وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
يخبرنا الله تعالى أنه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كلهم ، والعالمين جمع عالم ، يشمل كل العوالم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والإنس والملائكة والأشجار والبهائم والجمادات وكل ما خلق الله مما نعلم ومما لا نعلم وكل منهم رحم بحسب طبيعته وفطرته أو بحسب قبوله لهذه الرحمة أو ردها فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة .
لقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة مع جميع المخلوقات فقال صلى الله عليه وسلم : ( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) رواه الترمذي
روي أنه مرت جنازة لمشرك فقام النبي صلى الله عليه وسلم لها ، فقيل له يا رسول الله أنه مشرك فقال صلى الله عليه وسلم : ( أليست نفساً ) رواه البخاري ومسلم .
بل إنه يفيض رحمة وشفقة بفيض قلبه الكبير بالرحمة فيبكي وقد يسمع صوت بكائه ولذلك وصفه رب العزة جل جلاله في آخر سورة التوبة يقوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عله ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } التوبة / 128 .
في هذه الآية الكريمة يبين الحق عز وجل أنه أعطاه اسمين من أسمائه العظمى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( قيل يا رسول الله ادع على المشركين . قال : إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة ) رواه مسلم ، وهذا يدل على عظم أخلاقه وسمو فضله صلى الله عليه وسلم ، حتى مع أولئك الذين آذوه واضطهدوه وسخروا منه ورموه بالحجارة وجعلوا رفث البعير على رأسه ، وهو قائم يصلي في فناء الكعبة ، ففي أشد أوقاته صلى الله عليه وسلم وأحلكها وأثقلها على نفسه لم يكن صلى الله عليه وسلم يدعوا إلا بالمغفرة والرحمة ، فعن عروة رضي الله عنه أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته : أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟ قال : ( لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان اشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأس ، فإذا أنا بسحابة قط أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال ، لتأمره بما شئت ÷ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ _ الأخشبان هما جبلان محيطان بمكة _ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ) رواه البخاري .
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ( كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ضربة قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول :اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) متفق عليه .
ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمامان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن رجلاً أسود أو امرأة سوداء ، كان يقم المسجد فمات ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال : مات ، قال : أفلا كنتم آذنتموني به ، دلني عل قبره أو قال قبرها ، فأتى قبرها فصلى عليها ) .
ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حيث قال :
يا من له الأخلاق وما تهوى العلى
منها وما يتعشق الكبراء
فإذا رحمت فأنت أم أو أب
هذان في الدنيا هم الرحماء
تلك الرحمة التي جعلت من أبغضوه أحب الناس إليه ، عن جابر رضي الله عنه ( أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال : إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا ، قال من يمنعك مني ؟ قلت : الله ثلاثاً ولم يعاقبه وجلس ) . متفق عليه . وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أخذ السيف وقال له : ( أنت من يمنعك مني ؟ ) قال يا محمد كن خير آخذ ، فعفا عنه صلى الله عليه وسلم ، فذهب إلى قومه يقول لهم : جئتكم من عند خير الناس .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا والمسلمين جميعاً والحمد لله رب العالمين .