
نجيب الزامل
.. سألتني المتابعةُ في زاوية اسألوني، ن. البيطار، سؤالاً دقيقاً: ما الفرق بين السعادة والمرح؟ ووعدتها بأن الموضوعَ يستحق مقالا.. هنا أحاول أن أوفي بالوعد.
هناك فرق كبير بين المرح والسعادة، ولما وزنتُ الفرقَ وجدت أن المرحَ أعظم قيمة من السعادة. فالسعادةُ صفةٌ لازمةٌ تملأ قلبَ صاحبها، وتطلقُ روحَه من إسار الحزن والضيق والقلق، ولكنها تبقى لصاحبها، فقد يكون الشخصُ سعيدا ولا نعلم عنه، ولا تنتقل هذه السعادة إلى من حوله لأنها مكنونة في القلب، وأثيرٌ داخليٌ منعشٌ يدورُ في خلايا الكيان الفردي ولا يشعّ منه. إذن، فهي محبوسةٌ ومقنّنةٌ ومملوكةٌ لمن يشعر بها، ولا تكون مقدَّمة للآخرين ليستفيدوا منها إلا ما توفره السعادة من صحة عقلية ونفسية فلا نضيف فردا للمجتمع يعاني من أمراض وعقد نفسية. ربما السعادة من فوائدها أن تجعل قلبَ السعيد مفتوحا لحب وقبول الناس، وربما منهِّضة لرغبة أعمال الخير داخله.. ولكن هذا أثرٌ غير مباشر، قد يحصل.. وقد لا يحصل على الإطلاق.
ثم أن السعادة، ليست طبعا بل هي أثر من مؤثرٍ خارجي، كأن ينجح الشخصُ في امتحان يخوضه، أو يشفى له حبيب، أو يقع في هناءة الحب، أو يحصل على شيء كان يراود أحلامَه. ومن صفة الطبع البقاء والاستمرار، ومن صفة الأثر الشعوري الوقتية واللحظية.. وقد يكون المرءُ سعيدا اليوم ثم قلقا محمومَ الشعور في الغد، بل هناك من يتقلب بين الشعورين في اللحظات والسويعات.
والمرحُ مصباحٌ، والسعادةُ أيضا مصباح. وبينما السعادةُ مصباحٌ يشعُّ داخل القلب وينحبس داخله، فالمرحُ مصباحٌ قي القلب يملأه نورا، ثم ينطلق النورُ ليعم الآخرين. أو أن المرحَ شمسٌ لابد أن يستضيءَ بها الآخرون. والمرَحُ طبعٌ، ومن صفة الطبع أن يكون من جبّلة تكوين السلوك لدى الفرد، لذا نقولُ إن الإنسانَ هذا طبعُه المرح، ولا نقول إن طبعَ هذا الإنسان السعادة. والمرحُ عطرٌ ينتشر لمقدرة صاحبة على نقل السرور للناس من حوله، بل ان المرحَ ينقل الانتشاءَ والبسمة وصفاءَ المزاج ليس فقط للناس ولكن، وهذا ملموس، لكل المكان..
والمرحُ طبعٌ، لذا لا يهم إن كان المرِحُ سعيدا أم شقيا، محظوظا أم منحوسا، فهو رغما عنه ينقل المرحَ معه لأنه يشع منه ولا يتحكم بمفتاح تشغيله، أو أنه صفة خلقية بلا مفتاح تشغيل، أو أن زرَّ التشغيل جمد أبديا على خانة الفتح. كان «المازني» ضئيلا ويعرج، ولكن أشد زملائه الثلاثة في رابطة الديوان، شكري والعقاد، مرحا، مع أن حياته مليئة بالخيبة تتلوها الخيبات، وحتى عندما يضع عناوين شاحبة لكتبه مثل حصاد الهشيم، فهو يريد أن يبث حزنا، ولكن طبيعته المرحة غالبة، فبينما ينتظر أن نشعر معه بغيمة الخيبة وثقل الأحزان، فإذا القارئ لا يمسك عن الابتسام. وكان «مارك توين» الأمريكي أكثر المرحين على الإطلاق – برأيي- في كل الأدب العالمي- أو كي لا أكون مبالغاً، ما قرأته في الأدب العالمي. ومارك توين إن تسنى لك وقرأتَ قصة حياتِه فهي ملحمةٌ من الآلام والإخفاق وفقدُ أعز الناس، وركضٌ دموي وراء شهرة تضيع، أو صيت يُفقد، أو نجاح يغمر، لو سألت بناته وزوجته التي ماتت وكان يحبها حبا منقطعا متبتلا، ولكن كثير التململ منها لأنها تريده أن يرتاح في حياته ولو للحظة، لقلن لك إنه الشقاءُ صُوِّر إنسانا، قصة حياته منجم خصب للحزن.. ولكنه هو من علّم كتاب أمريكا كيف يكونون مرحين حتى في أكبر القضايا، فقصة لواقع ظالم بين عبدٍ هارب وصبي أبيض، تعتبر مرجحة لدراما متكاملة، فيها من المرح ما يجعلك تنسى واقع القضية التي أراد أن يثيرها. والجاحظ معلمٌ كبيرٌ وموسوعةٌ ذاتية ما زالت تعتبره كمبردج البريطانية – ولسنا نحن- أباً للأسلوب العلمي وحامل لوائه، ولكن شخصيته المرحة الطاغية تبهج قرّاءه عبر القرون، رغم عناوين مثل البخلاء، والبيان والتبيين.. والحيوان.
والمرحُ غير السخرية والأدب الضاحك، والا أدرجنا برنارد شو، وأوسكار وايلد، وحافظ ابراهيم، وأحمد رجب المعاصر، وحسن السبع الكاتب هنا.
هل المرح يكتسب؟ ربما لا، لأنه طبيعة، وهنا نقطة ضعفه ومكمن قوته في آن. هل المرح ينقله فقط الإنسان.. أم ينطلق من الجماد؟ الغريب أنه ينبت من الجماد، وهنا يكون المرح اكتسابا أو اكسابا، كتبتُ هنا مرة: بينما يكون من طبيعة بعض المدن الكآبة، فهناك مدنٌ مرحة.. وهذا حسب مزاج وطبع من يدير المدينة، والأمثلة أيضا.. ملموسة. ولكن لن أناقش معكم موضوعا يقتل الاثنين معا: المرحَ والسعادة.
جعلكم الله من المرحين السعيدين.