجة لتنبيه القارئ أن دنسكو المتخيلَّة ليست إلا يونسكو الواقع.
إنما هناك حاجة للفت نظر القارئ، إلى أن يونسكو الواقع، منظمة نزيهة ذات نشاط إنساني ملموس، يتشرف كل من مارس أو يستطيع ممارسة العمل الإداري، أن يكون على قمة هيكلها التنظيمي، ومشرفا على نشاطها الإنساني واسع النطاق لفترة من الفترات؛ و إلا لما سعى إلى إدارتها رجل يرنو إلى الشرف الإداري تلو الشرف الإداري .. كالقصيبي.
لكن دنسكو القصيبي المتخيلة، ويشهد بذلك نحت اسمها من مصدر "دنس" بالعربية، منظمة (مُدنّسة) قذرة مشبوهة، تملأ أحشائها ودهاليزها المكائد والمؤمرات، والأسرار والرشاوى والاختلاسات والمقامرات والمحسوبيات والخمور والنساء العاهرات. وجهاز دنسكو الإداري،جهاز مترهل بالبطالة المقنعة، يعاني من الفساد الإداري والمالي بشكل صارخ، ترقياته وتعييناته بحسب المصالح الشخصية والدنيئة، برامجه وهمية وبأسماء كبيرة ورنانة، هدفها الحقيقي والوحيد هو "الاختلاس" ؛ من أشهر هذه البرامج برنامج "معرفة السلام".
ثمة ثلاثة من الاحتمالات، لتفسير ترميز القصيبي ليونسكو الواقع النظيفة بدنسكو الخيال القذرة، وهي: أن القصيبي لم يكتشف أسرار اليونسكو إلا أثناء خوض غمار المنافسة على منصب مديرها العام، وبالتالي فهو يحمد الله أنه لم (يدنّس) بها تاريخه الإداري والدبلوماسي. أو أن القصيبي ما سعى للظفر بهذا المنصب، إلا لإنقاذ اليونسكو من رزاياها وتطهيرها من (دنسها) .. أو أن اليونسكو، التي تمنعت على القصيبي ، ليست إلا عنبٌ حامضٌ ( دنس ) لا يستحق الالتفات!! - بطريقة تفكير الثعلب في قصة الأطفال الشهيرة.
عالم دنسكو:
في الرواية تقسيم لعالم دنسكو الخيالي، على غرار عالم الواقع، إلى ست قارات: القارة العظمى (آسيا). القارة العذراء (افريقيا). القارة الجنوبية (أمريكا الجنوبية). قارة عربستان (العالم العربي بجناحيه الآسيوي والأفريقي). قارة الفرنجة (أوربا). قارة الروسلاند (أمريكا الشمالية وكندا). ومن الواضح أن القصيبي لم يهتم أو يجهد قلمه كثيرا بمقابلة كل قارة في عالم الواقع، بقارة تقابلها في عالم دنسكو الخيالي؛ فليس هناك ما يقابل قارة عربستان في الواقع، وليس هناك ما يقابل استراليا في عالم دنسكو المتخيل. تجدر ملاحظة أن تعبير "عربستان"، أصبح تعبيرا مبتذلا مستهلكا، لتسمية البلدان العربية بالجملة.
أسرار دنسكو:
بطل الرواية هو البروفيسور "روبيرتو تشايني" المدير التنفيذي الحالي لدنسكو. والذي ظل في إدارة "دنسكو" عشر سنوات. والبروفيسور اليوم يشعر بكثير من الأسى والشفقة على الذات؛ فالإدارة،بحسب ميثاق المنظمة، سوف تؤخذ منه وتعطى لغيره. وهو، بحسب تصوره، قد أعطى الإدارة أغلى سنوات عمره، وأعادها إلى الحياة بعد أن كادت تموت، ووَضعها من جديد على الخارطة؛ رغم ذلك فقد أصبحت أيامه في الإدارة معدودة، خصوصا وأن الدولة رقم 40 في القارة العظمى، ذات النفوذ والقوة، قد تقدّمت بمرشح لإدارة اليونسكو.. وبالتالي فقد بدأ المدير التنفيذي، يتأقلم مع فكرة "الحياة بلا إدارة".
كبيرة مستشاري المدير التنفيذي هي "سونيا كليتور"، أو (اللحمة) التي طُبخت في مرقتها الرواية: ذكية، جميلة، بعطر فوّاح،تحصل على المعلومات بطريقتها (الخاصة)، وتُقسم دائما على كتمان الأسرار ب(شرفها). وسونيا كليتور، في دنسكو، مثال للموظف المهم و المتنفّذ المنتفع في ذات الوقت. وسونيا كليتور تدرك أن بقاءها في الإدارة مرهون ببقاء المدير التنفيذي الحالي، أو بأمر آخر. وعلاوة على سونيا كليتور هناك مستشارين للرئيس التنفيذي لشؤون القارات؛ جميعهم حمقى، معينون بالوساطة من قبل حكماء ( حكّام ) قاراتهم.
تقترح "سونيا كليتور" على المدير التنفيذي خطة لبقاء –كليهما- في الإدارة؛ وتنطوي الخطة على إقناع كل قارة من قارات العالم الست، بأن تتقدّم بمرشح لإدارة دنسكو؛ ووفقا لسيناريو الخطة، فسوف يحطّم المرشحون بعضهم بعضا، وتتوزع الأصوات فيما بينهم. وعندها، لن يحصل أي من المرشحين الستة على أغلبية الأصوات، خصوصا مرشح القارة العظمى، الذي يرتكز على نفوذ الدولة رقم 40 في القارة،و يبدو أنه بلا نافس، وهو المرشح الذي وضعت هذه الخطة من أجل تحطيمه بالمقام الأول . فتؤول الإدارة، بموجب خطة روبيرتو وسونيا، إلى المدير التنفيذي الحالي؛ وبحسب قوانين المنظمة.
مرشح عربستان :
جاء جميع مرشحي القارات لإدارة دنسكو في غالبيتهم حمقى، أو غريبي الأطوار على الأهون، ليس من بينهم مؤهل لإدارة دنسكو؛ وذلك من تفاصيل خطة روبيرتو وسونيا. وبحسب هذه الخطة أيضا، فلن يحصل أحد من هؤلاء الحمقى على إجماع أو أغلبية؛ سيشتتون الأصوات، ويضمن المدير الحالي البقاء في منصبه.
مرشح القارة العذراء وزير مالية سابق؛ مغرم بالإحصائيات الدقيقة والحديثة والمملة في ذات الوقت، مهووس بجمع توقيعات الحاصلين على جواز نوبل وتزكيات الجامعات الغربية، يبالغ في الحديث من خلال الإحصائيات الدقيقة، فيتبعثر الصحفيين وسائر الإعلاميين وبقية الناس من حوله. ومرشح قارة الفرنجة ممثل شهير؛ متخصص في تمثيل مسرحيات شكسبير، لا يتكلم إلا بنصوص مسرحياته الشعرية، ومسرحية "هاملت" على وجه التحديد. ومرشح القارة الجنوبية رئيس جمهورية سابق؛ مصاب بجنون العظمة، ينظر على إدارة اليونسكو، على أنها مجرد فترة استراحة بين فترتي رئاسة، وهو فض، وقح، يسب، يشتم، يبصق... ومرشح قارة الروسلاند بروفيسور في علم النفس؛ شارد الذهن، كثير النسيان، قضى ربع قرن في البحث عن سر الخلاف بين فرويد ويونج، سكيّر أيضا. لكن مرشح القارة العظمى رجل غامض؛ لا يتكلم إلا بحدود التعليمات التي أعطيت له. لا يصرّح لوسائل الإعلام مطلقا، كل الدلائل تشير إلى احتمال فوزه بمنصب المدير التنفيذي، فقد رشّحته الدولة العظمى رقم 40 في قارته، اعتمادا على نفوذها العسكري والاقتصادي.
أما مرشح قارة عربستان، فهو شاعر غريب الطباع؛ لا ينطق إلا شعرا، والشعر الذي لا ينطق سواه، ليس من شعره الخاص، بل لشاعر عربي قديم هو "أبو الطيب المتنبي". ولسنا في حاجة لكثير من العناء لندرك أن المرشح العربستاني المتخيل، هو غازي القصيبي في الواقع. فالقصيبي مفتون بالمتنبي، وهو افتتان لا يخفيه القصيبي. ولعل القارئ يذكر تلك المقابلة الصحفية التي أجراها أحد الصحفيين الخليجيين مع غازي القصيبي، والتي بلغت أسئلة الصحفي فيها مائة سؤال، أجاب عنها القصيبي – بالكامل- من شعر المتنبي!! من جهة ثانية بدا القصيبي عاجزا عن التأملات الفكرية والفلسفية في الرواية، أو أن الوقت لم يكن ليسعفه لمثل هذه التأملات، فلجا إلى حكمة وفلسفة المتنبي في أبياته وقصائده الخالدة.
وهكذا تكتمل عناصر الترميز البسيط المنتظم، فدنسكو هي اليونسكو، ومنصب المدير التنفيذي هو منصب مدير اليونسكو ، والقصيبي هو المرشح العربي أو مرشح عربستان.. إلا أن هناك معضلة فنية في الرواية، نجمت عن افتراض اكتمال القطعة الأخيرة من قطع بازل الترميز؛ إذ أن المدير الحالي ليونسكو الواقع، وفي توقيت الانتخابات الذي يؤكده القصيبي ويربطه بالواقع في مطلع كل فصل من فصول الرواية، هو الأسباني "فيدريكو ماير"، الذي ظل مديرا لليونسكو للفترة 1987- 1999م!! وفي سياق الترميز المنتظم والمتسلسل، لابد أن يكون المدير التنفيذي لدنسكو الخيال، هو فيدريكو ماير في الواقع!! ويبدو أن فدريكو ماير، لا يقرأ العربية في وقت لم تترجم فيه دنسكو!.
حملة الانتخابات:
تستمر حملة الانتخابات من فبراير حتى أغسطس 1999م؛ وتختلط فيها الخطب والمحاضرات والدعاية والتصريحات والإشاعات والاتصالات الهاتفية ، وإيداع الرشاوى في حسابات أصحاب القرار، من حيث يعلمون ولا يعلمون، إلا أنهم في كل الأحوال " يشعرون بقليل من الدهشة وكثير من السرور"!!. وتتأكد الصورة الفظيعة للفساد المالي والإداري والأخلاقي المحيط بدنسكو.
في خضم حملة الانتخابات يظهر الدكتور جيكل الصحفي الشهير، ليصرّح أثناء احتدام الحملة الانتخابية، بأن روح الزعيم المؤمن، زارته في المنام، وأخبرته أن مرشح القارة العذراء، سوف يحظى ب 99ر99% من أصوات مجلس الحكماء. وعند القراءة السريعة للرواية، يبدو ظهور دكتور جيكل ظهورا عرضيا لا يتعدى التعبير عن اختلاط الحابل بالنابل وسط نيران الانتخابات المستعرة؛ وعند التأني قليلا، تقفز إلى الذهن صورة الكاتب المصري ( العربي الأفريقي) محمد حسنين هيكل، فتنفك عقدة من عقد الترميز البسيطة في الرواية ، ويتنامى إلى الذاكرة وقوف القصيبي وهيكل في معسكرين إعلاميين متناقضين، إبان انقسام العرب المرير عندما قام صدام حسين بغزو الكويت عام 1990م. يزداد هذا الترميز جلاء عندما يقول مرشح عربستان لرئيس اتحاد عربستان، الذي وعده بأن يحشد له دعم كل دول قارة عربستان وأصوات ناخبيها الأشقاء، وعلى لسان المتنبي :
فلم أر ودهم إلا خداعا :: و لم أر دينهم إلا نفاقا
ويقول على لسان المتنبي أيضا :
ولا تطمعن من حاسد في مودّة :: وإن كنت تبديها له و تنيلُ
وليتذكر القارئ الكريم أن هناك مرشح عربي أفريقي، كان من بين منافسي القصيبي على منصب مدير عام اليونسكو.
على كل، فقد أجريت ست دورات انتخابية، بعد الحملة الانتخابية، أظهرت بجلاء شخصيات المرشحين الكاريكاتورية . ولم تسفر جميع الدورات الانتخابية، عن انتخاب أي من المرشحين الستة. وبدا في الأفق نجاح خطة المدير التنفيذي وكبيرة مستشاريه.
المدير التنفيذي الجديد:
بما أن قارة الفرنجة تدفع أكثر من 74% من ميزانية دنسكو، فقد قرر رئيس مجلس الحكماء، وفي ظل عدم إسفار الدورات الانتخابية عن انتخاب أي مرشح لإدارة المنظمة، الاستئناس برأي رئيس اتحاد قارة الفرنجة، والذي يبدو أن "سونيا كليتور" قد قدّرت أهميته، وبذلك أتت مديراً تنفيذياً جديداً لدنسكو!!
تمنى كثير من القراء أن لو انتهت رواية دنسكو إلى هذا الحد؛ فالأمر سيقلل من حدة التطرف في (تدنيس) اليونسكو وربطها بكل ما هو قبيح ودنس. لكن القصيبي وفي خاتمة ثقيلة، أقحم إيزاك وايزمن، وهو اليهودي الذي أتضح في نهاية الرواية، أنه المحرك الرئيسي لكل ما دار ويدور في دنسكو. كما أتضح لسونيا كليتور، أنه هو – وايزمن - الذي يقف خلف ترشيحها، ولذلك فعليها أن تطيعه وتكون مجرّد أداة (حقيرة) في يده. وخاتمة دنسكو الثقيلة تماثلها في الطرف الآخر مقدمة الرواية، التي بدت بلا مغزى؛ فالمقدمة تنوّه بأن دنسكو منظمة خيالية .. وغاية رواية من هذا النوع، جلية لا تحتاج إلى تنويه.
رغم ثقل المقدة والخاتمة في دنسكو، إلا أن تتابع فصولها المنتظم، وظهور الشخصيات بترتيب مدروس، وتوالي الحور على نحو منسّق، برع القصيبي فيه من خلال تقنية كتابية متميزة، جعل من الرواية كوميديا سوداء متميّزة؛ بغض النظر عن التطرف في وصم المؤسسة التي طالما سعى الكاتب للظفر بإدارتها، بالدنس والفساد.
أحدى شقيّات الصحافة سالت القصيبي، بعد دنسكو، ما إذا كان قد رشّح نفسه لأمين عام الجامعة العربية؟ وهل سيكتب رواية بعنوان " جعسكو" في حالة عدم تمكنه من الفوز بالمنصب؟ فأجابها باقتضاب وجدّية " لست مرشحاً لشيء، وروايتي الجديدة اسمها ابو شلاخ البرمائي وهي في السوق"